الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          وعاشروهن بالمعروف أي يجب عليكم أيها المؤمنون أن تحسنوا عشرة نسائكم بأن تكون [ ص: 374 ] مصاحبتكم ومخالطتكم لهن بالمعروف الذي تعرفه ، وتألفه طباعهن ، ولا يستنكر شرعا ، ولا عرفا ، ولا مروءة ، فالتضييق في النفقة ، والإيذاء بالقول ، أو الفعل ، وكثرة عبوس الوجه ، وتقطيبه عند اللقاء كل ذلك ينافي العشرة بالمعروف ، وفي المعاشرة معنى المشاركة والمساواة ، أي عاشروهن بالمعروف وليعاشرنكم كذلك ، وروي عن بعض السلف أنه يدخل في ذلك أن يتزين الرجل للمرأة بما يليق به من الزينة لأنها تتزين له ، والغرض أن يكون كل منهما مدعاة سرور الآخر ، وسبب هنائه في معيشته ، وقد فسر " المعروف " بعضهم بالنصفة في القسم ، والنفقة ، والإجمال في القول والفعل ، وفسره بعضهم تفسيرا سلبيا ، فقال هو ألا يسيء إليها ، ولا يضرها ، وكل منهما ضعيف ، وجعل الأستاذ الإمام المدار في المعروف على ما تعرفه المرأة ولا تستنكره ، وما يليق به وبها بحسب طبقتهما في الناس ، وقد أشرنا إلى ذلك . وأدخل فيه بعضهم وجوب الخادمة لها إن كانت ممن لا يخدمن أنفسهن ، وكان الزوج قادرا على أجرة الخادمة . وقلما يقصر المسلمون فيما يجب للنساء من النفقة ، بل هم أكثر أهل الملل إنفاقا على النساء ، وأقلهم إرهاقا لهن بالخدمة ، ولكنهم قصروا في أمور أخرى ، قصروا في إعداد البنات للزوجية الصالحة بما يجب من التربية الدينية الاجتماعية الاقتصادية الصحية ، والتعليم المغذي لهذه التربية فعسى أن يرجعوا عن قريب .

                          فإن كرهتموهن لعيب في الخلق ، أو الخلق مما لا يعد ذنبا لهن ; لأن أمره ليس في أيديهن ، أو التقصير في العمل الواجب عليهن في خدمة البيت والقيام بشئونه مما لا يخلو عن مثله النساء وكذا الرجال في أعمالهم ، أو الميل منكم إلى غيرهن ، فاصبروا ولا تعجلوا بمضارتهن ، ولا بمفارقتهن لأجل ذلك فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا فهذا الرجاء علة لما دل عليه السياق من جزاء الشرط ، ومن الخير الكثير بل أهمه وأعلاه الأولاد النجباء ، فرب امرأة يملها زوجها ويكرهها ، ثم يجيئه منها من تقر به عينه من الأولاد النجباء فيعلو قدرها عنده بذلك ، وقد شاهدنا ، وشاهد الناس كثيرا من هذا ، وناهيك به : ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين [ 25 : 74 ] .


                          نعم الإله على العباد كثيرة وأجلهن نجابة الأولاد



                          ومنها أن يصلح حالها بصبره ، وحسن معاشرته ، فتكون أعظم أسباب هنائه في انتظام معيشته ، وحسن خدمته لا سيما إذا أصيب بالأمراض ، أو بالفقر ، والعوز ، فكثيرا ما يكره الرجل امرأته لبطره بصحته ، وغناه ، واعتقاده أنه قادر على أن يتمتع بخير منها ، وأجمل ، فلا يلبث أن يسلب ما أبطره من النعمة ، ويكون له منها إذا صبر عليها في أيام البطر خير سلوى ، وعون في أيام المرض ، أو العوز ، فيجب على الرجل الذي يكره زوجه أن يتذكر مثل هذا ويتذكر أيضا أنه لا يخلو من عيب تصبر امرأته عليه في الحال ، غير ما وطنت نفسها عليه في الاستقبال ، [ ص: 375 ] وقد بينا حاجة كل من الزوجين إلى مودة الآخر ، ورحمته ، ولا سيما في حال الضعف والعجز في مقالات ( الحياة الزوجية ) فتراجع في المجلد الثامن من المنار ، وربما نودع ذلك في تفسير قوله - تعالى - : ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة [ 30 : 21 ] .

                          هذا ، وإن التعليل في الآية يرشدنا إلى قاعدة عامة تأتي في جميع الأشياء لا في النساء خاصة ، وهي أن بعض ما يكرهه الإنسان يكون فيه خير له ، متى جاء ذلك الخير تظهر قيمة ذلك الشيء المكروه ، وهي قاعدة عرف العقلاء صدقها بالتجارب ، ولأجل التنبيه لها قال - تعالى - : وعسى أن تكرهوا شيئا [ 2 : 216 ] ولم يقل وعسى أن تكرهوا امرأة ، ثم إن في الصبر على المكروه واحتماله فوائد أخرى غير ما يمكن أن يكون في المكروه نفسه من الخير المحبوب ، فالصابر المحتمل يستفيد من كل مكروه بصبره ، ورويته سواء ترتب عليه في ذاته خير أم لا ، ومن المكروه الذي يترتب عليه خير القتال بالحق لأجل حماية الحق ، والدفاع عنه فهو بما فيه من المشقة مكروه طبعا ، وناهيك بما يترتب عليه من إظهار الحق ، ونصره ، وظهور أهله ، وخذلان الباطل وحزبه - راجع تفسير كتب عليكم القتال وهو كره لكم وللأستاذ الإمام كلام حسن هناك في ذلك ، وليس عندنا شيء عنه في هذه الآية ، والحاصل أن الإسلام يوصي أهله بحسن معاشرة النساء ، والصبر عليهن إذا كرهن الأزواج رجاء أن يكون فيهن خير .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية