الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                              وهذا هو أحد متعلقات الذكاة ، وهو القول في الذكاة ، وهو يتعلق بأربعة أنواع : المذكي ، والمذكى ، والآلة ، والتذكية نفسها .

                                                                                                                                                                                                              فأما المذكى فيتعلق القول فيه بأنواع المحللات والمحرمات ، وسيأتي ذلك في سورة الأنعام إن شاء الله . وأما المذكي : وهو الذابح فبيانه فيها إن شاء الله .

                                                                                                                                                                                                              وأما التذكية نفسها والآلة فهذا موضع ذلك : المسألة الحادية عشرة : في التذكية : وهي في اللغة عبارة عن التمام ، ومنه ذكاء السن ، ويقال : ذكيت النار إذا أتممت اشتعالها ، فقال بعضهم : لا بد أن تبقى في المذكاة بقية تشخب معها الأوداج ويضطرب اضطراب المذبوح .

                                                                                                                                                                                                              وقد تقدم قوله في الحديث المتقدم الذي صرح فيه بأن الشاة أدركها الموت ، وهذا يمنع من شخب أوداجها ، وإنما أصاب الغرض مالك في قوله : إذا ذبحها ونفسها تجري وهي تضطرب إشارة إلى أنها وجد فيها قتل صار باسم الله المذكور عليها ذكاة ، أي [ ص: 27 ] تمام يحلها وتطهير لها ، كما جاء في الحديث في الأرض النجسة : { ذكاة الأرض يبسها } . وهي في الشرع عبارة عن إنهار الدم ، وفري الأوداج في المذبوح ، والنحر في المنحور ، والعقر في غير المقدور عليه كما تقدم ; مقرونا ذلك بنية القصد إليه . وذكر الله تعالى عليه كما يأتي بيانه في سورة الأنعام إن شاء الله تعالى .

                                                                                                                                                                                                              والأصل في ذلك الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم { أنه قيل له : إنا لاقو العدو غدا ، وليس معنا مدى ، أفنذبح بالقصب ؟ فقال : ما أنهر الدم ، وذكر اسم الله عليه فكلوه ، ليس السن والظفر . وسأخبركم : أما السن فعظم ، وأما الظفر فمدى الحبشة } .

                                                                                                                                                                                                              وروى النسائي ، وأبو داود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم { أن عدي بن حاتم قال له : أرأيت إن أصاب أحدنا صيدا وليس معه سكين ، أنذبح بالمروة وشقة العصا ؟ قال : انهر الدم بما شئت ، واذكر اسم الله تعالى } . وقد تقدم في حديث جارية كعب بن مالك . [ ص: 28 ] والصحيح أنها ذبحت بمروة ، وأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم . المسألة الثانية عشرة : ليس في الحديث الصحيح ذكر الذكاة بغير إنهار الدم ، فأما فري الأوداج وقطع الحلقوم والمريء فلم يصح فيه شيء . وقال مالك وجماعة : لا تصح الذكاة إلا بقطع الحلقوم والودجين .

                                                                                                                                                                                                              وقال الشافعي : يصح بقطع الحلقوم والمريء ولا يحتاج إلى الودجين بتفصيل قد ذكرناه في المسائل . وتعلق علماؤنا بحديث رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { افر الودجين واذكر اسم الله } .

                                                                                                                                                                                                              ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيء لا لنا ولا لهم ; وإنما المعول على المعنى ; فالشافعي اعتبر قطع مجرى الطعام والشراب الذي لا يكون معه حياة ، وهو الغرض من الموت . وعلماؤنا اعتبروا الموت على وجه يطيب معه اللحم ، ويفترق فيه الحلال وهو اللحم ، من الحرام ، وهو الدم بقطع الأوداج ; وهو مذهب أبي حنيفة . وعليه يدل صحيح الحديث في قوله صلى الله عليه وسلم : { ما أنهر الدم } . وهذا بين لا غبار عليه .

                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية