الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قال قائل منهم إني كان لي قرين يقول أإنك لمن المصدقين أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون قال هل أنتم مطلعون فاطلع فرآه في سواء الجحيم قال تالله إن كدت لتردين ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين

                                                                                                                                                                                                فإن قلت : علام عطف قوله : فأقبل بعضهم على بعض ؟ قلت : على يطاف عليهم . والمعنى : يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشرب قال [من الوافر ] :


                                                                                                                                                                                                وما بقيت من اللذات إلا أحاديث الكرام على المدام



                                                                                                                                                                                                [ ص: 211 ] فيقبل بعضهم على بعض "يتساءلون " عما جرى لهم وعليهم في الدنيا ، إلا أنه جيء به ماضيا على عادة الله في أخباره . وقرئ : (من المصدقين ) من التصديق . ومن المصدقين مشدد الصاد ، من التصدق ، وقيل : نزلت في رجل تصدق بماله لوجه الله ، فاحتاج فاستجدى بعض إخوانه ; فقال : وأين مالك ؟ قال : تصدقت به ليعوضني الله به في الآخرة خيرا منه ، فقال : أئنك لمن المصدقين بيوم الدين . أو من المتصدقين لطلب الثواب . والله لا أعطيك شيئا "لمدينون " لمجزيون ، من الدين وهو الجزاء . أو لمسوسون مربوبون . يقال : دانه ساسه . ومنه الحديث : "العاقل من دان نفسه " . "قال " يعني ذلك القائل : هل أنتم مطلعون إلى النار لأريكم ذلك القرين . قيل : إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى أهل النار . وقيل : القائل هو الله عز وجل . وقيل : بعض الملائكة يقول لأهل الجنة : هل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهل النار . وقرئ : (مطلعون ) فاطلع . وفأطلع بالتشديد ، على لفظ الماضي والمضارع المنصوب ، ومطلعون فاطلع وفأطلع بالتحفيف على لفظ الماضي والمضارع والمنصوب يقال : طلع علينا فلان ، واطلع وأطلع بمعنى واحد ، والمعنى : هل أنتم مطلعون إلى القرين فأطلع أنا أيضا . أو عرض عليهم الاطلاع فاعترضوه ، فاطلع هو بعد ذلك . وإن جعلت الإطلاع من أطلعه غيره ، فالمعنى : أنه لما شرط في اطلاعه اطلاعهم ، وهو من آداب المجالسة . أن لا يستبد بشيء دون جلسائه ، فكأنهم مطلعوه . وقيل : الخطاب على هذا للملائكة . وقرئ : (مطلعون ) بكسر النون ، أراد : مطلعون إياي ، فوضع المتصل موضع المنفصل ، كقوله [من الطويل ] :

                                                                                                                                                                                                [ ص: 212 ]

                                                                                                                                                                                                هم الفاعلون الخير والآمرونه



                                                                                                                                                                                                أو شبه اسم الفاعل في ذلك بالمضارع لتآخ بينهما ، كأنه قال : تطلعون ، وهو ضعيف لا يقع إلا في الشعر في سواء الجحيم في وسطها ، يقال : تعبت حتى انقطع سوائي ، وعن أبي عبيدة : قال لي عيسى بن عمر : كنت أكتب يا أبا عبيدة حتى ينقطع سوائي "إن " مخففة من الثقيلة ، وهي تدخل على "كاد " كما تدخل على "كان " ونحوه : إن كاد ليضلنا [الفرقان : 42 ] واللام هي الفارقة بينها وبين النافية ، والإرداء : الإهلاك . وفى قراءة عبد الله : (لتغوين ) نعمة ربي هي العصمة والتوفيق في الاستمساك بعروة الإسلام ، والبراءة من قرين السوء . أو إنعام الله بالثواب وكونه من أهل الجنة من المحضرين من الذين أحضروا العذاب كما أحضرته أنت وأمثالك .

                                                                                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                                                                                الخدمات العلمية