الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

مقاصد القضاء في الإسلام (التنظيم القضائي) [الجزء الأول]

الدكتور / حاتم بوسمة

- مفهوم القضاء:

1- التعريف اللغوي:

للقضاء في اللغة معـان، لعل أقربها إلى ما نحن فيه الحكم، والجمع أقضية، وقضى عليه يقضـي قضاء وقضيـة، والاسـم القضية، واستقـضي فلان أي جعـل قاضيا يحكم بين الناس، ويقـال قضى يقضي قضاء، فهو قاضي إذا حكم وفصل، وقضاء الشيء إحـكامه وإمضاؤه والفراغ منه، فيـكون بمعنى الخلق.

والحكم في أصل اللغـة من قولهم: حكمته عن الشيء وأحكمته أي منعتـه، ومنه حكمت الدابة وحكمت الرجل، ألزمته مقطع الحق، ومن هذا قول بعضهم:


أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا

[ ص: 29 ]

والحكم والحكمة، وهي العدل والعلم والحلم بمعنى واحد [1] ، وسمي القضاء حكما لما فيه من الحكمة التي توجب وضع الشيء في محله لكونه يكف الظالم عن ظلمه، وقيل: إن الحكمة مأخوذة من هذا أيضا لمنعها النفس من هواها [2] ، فالقاضي بهذا المعنى، هو القاطع للأمور المحكم لها، وأصله القطع والفصل.

2- التعريف الاصطلاحي:

التعريف الاصطلاحي للقضاء لا يخرج في الجملة عن المعنى اللغوي، الذي سبق توضيحه، بمعنى أنه إلزام على (الغير) ببينة أو إقرار، وقوام هذا التعريف إظهـار حقيقة القضـاء وبيان ما يستنـد إليه في استنباط الحـكم وإدراك المراد الشرعي.

وأما تفصيلا، فقد اختلفت آراء الفقهاء في تعريف القضاء باختلاف المذاهب، بل باختلاف الفقهاء في المذهب الواحد؛ والذي تنبغي الإشارة إليه أنه اختلاف من جهة العبارة وليس اختلاف تضاد، ولعل منشأه الاختلاف في حقيقة القضاء، هل هو صفـة حكمية تلازم موصوفها وتوجب نفوذ حكمه؟ أم هو فعل يقوم به القاضي؟ وهل القضاء خاص بالمنازعة أم يشملها وغيرها؟ لهذه الاعتبارات حصل الاختلاف في تعريف القضاء من جهة الاصطلاح، لاسيما وأنه يشبه الفتيا إلى حد بعيد. [ ص: 30 ]

والذي ذهب إليه الحنفية أنه: فصل الخصومات وقطع المنازعات، وزاد ابن عابدين (ت 1252هـ/1836م): على وجه خاص، حتى لا يدخل فيه نحو الصلح بين الخصمين [3] .

وهـذا التعريف تعريف باللازم، فإن قطع المنازعات وفصل الخصومات هما الغرض المقصود من القضاء وهما نتيجة له يترتبان عليه ولا يدخلان في حده وحقيقته، وقد يتضح أنه غير جامع لاقتصاره على قضايا التنازع والمخاصمة، فمن القضايا ما يتطلب الحكم وإن خلت من الخصومة، كالحكم بالحجر [4] على المفلس [5] ، والوصاية على السفيه [6] ، وغير ذلك. [ ص: 31 ]

وذهب آخر إلى أنه قطع خصومة، أو قول ملزم صدر عن ولاية عامة [7] .

وقال "صاحب البدائع" (تـ587هـ/1190م): "القضـاء هو الحكم بين الناس بالحق والحكم بما أنزل الله عز وجل" [8] .

والذي يظهر من التعريف الثاني، أنه جعل صدوره عن ولاية عامة قيدا في التعريف مع أن الأظهر أنها شرط في تنظيم القضاء وليست قيدا في تعريفه، كما يتضح من التعريف الثالث، ويجمع بين هذه الأقوال حقيقة واحدة في تعريف القضاء هي فصل الخصومة.

وأما عند المالكية، فالذي ذهب إليه ابن راشد القفصي (تـ723هـ/1323م) أن حقيقة القضاء إخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام [9] .

وفي هذا التعريف مسامحة من وجوه:

الأول: أن ذكر لفظ إخبار يوهم أن المراد به الإخبار المحتمل للصدق والكذب المقابل للإنشاء. وليس ذلك بمراد، وإنما المراد به أمر القاضي بحكم شرعي على طريق الإلزام.

الثاني: أنه يدخل فيه حكم الحكمين في جزاء الصيد وفي شقاق الزوجين وحكم المحكم في التحكيم، ومنها أنه يدخل فيه حكم المحتسب والوالي وغيرهما من أهل الولايات الشرعية إذا حكموا بالوجه الشرعي [10] . [ ص: 32 ]

وقال الشهاب القرافي (تـ684هـ/1285م): حقيقة الحكم إنشاء إلزام أو إطلاق في مسائـل الاجتهاد المتقارب فيما يقع فيه النـزاع لمصالح الدنيا [11] ، أي درء المفاسد وجلب المصالح.

فالإلزام كحكمه بالنفقة والشفعة ونحوهما، والإطلاق كحكمه بزوال الملك عن أرض زال الأحياء عنها أو زوال ملك العائد عن صيد ند أو أحرم ربه بحج أو عمرة [12] .

والتقييد بما يقع فيه النـزاع لمصالح الدنيا، لإخراج ما يشجر فيه الخلاف لمصالح الآخرة، فإنه لا يكون موردا للأحكام، والحكم فيه على فرض وقوعه يتنـزل منـزلة الفتوى، وهذا كمسائل العبادات ومدارك الأحكام.

قال القرافي في "الإحكام" في الجواب عن السؤال السابع عشر: الحكم بشيء لمدرك مختلف فيه، ليس حكما بالمدرك بل بمقتضاه [13] .

ويوضحه أن الحاكم لم يقصد الحكم إلا في أثر ذلك المدرك بل القضاء في المدرك محال؛ لأن النـزاع فيها ليس من مصالح الدنيا بل من مصالح الآخرة [14] . [ ص: 33 ]

وقال ابن عرفة (تـ803هـ/1400م): القضاء صفة حكمية توجب لموصوفها نفوذ حكمه الشرعي ولو بتعديل أو تجريح لا في عموم مصالح المسلمين، فيخرج التحكيم وولاية الشرطة وأخواتها والولاية العظمى [15] .

فقوله: "نفوذ"، أي مضيه ولزومه، لا حصول التعيين في نفس الأمر لتعذره في الحكم على الجبابرة، فهو مساو لكلام القرافي ولا يحتاج لتقدير، أي لزوم نفوذ، خلافا للحطاب.

وإنما يحتاج لذلك إذا جعل "نفوذ" بمعنى تنفيذ وإضافة حكم إلى الضمير، وهو معرفة تنفيذ العموم، أي نفوذ جميع أحكامه، وبه تخرج ولاية الشرطة وأخواتها، فإنها خاصة ببعض الأحكام كالحسبة [16] .

وبقوله: ولو بتعديل... الخ، مبالغة في مقدار أي نفوذ حكمه في كل شيء ولو بتعديل الخ، وبذلك المقدار تدخل التأجيلات ونحوها؛ لأنها أحكام ينبني عليها من بعده [17] .

وعرفـه الشـافعية بأنه: إلزام مـن له في الوقـائع الخاصـة الإلزام بحكم الشرع [18] .

وعرفه ابن عبد السلام (ت660هـ/1261م) بأنه: إظهار حكم الشرع في الواقعة ممن يجب عليه إمضاؤه [19] ، والذي يجب عليه هو القاضي. [ ص: 34 ]

وعرفه الحنابلة بأنه: تبيين الحكم الشرعي والإلزام به وفصل الخصومات [20] .

ويبدو أن هذا التعريف وإن كان تخلص من الخلاف الدائر حول حقيقة القضاء، هل هو إخبار أم إنشاء بحد "تبيين"، إلا أنه لما عطف الإلزام بالحكم الشرعي على التبيين أشعر بالمغايرة بين الأمرين، بينما هما في الحقيقة أمر واحد، فهو لا يبين الحكم في حالة ويلزم به في حالة أخرى، وإنما البيان يكون على وجه الإلزام [21] .

والذي يتخرج من جملة هذه التعريفات، أنه لابد للقضاء من أمور:

- بيان الحكم وإظهاره، سـواء كان ذلك بالقـول أم بالكتـابة، فإذا لم يحصـل بيان للحـكم بأن أسر القـاضي الحـكم في نفسه لم يتحقق بذلك القضاء.

- الحكم الشرعي، وهو المستند إلى دليل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو مما استنبط منهما، فالنزاع يحسم بالأحكام الشرعية المتلقاة من الكتاب والسنة، فلو أخبر القاضي بحكم لغوي أو عقلي، فإن ذلك لا يعتبر قضاء.

- الإلزام بالحكم الشرعي، والإلزام: تنفيذ الحكم على المقضي عليه شاء أم أبى، فلو لم يكن إلزام لكان فتوى وليس قضاء؛ لأن الفتوى هي الإخبار بالحكم الشرعي. [ ص: 35 ]

- القضية المتنازع فيها والواقعة المراد الحكم فيها، فلو لم يكن هناك حادثة يراد الحكم فيها لما كان هناك مجال للقاضي أن يقضي.

هذه بعض حدود القضاء اصطلاحا، أردت من إيرادها بيان أن معظمها إما أن يكون غير جامع أو غير مـانع، ونظرا لأن لفظة القضاء مشتركة [22] ، فهي تطـلق على الولاية كما تطـلق على قول القاضي الذي يتضمن الفصل في الخصومة، ويطـلق على الأثر المترتب على هـذا القول، مما يؤدي إلى تباين التعريفات، فقد دعا بعضهم إلى أن يعرف القضاء بتعريفات مختلفة في تعريف واحـد وهو: الولاية أو الحكم المترتب عليها أو إلزام من له الإلزام بحكم الشرع [23] .

والذي يتخرج لي أن "القضاء نيابة عن الإمام في الإخبار بحكم شرعي على سبيل الإلزام".

فقولي: "نيابة عن الإمام" يلزم عنه اقتصار نظر القاضي في الوقائع الجزئية، فليس له النظر في تجهيز الجيوش ولا قسم الغنائم ونحو ذلك، لأن النائب لا يقوى قوة المنوب عنه.

وأما قولي: "في الإخبار بحـكم شرعي" فيلزم عنه أن الإسرار بالأحكام لا يدخل في عرف القضاء، ويخرج به أن ما لم يكن حكما شرعيا فليس يدخل في ماهية القضاء كالأحكام العقلية أو اللغوية. [ ص: 36 ]

وقولي: "على سبيل الإلزام" يفهم منه أن القضاء هو تنفيذ الأحكام الشرعية، أي إلزام تنفيذها، نفذت أم لا، ثم إن حكم في مسألة اجتهادية تتقارب فيها المدارك لأجل مصـلحة دنيوية، فمحكمة إنشاء، فإذا قضى المالكي مثلا بلزوم الطلاق في التي علق طلاقها على نكاحها فقضاؤه إنشاء نص خاص وارد من قبله سبحانه في خصوص هذه المرأة المعينة، فليس للشافعي أن يفتي فيها بعدم لزوم الطلاق استنادا لدليله العام الشامل لهذه الصورة ولغيرها، لأن حكم الحاكم فيها جعله الله تعالى نصا خاصا واردا من قبله رفعا للخصومات وقطعا للمشاجرة، والقاعدة الأصولية: "إذا تعارض خاص وعام قدم الخاص" [24] .

قال ابن القيم (تـ751هـ/1350م): وأما حكم الحاكم فحكمه جزئي خاص لا يتعدى إلى غير المحكوم عليه وله، فالمفتي يفتي حكما عاما كليا أن من فعل كذا ترتب عليه كذا، ومن قال كذا لزمه كذا، والقاضي يقضي قضاء معينا على شخص معين [25] .

