الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                              المسألة السابعة : قال المزني : لا يفتقر القصر والخوف إلى تجديد نية ، وهذه إحدى خطيئاته ; فله انفرادات يخرج فيها عن مقام المتثبتين . [ ص: 624 ] وهذا فاسد ; لأنها صلاة طارئة ، فلا بد لها من تجديد من نية كالجمعة . فإن قيل الجمعة بدل عن الظهر ، فلذلك افتقرت إلى نية محدودة . قلنا : ربما قلبنا الأمر ، فقلنا الجمعة أصل والظهر بدل ، فكيف يكون كلامهم ؟ الثاني : إنا نقول : وهبكم سلمنا لكم أن الجمعة بدل ، أليست صلاة القصر بدلا ، وصلاة الخوف بدلا آخر ؟ فإن الجمعة إنما قلنا إنها غير صلاة الظهر سواء جعلناها بدلا أو أصلا لأجل مخالفتها في الصفات والشروط والهيئات ، وهذا كله موجود هاهنا ; فوجب أن يكون غيره وأن تستأنف له نية .

                                                                                                                                                                                                              المسألة الثامنة : قوله تعالى : { ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم } : نزل عليهم المطر ، ومرض عبد الرحمن بن عوف من جرح ، فرخص الله سبحانه لهم في ترك السلاح والتأهب للعدو بعذر المرض والمطر ; وهذا يدل على تأكيد التأهب والحذر من العدو وترك الاستسلام ; فإن الجيش ما جاءه قط مصاب إلا من تفريط في حذر .

                                                                                                                                                                                                              المسألة التاسعة : قوله تعالى : { فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا } . قال قوم : هذه الآية والتي في آل عمران سواء ، وهذا عندي بعيد ; فإن القول في هذه الآية دخل في أثناء صلاة الخوف ، فاحتمل أن يكون قوله سبحانه : { فإذا قضيتم الصلاة } أي فرغتم منها فافزعوا إلى ذكر الله ، وإن كنتم في هذه الحال ، كما قال : { فإذا فرغت فانصب } .

                                                                                                                                                                                                              ويحتمل أن يريد فإذا قضيتم الصلاة إذا كنتم فيها قاضين لها ، فأتوها قياما وقعودا وعلى جنوبكم في أثناء الصلاة ومصافتكم للعدو وكركم وفركم ، والله أعلم . [ ص: 625 ]

                                                                                                                                                                                                              والدليل عليه قوله تعالى بعد ذلك ، وهي : المسألة العاشرة : { فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة } : يعني بحدودها وأهبتها وكمال هيئتها في السفر وكمال عددها في الحضر ; ولذلك قال جماعة من السلف ، منهم إبراهيم ومجاهد : يصلي راحلا وراكبا ، كما جاء في سورة البقرة ، وما قدر يومئ إيماء كما جاء في هذه السورة ويكون في كل حالة حكم له آية أخرى تدل عليه وحكم ينفرد به .

                                                                                                                                                                                                              المسألة الحادية عشرة : قوله تعالى : { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا } : قال العلماء : معناه مفروضا ، وزعم بعضهم أنه من الوقت ، وما أظنه ; لأنه استعمل في غير الزمان ; فإن في الحديث الصحيح : { وقت رسول الله لأهل المدينة ذا الحليفة } ; فدل أن معناه مفروضا حقيقة .

                                                                                                                                                                                                              ومن قال : إنها منوطة بوقت فقد أخطأ ، وقد عولت عليه جماعة من المبتدعة في أن الصلاة مرتبطة بوقت إذا زال لم تفعل ، ونحن نقول : إن الوقت محل للفعل لا شرط فيه ، وإن الصلاة واجبة على المكلف لا تسقط عنه إلا بفعلها مضى الوقت أو بقي . ولا نقول إن القضاة بأمر ثان بحال . وقد ربطنا ذلك على وجهه في أصول الفقه .

                                                                                                                                                                                                              وقد قال غيرهم : إن موقوتا محدودا بأقوال وأفعال وسنن وفرائض ; وكل ذلك سائغ لغة محتمل معنى . فإن قيل : فقد قال ابن مسعود : إن للصلاة وقتا كوقت الحج . قلنا : قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إن وقت الصلاة وقت للذكر } ، وكما دام ذكرها وجب فعلها وأداؤها .

                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية