الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                              المسألة الثانية عشرة : قوله تعالى : { ذلك أدنى ألا تعولوا } اختلف الناس في تأويله على ثلاثة أقوال :

                                                                                                                                                                                                              الأول : ألا يكثر عيالكم ; قاله الشافعي .

                                                                                                                                                                                                              الثاني : ألا تضلوا ; قاله مجاهد .

                                                                                                                                                                                                              الثالث : ألا تميلوا ; قاله ابن عباس والناس . وقد تكلمنا عليه في رسالة " ملجئة المتفقهين " بشيء لم نر أن نختصره هاهنا : قلنا : أعجب أصحاب الشافعي بكلامه هذا ، وقالوا : هو حجة لمنزلة الشافعي في اللغة ، وشهرته في العربية ، والاعتراف له بالفصاحة حتى لقد قال الجويني : هو أفصح من نطق بالضاد ، مع غوصه على المعاني ، ومعرفته بالأصول ; واعتقدوا أن معنى الآية : فانكحوا واحدة إن خفتم أن يكثر عيالكم ، فذلك أقرب إلى أن تنتفي عنكم كثرة العيال . قال الشافعي : وهذا يدل على أن نفقة المرأة على الزوج . وقال أصحابه : لو كان المراد بالعول هاهنا الميل لم تكن فيه فائدة ; لأن الميل لا يختلف بكثرة عدد النساء وقلتهن ، وإنما يختلف بالقيام بحقوق النساء فإنهن إذا كثرن تكاثرت الحقوق . قال ابن العربي : كل ما قال الشافعي أو قيل عنه أو وصف به فهو كله جزء من [ ص: 411 ] مالك ، ونغبة من بحره ; ومالك أوعى سمعا ، وأثقب فهما ، وأفصح لسانا ، وأبرع بيانا ، وأبدع وصفا ، ويدلك على ذلك مقابلة قول بقول في كل مسألة وفصل .

                                                                                                                                                                                                              والذي يكشف لك ذلك في هذه المسألة البحث عن معاني قولك " عال " لغة حتى إذا عرفته ركبت عليه معنى الآية ، وحكمت بما يصح به لفظا ومعنى .

                                                                                                                                                                                                              وقد قال علماؤنا فيه سبعة معان : الأول : الميل ; قال يعقوب : عال الرجل إذا مال ، قال الله تعالى : { ذلك أدنى ألا تعولوا } وفي العين : العول : الميل في الحكم إلى الجور ، وعال السهم عن الهدف : مال عنه ، وقال ابن عمر : إنه لعائل الكيل والوزن ، وينشد لأبي طالب :

                                                                                                                                                                                                              بميزان قسط لا يغل شعيرة له شاهد من نفسه غير عائل

                                                                                                                                                                                                              الثاني : عال : زاد . الثالث عال : جار في الحكم . قالت الخنساء :

                                                                                                                                                                                                              وليس بأولى ولكنه     ويكفي العشيرة ما عالها

                                                                                                                                                                                                              الرابع : عال : افتقر . قال الله تعالى : { وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله } الخامس : عال : أثقل ; قاله ابن دريد ، وربما كان ذلك معنى بيت الخنساء ، وكان به أقعد . السادس : قام بمؤونة العائل ، ومنه قوله عليه السلام : { ابدأ بمن تعول } " . [ ص: 412 ] السابع : عال : غلب ، ومنه عيل صبره ، أي غلب . هذه معانيه السبعة ليس لها ثامن ، ويقال : أعال الرجل كثر عياله ، وبناء " عال " يتعدى ويلزم ، ويدخل بعضه على بعض ، وقد بينا تفصيل ذلك في " ملجئة المتفقهين " ، كما قدمنا في مسألة مثنى وثلاث ورباع مفصلا بجميع وجوهه .

                                                                                                                                                                                                              فإذا ثبت هذا فقد شهد لك اللفظ والمعنى بما قاله مالك ; أما اللفظ فلأن قوله تعالى : { تعولوا } فعل ثلاثي يستعمل في الميل الذي ترجع إليه معاني " عول " كلها ، والفعل في كثرة العيال رباعي لا مدخل له في الآية ، فقد ذهبت الفصاحة ولم تنفع الضاد المنطوق بها على الاختصاص .

                                                                                                                                                                                                              وأما المعنى فلأن الله تعالى قال : ذلك أدنى ، أقرب إلى أن ينتفي العول يعني الميل ، فإنه إذا كانت واحدة عدم الميل ، وإذا كانت ثلاثا فالميل أقل ، وهكذا في اثنتين ; فأرشد الله الخلق إذا خافوا عدم القسط والعدل بالوقوع في الميل مع اليتامى أن يأخذوا من الأجانب أربعا إلى واحدة ; فذلك أقرب إلى أن يقل الميل في اليتامى وفي الأعداد المأذون فيها ، أو ينتفي ; وذلك هو المراد ، فأما كثرة العيال فلا يصح أن يقال : ذلك أقرب إلى ألا يكثر عيالكم .

                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية