الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

العولمة والتربية (آفاق مستقبلية)

الأستاذ الدكتور / أحمد علي الحاج محمد

3- مظاهر العولمة السياسية ومتطلباتها التربوية:

ونعني بالعولمة السياسية: تكون عالم بلا حدود سياسية، بوصفها (أي السياسة) نظاما فرعيا يعمل أو يستكمل منظومة العولمة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية بالضرورة في البلاد العربية والعالم الثالث؛ حتى تتوافر الشروط اللازمة لعولمة كل منظومتها في عمليات متفاعلة متكاملة؛ لأن تعميم نمط التنمية الرأسمالية في بلدان العالم الثالث يستدعي تعميم التنظيم السياسي طبقا لما هو قائم في الغرب؛ كي يتحقق المزيد من الترابط والتداخل والتعاون والاندماج العالمي، وحتى يتم إعادة إنتاج المجتمع الليبرالي الغربي بدون الدولة الوطنية، وتعميم أساليب العيش والحياة الغربية [1] ، وذلك بدمج وتوحيد بلدان العالم، الـذي يتـم لا على أسـاس انتمـاءاتها القومية أو السياسية أو ملكيتهـا لموارد اقتصـادية، وإنما على أساس الإخضاع لنمط إنتاج واحد يعيد تحديد وترتيب مواقع الجماعات والأفراد بحسب ارتباطهم بالرأسمالية المعولمة.

والملاحظ أن العولمة السياسية تبدو أقل وضوحا من العولمة الاقتصادية، غير أنها تمر في الوقت الحاضر بمرحلة التأسيس؛ لأنه من الصعوبة بمكان أن تتخلى الدول العربية والعالم الثالث عن سيادتها وممارسة سلطاتها على شعوبها [ ص: 108 ] وأراضيها، وخاصة أن الكثير منها لم يكتمل بناؤها بعد، ولم تمد سلطاتها على كامل أراضيها، وما يزال العديد منها تشعر أنها مهددة من جيرانها.

لذلك تبدي الدول العربية وسياساتها مقاومة شديدة للعولمة، ولكن ومع هذه المقاومة فإن سلطاتها آخذة في التقلص والانكماش؛ لأن العولمة السياسية مشروع مستقبلي سيكتمل عندما تتوافر شروطه الموضوعية، ثم إن قيام عالم بلاد حدود سياسية لن يكون تلقائيا وبنفس سرعة وسهولة قيام عالم بلاد حدود اقتصادية وثقافية، ولكن كلما تزايدت سرعة انتقال السلع والخدمات والأفكار والمعلومات والأفراد؛ تراجعت السيادة المطلقة للدول، وهمشت وظائفها، وساد اعتقاد بأن الدول لم تعد ضرورية [2] ؛ لأن تعميم وتوحيد نمط التنمية الرأسمالي في بلدان العالم الثالث استدعى تعميم أنماط التنظيم السياسي طبقا لما هو سائد في الغرب، وخاصة كلما كثرت مشاكلها وعجزت عن الوفاء باحتياجات سكانها، وتزايدت حدة التمايزات والصراعات بين فئات المجتمع ومناطقه.

ثم إن عملية اختراق العولمة للمجال الثقافي لا تفرضها متطلبات عملية تنميط الاستهلاك المادي والثقافي الغربي فحسب، وإنما أيضا لإبراز العولمة كأيديولوجية تظهر نفسها كمدافع عن المظلومين، حامية للحريات وحقوق الإنسان. [ ص: 109 ]

وأيا كان الحال فالثابت أنه رغم الدور الوطني لدول العالم الثالث، ومنها البلاد العربية، في الاستقلال والحرية فإن سرعة عولمة الاقتصاد يؤدي إلى تزايد الاتجاه نحو تآكل سيادة الدول وتفتيت سلطاتها، حيث يتم نقل السياسات والقرارات من المجال المحلي إلى المجال العالمي، وصارت السياسات الداخلية والخارجية مرتبطة بالسياسة العالمية التي تديرها الشركات العابرة للقارات، وتحكمها المنظمات الدولية، وانتشار عولمة الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتراجع قدرتها في الحد من تدفق الإعلام والمعلومات، وتنامي أدوار منظمات المجتمع المدني، وغيرها من المظاهر التي جعلت السيادة الوطنية، وامتلاك الدول لسلطاتها التقليدية المعروفة شيئا من الماضي، أو على الأقل لدى غالبيتها، بسبب جملة من العوامل الخارجية والداخلية.

إذ تتمثل العوامل الخارجية في نواح عدة، منها: تدخل الشركات العملاقة العابرة للقارات في توجيه سياسات بلدان العالم الثالث وفرض شروط قاسية عليها إذا لم تضع سياساتها بالصورة التي تراعي مصالحها، لذلك تحولت دول العالم الثالث إلى شرطي لحماية مصالح الشركات العملاقة، على حساب حماية مصالح شعوبها؛ حتى أن رؤساء الدول والحكومات تحولوا إلى مندوبي مبيعات لتلك الشركات [3] ، أو كما يقول [ ص: 110 ] "مارك بلوندال": "مقاولين داخليين لتلك الشركات، وبالتالي فالسوق يحكم والحكومة تسير" [4] لدرجة أن دور الدول العربية انحصر "في مجرد التسيير الإداري اليومي لسياسات وبرامج مفروضة من مؤسسات التمويل الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدولي، وهيئة المعونة الأمريكية، وطبقا لشروط ومتطلبات الشركات العابرة للقارات" [5] ، فضلا عن سعي الدول الكبرى إلى تجنيد الكتاب والصحفيين والمفكرين للدفاع عن عولمة العالم وسياستها العالمية، وتقديم المبررات لتقبلها والانصياع لها.

ومن خلال سيطرة الدول الرأسمالية الكبرى على منظومة الإعلام والاتصالات والمعلومات، وتصديرها لتقنية الاتصالات والبرامج تمارس تأثيرها القوي على حكومات دول العالم الثالث، مما يفقدها -على نحو متزايد- قدرتها على ضبط تدفق الإعلام والمعلومات، حتى أصبحت كثير من قوانين ونظم الرقابة على المعلومات عبر الحدود القومية مجرد نصوص فارغة لا معنى لها ولا تأثير حقيقي لوجودها [6] . ثم إن تخلي دول العالم الثالث عن ملكية، أو دعم وسائل الإعلام والاتصالات المحلية، وتسارع خصخصتها؛ [ ص: 111 ] يفقد مصداقية نموذج الدولة، حتى أصبح الاعتراف بهذه الدول رهنا بالاعتراف الدولي بها [7] .

وفي المقابل فتزايد التلوث البيئي، والتدهور البيئي، والمخدرات، والتطرف، وما يسمى الإرهاب الدولي، والهجرة غير المشروعة، والانفجار السكاني، والفقر، يفرض على دول العالم الثالث تعاونها الدولي وانصياعها للقرارات العالمية.

أما العوامل الداخلية فمنها: تخلي الدول العربية ودول العالم الثالث عن مواطنيها؛ نتيجة خصخصة المؤسسات العامة؛ مما يفقدها القدرة على التصدي للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، ويجعلها تكتفي بإدارة المؤسسات البوليسية والعسكرية، لذلك تزايدت ميزانية الأمن والجيش، وتراجعت ميزانية التعليم والصحة والشؤون الاجتماعية.

وكذا إجبارها على التخلي عن الكثير من وظائفها؛ نتيجة تحرير الاقتصاد، وإلغاء الدعم، لذلك فتزايد نسب البطالة، والفقر، وتدني مستوى المعيشة يفقدها مشروعيتها ومبررات استمرارها؛ مما يفاقم من حدة الاضطرابات السياسية والاجتماعية الخطيرة التي تعجز عن التصدي لها.

ثم إن سيطرة منظمات المجتمع المدني على العديد من وظائف الدولة؛ نتيجة دعم وضغوط المنظمات الدولية غير الحكومية مثل: حقوق الإنسان، ومراقبة الانتخـابات...الخ لتوفير شروط المساواة والعدالة الاجتماعية، [ ص: 112 ] وتعزيز الحريات وحقـوق الإنسان يؤدي إلى إضعاف سلطة الدولة، ويهمش أدوارها.

وكلما حاولت هذه الدول إعادة صياغة علاقاتها بمنظمات المجتمع المدني وفرض سيطرتها عليها؛ بحجة أن الديمقراطية وحقوق الإنسان نوع من الترف في ظل هذه الأزمات المستعصية، فإنها بذلك تضعف نفسها، وتقلص أدوارها، وتحول دون التطور السياسي والديمقراطي، علاوة على أن فرض عولمة الديمقراطية وحقوق الإنسان على الدول العربية من قبل الدول الرأسمالية الكبرى لخدمة مصالحها وبمعايير مزدوجة يضعفها ويقلل من أهميتها. فكلما حاولت إخفاء ممارستها القمعية؛ تعرضت لعقوبات دولية، ومن ثم تضعف قدرتها أكثر في السيطرة على الأوضاع الداخلية، ليزداد الشك في مصداقيتها داخليا وخارجيا.

التالي السابق


الخدمات العلمية