الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
1068 - 4 حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ جَعْفَرٍ الْوَرَّاقُ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ أَبُو هِشَامٍ الصَّنْعَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ : " خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَمَا شَاءَ ، وَبِمَا شَاءَ ، فَكَانَ كَذَلِكَ ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ . خُلِقَ مِنَ التُّرَابِ ، وَالْمَاءِ ، فَمِنْهُ لَحْمُهُ ، وَدَمُهُ ، وَشَعْرُهُ ، وَعَظْمُهُ ، وَجَسَدُهُ كُلُّهُ ، فَهَذَا بَدْءُ الْخَلْقِ الَّذِي خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ آدَمَ ، ثُمَّ جُعِلَتْ فِيهِ النَّفْسُ ، فَبِهَا يَقُومُ ، وَيَقْعُدُ ، وَيَسْمَعُ ، وَيُبْصِرُ ، وَيَعْلَمُ مَا تَعْلَمُ الدَّوَابُّ ، وَيَتَّقِي مَا يَتَّقِي ، ثُمَّ جَعَلَ فِيهِ الرُّوحَ ، فَبِهِ عَرَفَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ ، وَالرُّشْدَ مِنَ الْغَيِّ ، وَبِهِ حَذَرَ ، وَتَقَدَّمَ ، وَاسْتَتَرَ ، وَتَعَلَّمَ ، وَدَبَّرَ الْأُمُورَ كُلَّهَا ، فَمِنَ التُّرَابِ يُبُوسَتُهُ ، وَمِنَ الْمَاءِ رُطُوبَتُهُ ، فَهَذَا بَدْءُ الْخَلْقِ الَّذِي خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ آدَمَ بِمَا أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ ، ثُمَّ جَعَلَ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الْفِطَرِ الْأَرْبَعِ أَنْوَاعًا مِنَ الْخَلْقِ أَرْبَعَةً فِي جَسَدِ ابْنِ آدَمَ ، فَهِيَ قِوَامُ جَسَدِهِ ، وِمِلَاكُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهِيَ الْمِرَّةُ السَّوْدَاءُ ، وَالْمِرَّةُ الصَّفْرَاءُ ، وَالدَّمُ ، وَالْبَلْغَمُ ، فَيُبُوسَتُهُ وَحَرَارَتُهُ مِنَ النَّفْسِ ، وَمَسْكَنُهَا فِي الدَّمِ ، وَبُرُوَدَتُهُ مِنْ قِبَلِ الرُّوحِ ، وَمَسْكَنُهُ فِي الْبَلْغَمِ ، فَإِذَا اعْتَدَلَتْ هَذِهِ الْفِطْرُ فِي الْجَسَدِ ، فَكَانَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ رُبَّمَا كَانَ جَسَدًا كَامِلًا ، وَجِسْمًا صَحِيحًا ، وَإِنْ كَثُرَ وَاحِدٌ مِنْهَا عَلَى صَاحَبْتِهِ عَلَاهَا وَقَهَرَهَا ، وَأَدْخَلَ عَلَيْهَا السَّقَمَ مِنْ نَاحِيَتِهِ ، وَإِنْ قَلَّ وَاحِدٌ مِنْهَا غَلَبَتْ عَلَيْهِ وَقَهَرَتْهُ ، وَمَالَتْ بِهِ ، فَضَعُفَ عَنْ قُوَّتِهَا ، وَعَجَزَ عَنْ طَاقَتِهَا ، وَأَدْخَلَ عَلَيْهَا السَّقَمَ مِنْ نَاحِيَتِهِ ، وَالطَّبِيبُ الْعَالِمُ بِالدَّاءِ وَالدَّوَاءِ يَعْلَمُ الْجَسَدَ مِنْ حَيْثُ أَتَى سَقَمُهُ : أَمِنْ نُقْصَانٍ أَمْ مِنْ زِيَادَةٍ ، وَيَعْلَمُ الدَّاءَ الَّذِي بِهِ يُعَالِجُهُ : أَيَنْقُصُ مِنْهُ إِنْ كَانَ زَائِدًا ، أَوْ يَزِيدُ فِيهِ إِنْ كَانَ نَاقِصًا ، يُقِيمُهُ عَلَى فِطَرِهِ ، وَيُعَدِّلُهُ مَعَ أَقْرَانِهِ ، ثُمَّ تَصِيرُ كَمَا ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ هَذَا الْخَلْقِ فِطَرًا ، بُنِيَ عَلَيْهَا أَخْلَاقُ ابْنِ آدَمَ ، وَبِهَا يَعْرِفُ أَوْ يُعْرَفُ ، فَمِنَ الْيُبُوسَةِ الْعَزْمُ ، وَمِنَ الرُّطُوبَةِ اللِّينُ ، وَمِنَ الْحَرَارَةِ الْحِدَّةُ ، وَمِنَ الْبُرُودَةِ الْأَنَاةُ ، فَإِنْ مَالَتْ بِهِ الْيُبُوسَةِ كَانَ عَزْمُهُ قَسَاوَةً ، فَإِنْ مَالَتْ بِهِ الرُّطُوبَةُ كَانَ لِينُهُ مَهَانَةً ، وَإِنْ مَالَتْ بِهِ الْحَرَارَةُ كَانَ حِدَّتُهُ طَيْشًا ، وَإِنْ مَالَتْ بِهِ الْبُرُودَةُ كَانَتْ أَنَاتُهُ رَيْنًا : أَيَّ هَذِهِ الْأَخْلَاقُ زَادَ عَلَيْهَا عَلَاهَا وَقَهَرَهَا ، وَأَدْخَلَ عَلَيْهَا الْعَيْبَ مِنْ نَاحِيَتِهِ ، وَأَيُّهَا قَلَّ عَنْهَا غَلَبَتْ عَلَيْهِ الْأَخْلَاقُ ، وَمَالَتْ بِهِ ، وَأَدْخَلَتْ عَلَيْهِ الْعَيْبَ مِنْ نَاحِيَتِهِ ، وَإِنِ اعْتَدَلَتْ أَخْلَاقُهُ وَاسْتَقَامَتْ كَانَ عَازِمًا فِي أَمْرِهِ ، لَيِّنًا فِي عَزْمِهِ ، حَادًّا فِي لِينِهِ ، مُتَوَانِيًا فِي جَدِّهِ ، لَا يَغْلِبُهُ خُلُقٌ مِنْ أَخْلَاقِهِ ، وَلَا يَمِيلُ بِهِ ، مِنْ أَيِّهَا شَاءَ اسْتَكْثَرَ ، وَمِنْ أَيِّهَا شَاءَ أَقَلَّ ، وَمِنْ أَيِّهَا شَاءَ عَدَلَ . يَعْلَمُ كُلَّ خَلْقٍ مِنْهَا إِذَا عَلَا بِأَيِّ شَيْءٍ يَمْزِجُهُ ، فَأَخْلَاقُهُ مُعْتَدِلَةٌ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تَكُونَ ، فَمِنَ التُّرَابِ قَسَاوَتُهُ ، وَحَصَرُهُ ، وَبُخْلُهُ ، وَفَظَاظَتُهُ ، وَنَدَمُهُ ، وَشُحُّهُ ، وَيَأْسُهُ ، وَقَنْطُهُ ، وَعَزْمُهُ ، وَإِصْدَادُهُ ، وَمِنَ الْمَاءِ لِينُهُ ، وَتَوَسُّعُهُ ، وَعَطَاؤُهُ ، وَكَرَمُهُ ، وَتَرَسُّلُهُ ، وَسَمَاحَتُهُ ، وَرَجَاؤُهُ ، وَاسْتِبْشَارُهُ ، وَقَبُولُهُ ، وَقُرْبُهُ ، فَإِذَا خَافَ ذُو الْعَقْلِ أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ يُبُوسَةُ التُّرَابِ ، وَتَمِيلَ بِهِ ، قَرَنَ بِكُلِّ خُلُقٍ مِنْهَا خُلُقًا مِنْ أَخْلَاقِ الْمَاءِ يُقَوِّمُهُ ، فَقَرَنَ بِالْقَسَاوَةِ اللِّينَ ، وَبِالْحَصَرِ التَّوَسُّعَ ، وَبِالْبُخْلِ الْعَطَاءَ ، وَبِالْفَظَاظَةِ الْكَرَمَ ، وِبِالْبَرَمِ التَّرَسُّلَ ، وَبِالشُّحِّ السَّمَاحَ ، وَبِالْيَأَسِ الرَّجَاءَ ، وَبِالْقَنَطِ الِاسْتِبْشَارَ ، وَبِالْعَزْمِ الْقَبُولَ ، وَبِالْإِصْدَادِ الْقُرْبَ . فَمِنَ النَّفْسِ حِدَّتُهُ ، وَخِفَّتُهُ ، وَشَهْوَتُهُ ، وَلَعِبُهُ ، وَلَهْوُهُ ، وَضَحِكُهُ ، وَسَفَهُهُ ، وَجِدُّهُ ، وَعُنْفُهُ ، وَخَوْفُهُ . وَمِنَ الرُّوحِ حِلْمُهُ ، وَوَقَارُهُ ، وَعَفَافُهُ ، وَحَيَاؤُهُ ، وَبَهَاؤُهُ ، وَتَكَرُّمُهُ ، وَصِدْقُهُ ، وَرِفْقُهُ ، وَصَبْرُهُ ، فَإِذَا خَافَ ذُو الْعَقْلِ أَنْ تَغْلِبَ عَلَيْهِ نَفْسُهُ ، وَتَمِيلَ بِهِ أَلْزَمَ كُلَّ خُلُقٍ مِنْهَا خُلُقًا مِنْ أَخْلَاقِ الرُّوحِ يُقَوِّمُهُ ، فَقَرَنَ بِالْحِدَّةِ الْحِلْمَ ، وَبِالْخِفَّةِ الْوَقَارَ ، وَبِالشَّهْوَةِ الْعَفَافَ ، وَبِاللَّعِبِ الْحَيَاءَ ، وَبِاللَّهْوِ النُّهَى ، وَبِالضَّحِكِ الْهَمَّ ، وَبِالسَّفَهِ التَّكَرُّمَ ، وَبِالْجَزَعِ الصِّدْقَ ، وَبِالْعُنْفِ الرِّفْقَ ، ثُمَّ يَجْمَعُ فِيهِ أَرْبَعَةً تُقْرَنُ إِلَى أَخْلَاقِهِ : الْغَضَبَ ، وَالرَّهْبَةَ ، وَالشَّهْوَةَ ، وَالرَّغْبَةَ ، ثُمَّ يَقْرِنُ إِلَيْهَا أَرْبَعَةً هِيَ قِوَامُهَا : الْإِيمَانَ‍ ، وَالْهَوَى ، وَالرَّأْيَ ، وَالْعَقْلَ ، فَالْهَوَى يَدْعُو إِلَى الرَّدَى ، وَالْإِيمَانُ يَنْهَاهُ ، وَبِالرَّأْيِ يُدَبِّرُ ابْنُ آدَمَ ، فَإِذَا دَعَاهُ إِلَيْهِ هَوَاهُ نَهَاهُ عَنْهُ إِيمَانَهُ ، ثُمَّ الْعَقْلُ رَأْسُ ذَلِكَ ، وَقِوَامُهُ ، فَإِنْ أَبَى الْعَقْلُ عَلَى الْهَوَى ، وَصَلُبَ لَهُ ، عَرَفَ مِنْ فَضْلِ مَا دَعَاهُ إِلَيْهِ الْإِيمَانُ عَلَى مَا دَعَاهُ إِلَيْهِ الْهَوَى ، وَكَانَ الْإِيمَانُ مُتَتَابِعًا ، وَكَانَ أَمْرُهُمَا جَامِعًا ، اسْتَكَانَ الْهَوَى عِنْدَ ذَلِكَ ، وَهُنَالِكَ يَقْوَى إِيمَانُ ابْنِ آدَمَ ، وَيَعْزِمُ أَمْرُهُ ، وَإِنْ ضَعُفَ الْعَقْلُ ، وَتَابَعَ الْهَوَى وَهَنَ الْإِيمَانُ ، وَفَزِعَ الرَّأْيُ ، فَكَانَ مَتْرُوكًا لَا عَمَلَ لَهُ ، وَهُنَالِكَ يَقْوَى الْهَوَى ، وَيَبْلُغُ حَاجَتَهُ ، وَبِالرَّأْيِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ابْنُ آدَمَ ، وَبِالْعَقْلِ يَعْتَبِرُ ، وَالْهَوَى يَدْعُوهُ ، وَالْإِيمَانُ يَرْدَعُهُ ، فَإِذَا اجْتَمَعَ الْعَقْلُ وَنَهْيُ الْإِيمَانِ كَانَ كَلَامًا صَلِيبًا ، وَكَانَ أَمْرُهُمَا جَمِيعًا ، وَدَبَّرَ الرَّأْيُ لَهُمَا أُمُوُرَهُمَا ، وَكَانَ لَهُمَا عَلَيْهِ وَزِيرًا ، ثُمَّ كَانَ الْهَوَى تَابِعًا ، إِذَا دُعِيَ إِلَى خَيْرٍ أَجَابَ مُذْعِنًا يَعْلَمُ أَنْ قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ مَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ ، فَهُوَ تَارِكٌ لِشَهْوَتِهِ ، مَفَارِقٌ لِأَخْلَاقِهِ ، يَتَزَيَّنُ بِهَذِهِ الْأَخْلَاقِ لِصِحَّتِهَا ، وَهُوَ كَاذِبٌ لَوْ تَرَكَ هَوَاهُ ، فَارَقَ مَا هُوَ فِيهِ أَشَدَّ الْمُفَارَقَةِ " .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية