الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          قولهم : المراد من ( سبيل المؤمنين ) كل من آمن به إلى يوم القيامة لا يصح لوجهين :

          الأول : أن الأصل تنزيل اللفظ على حقيقته ، ولفظ ( المؤمنين ) حقيقة يكون لمن هو متصف بالإيمان ، والاتصاف بالإيمان مشروط بالوجود والحياة ، ومن لا حياة له ممن مات أو لم يوجد بعد لا يكون مؤمنا حقيقة ، فلفظ ( المؤمنين ) حقيقة إنما يصدق على أهل كل عصر دون من تقدم أو تأخر .

          وهذا وإن منع من الاحتجاج بإجماع أهل العصر على من بعدهم فلا يمنع من الاحتجاج به على من في عصرهم وهو خلاف مذهب الخصوم [1] .

          الثاني أن المقصود من الآية إنما هو الزجر عن مخالفة المؤمنين والحث على متابعتهم ، وذلك غير متصور عند حمل المؤمنين على كل من آمن إلى يوم القيامة إذ لا زجر ، ولا حث في يوم القيامة .

          قولهم : الآية وإن دلت على وجوب اتباع سبيل المؤمنين في أي عصر كان غير أنها عامة في العالم ، والجاهل غير مراد بالاتفاق ، ولا [2] نسلم ذلك [ ص: 207 ] على ما يأتي [3] وإن سلمنا ذلك ، غير أن الآية حجة في اتباع جملة المؤمنين إلا ما خصه الدليل فتبقى الآية حجة في الباقي .

          قولهم : لفظ ( السبيل ) مفرد لا عموم فيه ، عنه جوابان :

          الأول : أنه يجب اعتقاد عمومه لما سبق تقريره [4] .

          الثاني : أنه إما أن يكون عاما بلفظه ، أو لا يكون عاما بلفظه .

          فإن كان الأول فهو المطلوب ، وإن كان الثاني فهو إن لم يكن عاما بلفظه فهو عام بمعناه وإيمائه ذلك ؛ لأن اتباع سبيل المؤمنين أي سبيل كان مناسب لكونه مصلحيا ، وقد رتب الحكم على وفقه في كلام الشارع ، فكان علة لوجوب الاتباع مهما تحقق .

          قولهم : يلزم من ذلك وجوب متابعة أهل الإجماع فيما فعلوه وحكموا بكونه مباحا ، وهو تناقض .

          قلنا : الآية وإن دلت على وجوب اتباع المؤمنين في كل سبيل لهم ، ففعلهم للمباح سبيل ، وحكمهم بجواز الترك سبيل .

          ولا يلزم من مخالفة الآية في إيجاب الفعل اتباعا لفعلهم له مخالفتها في اتباعهم في اعتقاد جواز تركه [5] .

          قولهم : يلزم من ذلك وجوب متابعة أهل الإجماع في جواز الاجتهاد وتحريمه [6] ، قلنا : سنبين أنه مهما انعقد إجماع الأمة على حكم أنه يستحيل انعقاد إجماعهم على مخالفته .

          قولهم : يحتمل أنه أراد متابعتهم في متابعتهم للنبي عليه السلام وترك مشاقته أو اتباعهم في الإيمان أو في الاجتهاد ، [ ص: 208 ] قلنا : اللفظ يعم كل سبيل على ما قررناه ، وما ذكروه تخصيص لعموم الاتباع من غير دليل فلا يقبل .

          قولهم : إنه مشروط بسابقة تبين الهدى إلى آخره ، فجوابه من ثلاثة أوجه :

          الأول : أن تبين الهدى إنما هو مشروط في الوعيد على المشاقة لا في الوعيد على اتباع غير سبيل المؤمنين ، وذلك لأن المشاقة لا تكون إلا بعد تبين الهدى ومعرفته بدليله ومن لم يعرف ذلك لا يوصف بالمشاقة .

          الثاني : أن تبين الأحكام الفروعية ليس شرطا في مشاقة الرسول بدليل أن من تبين صدق النبي ، وحاد عنه ورد عليه ، فإنه يوصف بالمشاقة ، وإن كان جاهلا بالفروع غير متبين لها .

          وإذا لم تكن معرفة أحكام الفروع شرطا في المشاقة فلا تكون مشترطة في لحوق الوعيد باتباع غير سبيل المؤمنين فيها .

          الثالث : هو أن الآية إنما خرجت مخرج التعظيم والتبجيل للمؤمنين بإلحاق الذم باتباع غير سبيلهم .

          فلو كان ذلك مشروطا بتبين كونه هدى ، ولم يكن اتباعهم في سبيلهم لأجل أنه سبيل لهم بل لمشاركتهم فيما ذهبوا إليه لتبين كونه هدى ، لبطلت فائدة تعظيم الأمة الإسلامية وتميزهم بذلك .

          فإن كل من ظهر الهدى في قوله واعتقاده ، فالوعيد حاصل بمخالفته وإن لم يكن من المسلمين .

          وذلك كالوعيد على عدم مشاركة اليهود فيما ظهر كون معتقدهم فيه هدى كإثبات الصانع ، واعتقاد كون موسى رسولا كريما .

          قولهم : المراد من ( المؤمنين ) الأئمة المعصومون أو من كان فيهم الإمام المعصوم عنه جوابان :

          الأول : أنه مبني على وجود الإمام المعصوم وهو باطل بما حققناه في علم الكلام .

          الثاني : أن الآية عامة فتخصيصها بالأئمة وبالمؤمنين [7] الذين فيهم الإمام المعصوم من غير دليل غير مقبول .

          [ ص: 209 ] كيف وأن الآية دالة على الوعيد باتباع غير سبيل المؤمنين ، وعندهم التوعد إنما هو بسبب اتباع غير سبيل الإمام وحده دون غيره ، وهو خلاف الظاهر .

          قولهم : سلمنا وجوب اتباع سبيل المؤمنين لكن إذا علم أنهم مؤمنون قلنا : المقصود من الآية إنما هو الحث على متابعة سبيل المؤمنين والزجر عن مخالفته فإن كان سبيلهم معلوما فلا إشكال ، وإن لم يكن معلوما فالتكليف باتباع ما لا يكون معلوما إما أن لا يكتفى فيه بالظن أو يكتفى فيه بالظن .

          فإن كان الأول فهو تكليف بما لا يطاق وهو خلاف الأصل ، وإن كان الثاني فهو المطلوب .

          وأما ما ذكروه من المعارضة بالآية الأولى ، فليس في بيان كون الإجماع حجة متبعة بالآية التي ذكرها [8] ما ينافي كون الكتاب تبيانا لكل شيء وأصلا له ، [9] وأما الآية الثانية فهي دليل عليهم ; لأنها دليل على وجوب الرد إلى الله والرسول في كل متنازع فيه ، وكون الإجماع حجة متبعة مما وقع النزاع فيه ، وقد رددناه إلى الله تعالى حيث أثبتناه بالقرآن ، وهم مخالفون في ذلك [10] .

          وأما الآية الثالثة والرابعة فلا نسلم أن النهي فيهما راجع إلى اجتماع الأمة على ما نهوا عنه بل هو راجع إلى كل واحد على انفراده ، ولا يلزم من جواز المعصية على كل واحد جوازها على الجملة .

          سلمنا أن النهي لجملة الأمة عن الاجتماع على المعصية ، ولكن غاية ذلك جواز وقوعها منهم عقلا ، ولا يلزم من الجواز الوقوع .

          ولهذا فإن النبي عليه السلام قد نهي عن أن يكون من الجاهلين بقوله تعالى : ( فلا تكونن من الجاهلين ) ، وقال تعالى لنبيه : ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) إذ ورد ذلك في معرض النهي مع العلم بكونه معصوما من ذلك .

          [ ص: 210 ] وأيضا فإنا نعلم أن كل أحد منهي عن الزنى وشرب الخمر وقتل النفس بغير حق ، إلى غير ذلك من المعاصي .

          ومع ذلك فإن من مات ولم يصدر عنه بعض المعاصي نعلم أن الله قد علم منه أنه لا يأتي المعصية ، فكان معصوما عنها ضرورة تعلق علم الله بأنه لا يأتي بها ومع ذلك فهو منهي عنها .

          وأما خبر معاذ فإنما لم يذكر فيه الإجماع ; لأنه ليس بحجة في زمن النبي عليه السلام ، فلم يكن مؤخرا لبيانه مع الحاجة إليه .

          التالي السابق


          الخدمات العلمية