الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          [ ص: 273 ] المسألة العشرون

          إذا استدل أهل العصر في مسألة بدليل ، أو تأولوا تأويلا فهل يجوز لمن بعدهم إحداث دليل أو تأويل آخر ؟

          لا يخلو إما أن يكون أهل ذلك العصر قد نصوا على إبطال ذلك الدليل وذلك التأويل أو على صحته أو سكتوا عن الأمرين .

          فإن كان الأول لم يجز إحداثه لما فيه من تخطئة الأمة فيما أجمعوا عليه ، وإن كان الثاني جاز إحداثه إذ لا تخطئة فيه ، وإن كان الثالث فقد ذهب الجمهور إلى جوازه ومنع منه الأقلون .

          والمختار جوازه إلا إذا لزم من ذلك القدح فيما أجمع عليه أهل العصر ، ودليل ذلك أنه إذا لم يلزم منه القدح فيما أجمعوا عليه ، كان ذلك جائزا كما لو لم يسبقه تأويل أو دليل آخر ، ولهذا فإن الناس في كل عصر لم يزالوا يستخرجون الأدلة والتأويلات المغايرة لأدلة من تقدم وتأويلاته ، ولم ينكر عليهم أحد فكان ذلك إجماعا .

          فإن قيل ما ذكرتموه معارض بالكتاب والسنة والمعقول ، أما الكتاب فقوله تعالى : ( سبيل المؤمنين ) ، والدليل والتأويل الثاني ليس هو سبيل المؤمنين .

          وأيضا قوله تعالى : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ) دل على أنهم يأمرون بكل معروف ; لأنه ذكر المعروف بالألف واللام المستغرقة للجنس ، ولو كان الدليل والتأويل الثاني معروفا لأمروا به وحيث لم يأمروا به لم يكن معروفا فكان منكرا .

          وأما السنة ، فقوله عليه السلام : " أمتي لا تجتمع على الخطأ " ، وقد ذهبوا عن الدليل والتأويل الثاني ، فلا يكون ذهابهم عنه خطأ ، ولو كان دليلا صحيحا أو تأويلا صحيحا لكان الذهاب عنه خطأ وهو محال .

          [ ص: 274 ] وأما المعقول فهو أنه [1] جاز أن يذهب على أهل العصر الأول الدليل الثاني لجاز أن يوحي الله تعالى إلى النبي عليه السلام بدليلين على حكم واحد ، والنبي عليه السلام يشرع الحكم لأحد الدليلين ويذهب عن الآخر وهو ممتنع ، والجواب عن الآية الأولى أن الذم فيها إما أن يكون على ترك العمل بما اتفقوا عليه من إثبات أو نفي ، وإما بسلوك ما لم يتعرضوا له بنفي ولا إثبات .

          الأول مسلم ، غير أنه لا تحقق له فيما نحن فيه فإن المحدث للدليل والتأويل الثاني غير تارك لدليل أهل العصر الأول ولا لتأويلهم ، بل غايته ضم دليل إلى دليل وتأويل إلى تأويل ، ولا هو تارك لما نهوا عنه من الدليل والتأويل الثاني ، إذ الكلام فيما إذا لم يكن قد نهوا عنه .

          والثاني مما لا سبيل إلى حمل الآية عليه لما فيه من إلحاق الذم بما لا تعرض فيه لإبطال الإجماع لا بنفي ولا إثبات .

          وعن الآية الثانية أنها مشتركة الدلالة ، وذلك لأن قوله : ( وتنهون عن المنكر ) يقتضي كونهم ناهين عن كل منكر لما ذكروه من لام الاستغراق ، ولو كان الدليل والتأويل الثاني منكرا لنهوا عنه ، ولم ينهوا عنه فلا يكون منكرا .

          وعن السنة أن ذهابهم عن الدليل والتأويل الثاني مع صحته إنما يكون خطأ أن لو لم يستغنوا عنه بدليلهم وتأويلهم .

          وعن المعقول أنه قياس من غير جامع صحيح فلا يقبل ، كيف وإنه لا يخلو إما أن يكون مع تعريفه [2] الحكم الواحد بدليلين قد كلف إثبات الحكم بهما أو بأحدهما ، فإن كان الثاني فلا مانع من إثباته للحكم بأحدهما دون الآخر ، وإن كان الأول فلا يلزم من امتناع إثباته للحكم بأحد الدليلين مع تكليفه إثبات الحكم بهما امتناع إثبات الأمة للحكم بأحد الدليلين دون الآخر إلا أن يكونوا قد كلفوا بذلك ، وهو غير مسلم .

          التالي السابق


          الخدمات العلمية