فخرج بهذا القيد الفتوى، فهي وإن كانت من باب الإخبار بحكم شرعي إلا أنه لا مجال فيها للإلزام، قال القرافي: "إن القضاء يعتمد الحجاج والفتيا تعتمد الأدلة" [26] . [ ص: 37 ]

إذا انتهينا إلى هنا فإني أقول: إنه لما أراد الله تعالى عمران هذا الكون، فطر البشر على الدأب نحو استحصال منافعه بشتى وجوه التكسب وإجابة طلبات نفسه، تلك الفطرة [27] ، التي هي أصل التسابق لاقتضاء ما يستتب به العمران، ولكن هذه الفطرة كانت بحكم الضرورة ميالة إلى استلاب المنافع من أيدي أصحابها وروم انضمامها إلى المصالح الذاتية، فكان التدافع بين أفراد النوع لذلك طبيعيا ناشئا عن تحرك القوتين الشاهية والغاصبة عند التزاحم في مزدحم الحياة. وكذلك تكون المصالح غالبا غير سالمة من أضرار تعقبها هي منها، فللتشريع في هذا أن ينظر بعد اقتضاء المصلحة العمرانية إلى ما تخلفه، فيكفي الناس مضرته بوجه تسلم به تلك المصلحة من الإضرار، هذا الوجه هو حماية الحقوق، أي رد الظالم عن تناول ما للغير دون رضا، وهو أمر حسن توافق عليه الفطرة مادامت غير مستهواة لهوى غالب في جزئية خاصة، ولا تستقل أمة عن الحـاجة إليه مهما بلغت من الرقي، فكانت الحاجـة إلى القضاء ضرورة لا غنى عنها لإيفاء الحقوق أهلها، ولتأسيس قواعد العدل لإصلاح الدهماء ولإقناع العلماء والحكماء؛ لأن هؤلاء وإن كانوا يعرفون العدل ويجزمون بحسنه إلا أنهم في الأحوال الخاصة مأسورون للشهوة أو الغضب [28] . [ ص: 38 ]

ولعل الحاجة إلى العدل تتأكد كلما انحرفت الفطرة عن نهجها القويم وعن الصراط المستقيم، ولقد أدرك بعض حكماء الجاهلية هذه الحاجة وأن حال الناس لا يستقيم إلا حال إقامة حكومة تحجز الناس عن بعضهم، أنشد الأفوه الأودي (تـ570هـ/1174م) الشاعر الجاهلي:


لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم     ولا سراة إذا جهالهم سـادوا
تهدي الأمور بأهل الرأي ما صلحت     فـإن تولت فبالأشرار تنقـاد



وجاء الإسلام - وهو دين الفطرة - فألفى الفطرة منحرفة، لا رادع عن الجور ولا حاجز عن الظلم والفجور، جاء إذن ليقوم هذا الانحراف وليحقق للأفراد والجماعات ما يتلاءم مع الفطرة السليمة، ويحكم - في ذات الوقت- تصرفاتهم وينظم علاقتهم بربهم وبأنفسهم وبالمؤمنين وبالناس عامة، وكذلك بالكون والحياة، جاء ليحقق هذه التعاليم وما تنشده من مقاصد، بطريق الدعوة أولا والتنفيذ ثانيا، ولولا هذه القوة المنفذة ما انتصف مظلوم من ظالم، ولتواثب الخلق بعضهم على بعض وعاد الناس القهقرى ولانطمست معالم الهداية والرشاد [29] . [ ص: 39 ]

فدل هذا على أن "إقامة حكومة عامة وخاصة للمسلمين أصل من أصول التشريع الإسلامي وجزء من تعاليمه، ثبت ذلك بدلائل كثيرة من الكتاب والسنة بلغت مبلغ التواتر المعنوي" [30] .

ذكر القرافي في "الذخيرة"، أن الإمامة والقضاء فرض على الكفاية لما فيه من مصالح العباد ومنع التظالم والفساد وفصل الخصومات ورد الظلامات وإقامة الحدود وردع الظالم ونصر المظلوم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [31] ، والحكم بالعدل من أفضل أعمال البر وأعلى درجات الأجر [32] ، لأنه نص رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الصحيح من رواية مسلم: ( إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ) [33] .

ولما كان القضاء أكثر مجالات الحياة احتياجا للعدل، بل هو ركنه الركين وأسه المتين، جاء الأمر به مكررا في غير ما آية وبصيغ مختلفة قصد التنبيه على خطورته في الحياة وتأكيد وجوبه على القضاة فيما أسند إليهم من الحكم في [ ص: 40 ] الخصومات، قال الله تعالى: ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) (النساء:58)، وقال تعالى: ( وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ) (المائدة:42).

إلا أن إقامة العدل في الأحكام ليس بالأمر اليسير، فقد تعتريه عوائق وتعطله أسباب عديدة، لذا جاء تحذير القرآن من اتباع الهوى، فعده من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، فإن استيلاءه على النفوس وغلبته على صاحبه تضعف الدين وتوهن اليقين، قال الله تعالى: ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب ) (ص:26)، وقال تعالى: ( وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ) (الجن:15).

وقد نص الفقهاء على أن القاضي إن جار فقد أهلك نفسه هلاكا عظيما وإن عدل فكذلك، فإنه لا يصل إلى الخلاص إلا بشدائد عظيمة من مراقبة الهوى، ومخالفته سياسات الناس مع الاحتراز منهم لا سيما ولاة الأمور، مع إقامة الحق عليهم ومخالفة أغراضهم، والثبات عند انتشار الأهوال العظيمة، وإيهـام حصول المضار الشنيعة في النفس والعرض والمال وتضرر النفس من ألم العزل [34] .

وعلى هذا جـاء القرآن محـذرا المؤمنين من الخروج عن العدل إلى الجور لأي سبب كان، وذلك في قوله تعالى:

[35] ( يا أيها الذين آمنوا كونوا [ ص: 41 ] قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ) (المائدة:8).

ولم يقتصر أمره سبحانه على التزام العدل في الأحكام والأعمال، بل أمر بالعدل في الأقوال، قال الله تعالى: ( وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ) (الأنعام:152).

ويرى ابن عاشور أن هذا النص جامع للمعاملات بين الناس بواسطة الكلام كالشهادة والقضاء والتعديل والتجريح والمشاورة والصلح بين الناس [ ص: 42 ] ونحوها [36] ، وإذا كان العدل يهدف إلى هذا بأوسع معانيه، فإن القضاء الذي هو وسيلة العدل يلزم أن يكون في دائرة أوسع مما قد يتصوره البعض.

يقول ابن تيمية (تـ728هـ/1322م): "والقاضي اسم لكل من قضى بين اثنين وحكم بينهما سواء كان خليفة أو سلطانا أو نائبا أو واليا أو كان منصوبا ليقضي بالشرع أو نائبا له، حتى الذي يحكم بين الصبيان في الخطوط إذا تخايروا، هكذا ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ظاهر" [37] .

وإذا كانت أهمية الأشياء تقاس بغاياتها، والغاية من القضاء هي: إقامة العدل وكبح الظلم، وصفه الله بأشنع الكبائر وهو الشرك، فقال سبحانه: ( وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ) (لقمان:13)، لذا كان القضاء بالحق من أقوى الفرائض بعد الإيمان بالله تعـالى، وهـو من أشرف العبادات، ولأجله بعث الأنبياء والرسل، قال الله تعالى: ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون ) (المائدة:44).

وبالعدل قامت الأرض ودامت الدول، وكان أهم ما ينشأ عنه سعادة الأمة ودوام بقائهـا، فإن العدل أصـل العمران والظلم مؤذن بخرابه [38] ، [ ص: 43 ] قال ابن تيمية: المقصود من القضاء وصول الحقوق إلى أهلها وقطع المخاصمة، فوصول الحقوق هو المصلحة، وقطع المخاصمة إزالة المفسدة، فالمقصود هو جلب تلك المصلحة وإزالة هذه المفسدة، ووصول الحقوق هو من العدل الذي تقوم عليه السموات والأرض [39] .

فتحصـل من كل ما سبق أن مـاهية القضاء حقيقتها نيابة عن الإمام في إقـامة الشرع ورعـاية مصـالح الملة، وأصـل كل ذلك وجماعه ومقصوده القيام بالعدل. [ ص: 44 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية