الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              1211 1270 - حدثنا مالك بن إسماعيل ، حدثنا ابن عيينة ، عن عمرو سمع جابرا - رضي الله عنه - قال : أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن أبي بعد ما دفن فأخرجه ، فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              ذكر فيه حديث ابن عمر : أن عبد الله بن أبي لما توفي جاء ابنه إلى النبي - رضي الله عنه - فقال : يا رسول الله أعطني قميصك أكفنه فيه ، فأعطاه . . الحديث .

                                                                                                                                                                                                                              وحديث جابر : أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن أبي بعد ما دفن فأخرجه ، فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه .

                                                                                                                                                                                                                              الشرح :

                                                                                                                                                                                                                              هذه الترجمة ضبطها الدمياطي بخطه (يكف ) بضم أوله وفتح ثانيه ، وقال في الحاشية : صوابه : الذي يكفي أو لا يكفي -بالياء- وليته اقتصر على الأول ، وتبع في الثاني المهلب فإنه قال ذلك ، قال : ومعناه طويلا [ ص: 482 ] كان ذلك القميص أو قصيرا فإنه يجوز الكفن فيه ، وكان عبد الله بن أبي طويلا ، ولذلك كسا العباس قميصه ، وكان العباس بائن الطول .

                                                                                                                                                                                                                              وقال ابن التين : هكذا وقعت هذه الترجمة فضبطها بعضهم بضم الياء وفتح الكاف وتشديد الفاء ، وبعضهم بإسكان الكاف وكسر الفاء ، وقرأه بعضهم بضم الياء ، والأول أشبه بالمعنى ، وفيهما دلالة على الكفن في القميص ، وقد سلف ما فيه .

                                                                                                                                                                                                                              وأجاب المخالف بأنه - صلى الله عليه وسلم - إنما دفعه إليه للمكافأة ; لأنه لما أتي بأسارى بدر كان العباس في جملتهم ، ولم يكن عليهم ثوب فنظر - صلى الله عليه وسلم - له قميصا فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه فكساه - صلى الله عليه وسلم - إياه فكافأه - صلى الله عليه وسلم - بأن كفنه في قميصه ، كما سيأتي في البخاري في باب : هل يخرج الميت من القبر لعلة ; لئلا يكون للكافر عليه يد .

                                                                                                                                                                                                                              وأراد أن يخفف عنه من عذابه ما دام ذلك القميص عليه ، ورجاء أن يكون معتقد البعض ما كان يظهر من الإسلام فينفعه الله بذلك ، ويدل عليه أن الله إنما أعلمه بأمره ونهاه عن الصلاة عليه وعلى غيره بعد ما صلى عليه ، وأما حين صلى عليه لم يعلم حقيقة أمره ولا باطنه ، ويجوز أن يكون فعله تألفا لابنه ولعشيرته .

                                                                                                                                                                                                                              وروى عبد بن حميد في "تفسيره " أنه أوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دعاه إليه بأن تشهد غسلي إذا مت وتكفني في ثلاثة أثواب من ( . . . ) وتمشي مع جنازتي وتصلي علي ففعل ، وقال الحاكم : مرض ابن أبي في شوال عشرين ليلة وهلك في ذي القعدة سنة تسع منصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من [ ص: 483 ] تبوك ، وكان - صلى الله عليه وسلم - يعوده ، وقال له وهو يجود بنفسه : إذا مت احضر غسلي وأعطني قميصك أكفن فيه ، فأعطاه قميصه الأعلى ، وكان عليه قميصان ، فقال عبد الله : أعطني قميصك الذي يلي جسدك ، فأعطاه إياه ، وصلى عليه واستغفر له وسيأتي بعض هذا . وفي "المعاني " للزجاج أن ابن أبي هو الذي رد الثوب الأول ليأخذ الثاني ، وقال : "إن قميصي لن يغني عنه شيئا من الله إني أؤمل من الله أن يدخل في الإسلام بهذا السبب " . فيروى أنه أسلم من الخزرج ألف لما رأوه يطلب الاستشفاء بثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبالصلاة عليه فنزل : ولا تصل على أحد منهم [التوبة : 84] الآية .

                                                                                                                                                                                                                              وقال ابن التين : لعل هذا كان في أول الإسلام قبل الأحكام ; لأن من مات له والد كافر لا يغسله ولده المسلم ولا يدخله قبره إلا أن يخاف أن يضيع فيواريه ، نص عليه مالك في "المدونة " .

                                                                                                                                                                                                                              وروي أن عليا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره أن أباه مات ، فقال : "اذهب فواره " ولم يأمره بغسله .

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 484 ] وروي أنه أمره بغسله ولا أصل له ، كما قاله القاضي عبد الوهاب .

                                                                                                                                                                                                                              وقال الطبري : يجوز أن يقوم على قبر والده الكافر لإصلاحه ودفنه قال : وبذلك صح الخبر وعمل به أهل العلم .

                                                                                                                                                                                                                              وقال ابن حبيب : لا بأس أن يحضره ويلي أمر تكفينه حتى يخرجه ويبرأ به إلى أهل ذمته ، فإن كفي دفنه وأمن من الضيعة عليه فلا يتبعه ، وإن خشي ذلك فليقدم جنازته معتزلا منه ويحتمله .

                                                                                                                                                                                                                              وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بذلك .

                                                                                                                                                                                                                              وقوله : ( "أنا بين خيرتين " ) . قال الداودي : هو غير محفوظ ، والمحفوظ ما رواه أنس من جعل النهي بعد قوله : أليس قد نهاك .

                                                                                                                                                                                                                              وليس القرآن بمعنى التخيير ، وإنما هو بمعنى النفي ، ولا نسلم له بل هو صحيح محفوظ ، وذكر السبعين على التكثير ، وكأن عمر - رضي الله عنه - فهم النهي من الاستغفار لاشتمالها عليه ، وروي أن جبريل أخذ برداء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما تقدم ليصلي عليه فقال : ولا تصل على أحد منهم مات أبدا [التوبة : 84] الآية .

                                                                                                                                                                                                                              وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : "لأستغفرن لهم أكثر من سبعين " فنزلت : سواء [ ص: 485 ] عليهم أستغفرت لهم [المنافقون : 6] الآية فتركه .

                                                                                                                                                                                                                              واستغفار الشارع لسعة حلمه عمن يؤذيه ، أو لرحمته عند جريان القضاء عليهم ، أو إكراما لولده . وقيل : معنى الآية الشرط أي : إن شئت فاستغفر ، وإن شئت فلا . مثل قوله تعالى : قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم [التوبة : 53] ، وقيل : معناهما سواء ، وقيل : معناه : المبالغة في اليأس .

                                                                                                                                                                                                                              وقال الفراء : ليس بأمر ، إنما هو على تأويل الجزاء . وقال النحاس : منهم من قال : استغفر لهم [التوبة : 80] منسوخ بقوله : ولا تصل [التوبة : 84] ومنهم من قال : لا ، بل هي على التهديد لهم . وتوهم بعضهم أن قوله : ولا تصل ناسخ لقوله : وصل عليهم [التوبة : 103] ، وهو غلط فإن تلك أنزلت في أبي لبابة وجماعة معه لما ربطوا أنفسهم لتخلفهم عن تبوك .

                                                                                                                                                                                                                              والحديث الثاني ظاهره مضاد للأول أنه أخرجه ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه ، وهناك أعطى قميصه لولده .

                                                                                                                                                                                                                              قال الداودي : الله أعلم أي الأمرين كان ، ويحتمل أن يكون المراد بالإعطاء : الإنعام ، قاله ابن التين ، أو أنه خلع عنه القميص الذي كفن فيه وألبسه سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قميصه بيده الكريمة .

                                                                                                                                                                                                                              وقال ابن الجوزي : يجوز أن يكون جابر شهد ما لم يشهد ابن عمر ، ويجوز أن يكون أعطاه قميصين قميص الكفن ثم أخرجه فألبسه آخر ، وكان ذلك إكراما لولده أو لأنه ما سئل شيئا قط فقال : لا .

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 486 ] وروى عبد بن حميد ، عن ابن عباس أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يخدع إنسانا قط غير أن ابن أبي قال يوم الحديبية كلمة حسنة وهي أن الكفار قالوا له : طف أنت بالبيت فقال : لا ، لي في رسول الله أسوة حسنة ، فلم يطف .

                                                                                                                                                                                                                              وفيه إخراج الميت بعد دفنه ; لأمر يعرض ، وهو دليل لابن القاسم الذي يقول بإخراجه إذا لم يصل عليه للصلاة ما لم يخش التغيير ، وقال ابن وهب : إذا سوي عليه التراب فات إخراجه .

                                                                                                                                                                                                                              وقال يحيى بن يحيى : وقال أشهب : إذا أهيل عليه فات إخراجه أي : ويصلى عليه في قبره وقد سلف . وفي نسبته عمر إلى النفاق دلالة على جواز الشهادة على الإنسان بما فيه من حال الحياة والموت عند الحاجة وإن كانت مكروهة .

                                                                                                                                                                                                                              قال الإسماعيلي : وفيه جواز المسألة لمن عنده حدة تبركا ، وعبد الله بن أبي هذا هو الذي تولى كبره [النور : 11] في قصة الصديقة ، وهو الذي قال : ليخرجن الأعز منها الأذل [المنافقون : 8] ، وقال : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا [المنافقون : 7] ورجع يوم أحد بثلث العسكر إلى المدينة بعد أن خرجوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

                                                                                                                                                                                                                              والبابان بعده سلفا قريبا .




                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية