الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

رفضني أهل الفتاة التي أحبها ولكنها متمسكة بي، فهل أتقدم مرة أخرى؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تعرفتُ إلى فتاةٍ عربيةٍ تعيش في إحدى الدول الأوروبية، وكانت نيتي تبادل اللغة وتعلمها؛ فهي لا تستطيع التحدث بالعربية، وأنا كنت أريد تعلُّم لغةٍ أجنبية. وفي بداية الأمر، ولأعصم نفسي من فتن هذا الزمان، أقدمتُ على طلب الزواج منها، فتم رفض ذلكَ بحجة أنها ما زالت تدرس، وأُخذ مني وعدٌ بأنني أستطيع التقدم لخطبتها بعد انتهاء دراستها.

وبقيتُ على تواصلٍ معها أثناء دراستها، فزادت مشاعري تجاهها، ولكن بعدما تقدمتُ إلى أهلها، تم رفضي، وتخويفها من أن العيش في بلدي مستحيل، وأن البيئة صعبة والحياة مريرة. فافترقنا، ثم منذ أيام عاودنا الحديث، وطلبت مني أن أمنحها فرصةً أخرى، وتريد مني أن أتقدم إلى أهلها مرةً أخرى، خصوصًا أنها ما زالت تحمل من المشاعر ما يمنعها من تقبل فكرة الزواج من غيري.

وأنا في الحقيقة ما زلت أحمل لها المشاعر نفسها، لكنني لا أعلم ما الحل: هل أعطيها وأعطي نفسي فرصةً أخرى، أم أغلق الباب؟ أم ماذا أفعل؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

حيّاك الله، وشرح صدرك، ووفّقك لما فيه الخير، وجزاك الله حرصك على الزواج الحلال وصيانة نفسك عن الفتن، فمن الجوانب الإيجابية في رسالتك أنك لم تكتفِ بعلاقةٍ عاطفيةٍ، بل سعيت إلى الزواج الرسمي، وهذا يدل على رغبةٍ في تحمل المسؤولية والبحث عن الطريق المشروع.

أخي الفاضل، يبدو أن مشكلتك ليست في وجود المشاعر وحدها، وإنما في أنك أمام علاقةٍ لم تُحسم نهايتها، مع وجود عوائق أسريةٍ وواقعيةٍ تتعلق بمكان المعيشة ومستقبل الزواج؛ ولذلك فإن العودة إلى التواصل بعد الفراق قد جدد الأمل والمشاعر، ولكنها لا تعني بالضرورة أن الزواج أصبح ممكنًا أو أن الرفض السابق قد زال.

• أولًا: هل تمنحها فرصةً أخرى؟
نعم، يمكنك أن تمنح نفسك وإياها فرصةً أخيرةً جادةً، بشرط أن تكون من خلال باب الزواج الرسمي، لا من خلال استمرار العلاقة العاطفية المفتوحة؛ فإذا كانت الفتاة راغبةً في الزواج منك فعلًا، فليكن ذلك واضحًا من خلال استعدادها للتحدث مع أهلها، ومعالجة أسباب الرفض السابق، والبحث عن حلولٍ واقعيةٍ لموضوع الإقامة والمعيشة.

وأمَّا أن تعودا إلى المراسلات الطويلة، وتستحضرا المشاعر والوعود دون وجود خطوةٍ عمليةٍ، فقد يزيد تعلقكما ويؤخر الحسم؛ قال الله تعالى: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ}، وقال النبي ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ»؛ فالزواج هو الطريق الذي يحفظ المشاعر ويمنحها إطارًا مشروعًا ومسؤولًا، لا أن تبقى العلاقة معلقةً بين الأمل والخوف.

• ثانيًا: افهم سبب رفض أهلها بواقعيةٍ:
أخي الكريم، لا يكفي أن تكونا متحابين حتى ينجح الزواج؛ فهناك أمورٌ لا بد من مناقشتها بوضوحٍ:

- هل الفتاة مستعدةٌ فعلًا للعيش في بلدك، أم أنها تخشى الظروف المعيشية، والأمنية، والاجتماعية؟
- هل تستطيع أنت توفير حياةٍ مستقرةٍ لها من حيث السكن، والدخل، والرعاية؟
- هل يمكن أن يكون الزواج في بلدها أو في بلدٍ آخر مناسبًا لكليكما؟
- هل الرفض نابعٌ من مخاوف واقعيةٍ يمكن معالجتها، أم من رفضٍ مبدئيٍّ لا يبدو أن أهلها سيغيرونه؟
- هل الفتاة قادرةٌ على اتخاذ موقفٍ واضحٍ أمام أهلها، أم أنها ستبقى مترددةً تحت تأثير مخاوفهم؟

قال الله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ}. فالحوار الهادئ، والاستماع إلى مخاوف أهلها، وتقديم تصورٍ واضحٍ عن الحياة الزوجية، قد يكون أنفع من تكرار طلب الزواج بالطريقة نفسها.

• ثالثًا: لا تجعل المشاعر وحدها أساس القرار:
قد تكون مشاعركما صادقةً، ولكن صدق المشاعر لا يساوي بالضرورة صلاحية الزواج؛ فالزواج يحتاج إلى توافقٍ في الدين والخلق، والقدرة على تحمل المسؤولية، والاتفاق على مكان السكن، ونمط الحياة، والعلاقة مع الأهل؛ قال النبي ﷺ: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ».

وهنا اسأل نفسك بصدقٍ: هل أنت مستعدٌّ للزواج منها كما هي، بما في ذلك مخاوفها، وظروفها، وتوقعاتها؟ وهل هي مستعدةٌ للحياة معك بما فيها من تحدياتٍ؟ أم أنكما متمسكان بصورةٍ مثاليةٍ صنعتها فترة التعارف والمراسلات؟

• رابعًا: ما الخطوة العملية الآن؟
أنصحك بأن تتفق معها على مهلةٍ قصيرةٍ ومحددةٍ، وليكن مضمون الحديث بينكما واضحًا: أنا ما زلت أقدّركِ وأرغب في الزواج منكِ، ولكنني لا أريد أن نبقى في علاقةٍ معلقةٍ تزيد تعلقنا؛ فإذا كنتِ جادةً في الزواج، فلنبحث معًا عن حلٍّ واقعيٍّ، ونتواصل مع أهلكِ رسميًا، ونناقش مكان المعيشة وظروفها.

وإذا كان الرفض نهائيًا، فعلينا أن نحترم القرار ونغلق الباب حتى لا نؤذي أنفسنا، ثم اتبع الخطوات الآتية:

- تحدث معها بوضوحٍ عن موقفها الحالي، وهل هي مستعدةٌ فعلًا للزواج، لا مجرد أنها لا تستطيع تقبل الزواج من غيرك.
- اطلب منها أن تتحدث مع أهلها عن أسباب الرفض، وأن تعرف هل هناك مجالٌ حقيقيٌّ لإعادة النظر.
- إذا ظهر قبولٌ مبدئيٌّ، فتقدم رسميًا مرةً أخرى، مع تصورٍ واضحٍ للسكن، والدخل، ومكان الإقامة.
- استعِن بشخصٍ حكيمٍ من أهلك أو أهلها لتقريب وجهات النظر، دون ضغطٍ أو صدامٍ.

- إذا تكرر الرفض دون وجود أفقٍ واقعيٍّ، فالأفضل أن تنهي العلاقة باحترامٍ، ولا أنصحك بأن تجعلها تنتظر سنواتٍ، أو أن تبقى أنت منتظرًا وعدًا غير محددٍ؛ فالوضوح رحمةٌ بكما، وبعد إنهاء العلاقة امنح نفسك فرصةً للتعافي، والبدء من جديدٍ في البحث عن فتاة تكون مناسبة لك.

• خامسًا: احفظ قلبك من الاسترسال:
أخي العزيز، إن استمرار التواصل العاطفي خارج إطار الزواج قد يزيد التعلق ويجعل الفراق أصعب، حتى لو كانت نيتكما في الأصل الزواج؛ قال الله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا}، وقال سبحانه: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}.

فإن كان في هذا الزواج خيرٌ، فاسعَ إليه من بابه، واستخر الله تعالى، واستشر أهل الحكمة، ثم امضِ فيما يتيسر، وإن لم يتيسر، فثق أن صرف الأمر عنك قد يكون رحمةً لا تراها الآن. أعطِ الأمر فرصةً أخيرةً، ولكن فرصةً رسميةً محددة المعالم، لا عودةً إلى علاقةٍ عاطفيةٍ مفتوحةٍ؛ فإذا وجدت جديّةً، واستعدادًا، وحلًا واقعيًا للعوائق، فتقدم، وأما إذا بقيت المشاعر وحدها دون قدرةٍ على تجاوز الرفض، فإغلاق الباب سيكون أرحم لكما.

أسأل الله تعالى أن يختار لك الخير حيث كان، وأن يجمع بينكما إن كان في زواجكما صلاحٌ لدينكما ودنياكما، وأن يرزقك السكينة وحسن القرار، ويعوضك خيرًا إن لم يكن الأمر مقدرًا لك، ويكتب لكما ما فيه الخير والرضا.

وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً