الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
921 - 6 وَفِيمَا ذَكَرَ أَبُو الطَّيِّبِ أَحْمَدُ بْنُ رَوْحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، حَدَّثَنَا سُنَيْدُ بْنُ دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ ، عَنْ رَجُلٍ ، مِنْ أَهْلِ رُومِيَّةَ ، قَالَ : أَتَانَا رَجُلٌ فِي وَجْهِهِ أَثَرُ خُمُوشٍ قَدْ بَقِيَتْ ، فَسَأَلْنَا : مَا هَذَا الَّذِي بِوَجْهِكَ ؟ ، فَقَالَ : " خَرَجْنَا فِي مَرْكَبٍ فَأَذْرَتْنَا الرِّيحُ إِلَى جَزِيرَةٍ ، فَلَمْ نَسْتَطِعْ نَبْرَحُ ، فَأَتَانَا قَوْمٌ وُجُوهُهُمْ وُجُوهُ الْكِلَابِ ، وَسَائِرُ خَلْقِهِمْ يُشْبِهُ خَلْقَ النَّاسِ ، فَسَبَقَ إِلَيْنَا رَجُلٌ مِنْهُمْ ، وَوَقَفَ الْآخَرُونَ عَنَّا ، فَسَاقَنَا الرَّجُلُ إِلَى مَنْزِلِهِ ، فَإِذَا دَارٌ وَاسِعَةٌ ، وَفِيهَا قِدْرٌ نُحَاسٌ ، عَلَى أَثَافِيهَا وَحَوْلَهَا جَمَاجِمُ ، وَأَذْرُعٌ ، وَأَسْوُقُ النَّاسِ ، فَأُدْخِلْنَا بَيْتًا ، فَإِذَا فِيهِ إِنْسَانٌ قَدْ كَانَ أَصَابَهُ مِثْلُ مَا أَصَابَنَا ، فَجَعَلَ يَأْتِينَا بِالطَّعَامِ وَالْفَوَاكِهِ ، فَقَالَ لِي ذَلِكَ الْإِنْسَانُ : إِنَّمَا يُطْعِمُكُمْ هَذَا الطَّعَامَ ، فَمَنْ سَمِنَ مِنْكُمْ أَكَلَهُ ، فَانْظُرْ لِنَفْسِكَ ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ بِأَصْحَابِي ، قَالَ : فَكُنْتُ أُقْصِرُ عَنِ الْأَكْلِ ، فَكَانَ كُلُّ مَنْ سَمِنَ مِنْ أَصْحَابِي ذَهَبَ بِهِ فَأَكَلَهُ ، حَتَّى بَقِيتُ أَنَا وَذَلِكَ الرَّجُلُ ، وَحَضَرَ لَهُمْ عِيدٌ ، فَقَالَ لِيَ الرَّجُلُ : " حَضَرَ لَهُمْ عِيدٌ ، يَخْرُجُونَ إِلَيْهِ بِأَجْمَعِهِمْ ، وَيُقِيمُونَ ثَلَاثًا ، فَإِنْ يَكُ بِكَ نَجَاءٌ ، فَانْجُ ، فَأَمَّا أَنَا فَقَدْ ذَهَبَتْ رِجْلَايَ ، وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ أَسْرَعُ شَيْءٍ طَلَبًا ، وَأَشَدُّهُ اسْتِنْشَاقًا لِرَائِحَةٍ ، وَأَعْرَفَهُ أَثَرَ الرَّجُلِ ، إِلَّا مَنْ دَخَلَ تَحْتَ شَجَرَةِ كَذَا ، وَالشَّجَرَةُ تَكْثُرُ فِي بِلَادِهِمْ ، فَخَرَجْتُ أَسِيرُ اللَّيْلَ ، وَأَكْمُنُ النَّهَارَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ . فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ ، إِذَا هُمْ قَدْ جَاءُوا كَالْكِلَابِ يَقُصُّونَ أَثَرِي ، فَمَرُّوا بِتِلْكَ الشَّجَرَةِ ، وَأَنَا فِيهَا ، فَانْقَطَعَ عَنْهُمُ الْأَثَرُ فَرَجَعُوا ، فَلَمَّا جَاوَزُوا أَمِنْتُ وَخَرَجْتُ ، فَبَيْنَا أَنَا أَسِيرُ فِي تِلْكَ الْجَزِيرَةِ ، إِذْ رُفِعَ لِي شَجَرَةٌ كَبِيرَةٌ ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهَا ، فَإِذَا بِهَا مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْفَوَاكِهِ ، وَإِذَا تَحْتَ ظِلَالِهَا رِجَالٌ ، كَأَحْسَنِ مَا رَأَيْتُ مِنْ صُورَةِ رِجَالٍ ، أَنْدِيَةً ، أَنْدِيَةً ، فَقَعَدْتُ إِلَى نَادٍ مِنْهُمْ ، فَجَعَلْتُ أُكَلِّمُهُمْ فَلَا يَفْهَمُونَ كَلَامِي ، وَلَا أَفْهَمُ كَلَامَهُمْ ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ مَعَهُمْ ، إِذْ وَضَعَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يَدَهُ عَلَى عَاتِقِي ، فَإِذَا هُوَ عَلَى رَقَبَتِي ، ثُمَّ لَوَى رِجْلَيْهِ عَلَيَّ ، ثُمَّ أَنْهَضَنِي ، فَجَعَلْتُ أُعَالِجُ لِأَطْرَحَهُ ، فَخَمَشَ فِي وَجْهِي ، وَجَعَلَ يَدُورُ بِي عَلَى تِلْكَ الثِّمَارِ ، فَيَجْتَنِيهَا ، وَيُلْقِيهَا إِلَى أَصْحَابِهِ ، وَيَضْحَكُونَ ، فَلَمَّا غُمِيَ عَمَدْتُ إِلَى عِنَبٍ فَقَطَعْتُهُ ، ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ إِلَى نَقْرَةٍ ، فِي صَخْرَةٍ فَعَصَرْتُهُ ، ثُمَّ تَرَكْتُهُ حَتَّى إِذَا غَلَا كَرَعْتُ فِيهِ ، فَقَالَ : أَيُّ شَيْءٍ هُوَ ؟ ، فَقُلْتُ : اكْرَعْ ، فَكَرَعَ فِيهِ ، فَسَكِرَ ، فَتَحَلَّلَتَ رِجْلَاهُ ، فَقَذَفْتُ بِهِ ، وَخَرَجْتُ ذَاهِبًا حَتَّى دَفَعْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهَا إِذَا نَاسٌ كَالْأَشْبَارِ ، أَكْثَرُهُمْ عُورٌ ، فَاجْتَمَعَ عَلِيَّ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ يَسُوقُونِي إِلَى أَمِيرِهِمْ ، فَأَمَرَ بِي إِلَى الْحَبْسِ ، فَانْتَهُوا بِي إِلَى حَبْسٍ كَقَفَصِ الدَّجَاجِ ، فَلَمَّا أَدْخَلُونِي قُمْتُ فَكَسَرْتُهُ ، فَأَهْمَلُونِي ، فَكُنْتُ أَعِيشُ فِيهِمْ ، ثُمَّ إِذَا هُمْ يَسْتَعِدُّونَ لِلْقِتَالِ ، فَقُلْتُ لَهُمْ : مَا هَذَا ؟ ، قَالُوا عَدُوٌّ يَأْتِينَا ، فَلَمْ نَلْبَثْ أَنْ طَلَعَتِ الْفَرَاشُ ، فَإِذَا أَكْثَرُهُمْ عُورٌ ، فَأَخَذْتُ عَصًا ، فَشَدَدْتُ عَلَيْهَا ، فَطَارَتْ وَذَهَبَتْ عَنْهُمْ ، فَأَكْرَمُونِي ، وَعَظَّمُونِي ، فَاشْتَقْتُ إِلَى النِّسَاءِ ، فَقَالُوا : " نُزَوِّجُكَ ، فَكُلَّمَا زَوَّجُونِي امْرَأَةً ، فَأَفْضَيْتُ إِلَيْهَا قَتَلْتُهَا ، فَقَالُوا : " أَقِمْ عِنْدَنَا ، وَلَا تُبَالِ بِقَتْلِهِنَّ ، فَعَمَدْتُ إِلَى جِذْعَيْنِ فَهَيَّأْتُهُمَا ، وَأَخَذْتُ حِبَالًا مِنْ لِحَاءِ الشَّجَرِ ، ثُمَّ رَبَطْتُ الْجِذْعَيْنِ ، وَجَعَلْتُ فِيهِمَا طَعَامًا وَمَاءً ، وَرَكِبْتُ ، وَاقْتَنَعْتُ بِبَقِيَّةِ ثَوْبٍ مَعِي ، فَأَلْقَتْنِي الرِّيحُ إِلَيْكُمْ ، فَهَذِهِ الْخُمُوشُ مِمَّا حَدَّثْتُكُمْ " .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية