الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

التوحيد والوساطة في التربية الدعوية [الجزء الأول]

فريد الأنصاري

الفصل الأول

تحديد المصطلحات مدار البحث

المبحث الأول في مصطلح التربية

ترجع مادة (ربب) في اللغة، إلى معاني النمو، والإنماء، والعلو، والكثرة، والجمع، والسيادة، وهذه كلها أصل واحد، يدل على الإنماء. يقول الراغب الأصفهاني : ( الرب في الأصل: التربية: وهو إنشاء الشيء حالا فحالا، إلى حد التمام يقال: ربه ورباه ورببه) [1] .

وقال ابن منظور : (السحاب يرب المطر: يجمعه وينميه ... والمطر يرب النبات والثرى: ينميه... ورب المعروف والصنيعة، يربها ربا... ورببها: نماها، وزادها، وأتمها، وأصلحها) [2] .

وأما (التربية) في التداول الاصطلاحي الدعوي، فهي: تعهد الفرد المسلم، بالتكوين المنتظم، بما يرقيه، في مراتب التدين، تصورا وممارسة. [ ص: 35 ]

فالتربية بهذا المعنى، عملية شمولية، نظرا لشمولية أهدافها المرتبطة، بالتدين الإسلامي الشامل،ذلك أن التعبد في الإسلام، غير مختزل فيما يسمى عند الفقهاء بالعبادات المحضة، بل هـو متعدد إلى جانب العادات، والمعاملات، أيضا. ومن هـنا كانت التربية الإسلامية متعلقة بتصحيح التصورات، ثم تصحيح التعبدات، ثم تصحيح السلوك الاجتماعي، وكل هـذا يتطلب توظيف معلومات شتى، لها علاقة بمختلف جوانب الحياة بصورة أو بأخرى، باعتبارها أدوات إجرائية، تساعد على فهم النصوص الشرعية، وحسن تنزيلها تربويا، في حياة الفرد والجماعة.

ولبيان المعالجة الشمولية، التي تتم في إطار التربية الإسلامية للإنسان ننقل كلاما نفيسا للأستاذ محمد قطب ، يبين ما نهدف إليه، وما نرومه بمصطلح التربية، من حيث هـو عملية تنزيلية، يقول حفظه الله: (طريقة الإسلام في التربية، هـي معالجة الكائن البشري كله، معالجة شاملة، لا تترك منه شيئا،ولا تغفل عن شيء؛ جسمه، وعقله، وروحه.. حياته المادية والمعنوية، وكل نشاطه على الأرض .. إنه يأخذ الكائن البشري كله، ويأخذه على ما هـو عليه، بفطرته التي خلقه الله عليها، لا يغفل شيئا من هـذه الفطرة، ولا يفرض عليها شيئا ليس في تركيبها الأصيل! ويتناول هـذه الفطرة في دقة بالغة، فيعالج كل وتر منها، وكل نغمة تصدر عن هـذا الوتر، [ ص: 36 ] فيضبطها بضبطها الصحيح، وفي الوقت ذاته يعالج الأوتار مجتمعة، لا يعالج كلا منها على حدة، فتصبح النغمات نشازا، لا تناسق فيها. ولا يعالج بعضها، ويهمل بعضها الآخر، فتصبح النغمة ناقصة، غير معبرة عن اللحن الجميل المتكامل،الذي يصل في جماله الأخاذ إلى درجة الإبداع) [3] .

فالتربية إذن، عملية معقدة، يجب أن يراعى فيها كل ما يساعد على تمثل الإسلام في الحياة البشرية، روحيا، وعلميا، ونفسيا، واجتماعيا، ورياضيا ... إلخ. ومن الخطأ، قصر التربية على جانب التزكية الروحية دون سواها، أو العكس. [ ص: 37 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية