الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          المسألة الثالثة

          [1] اختلفوا في الواجب المخير كما في خصال الكفارة .

          فمذهب الأشاعرة والفقهاء أن الواجب منها واحد لا بعينه ، ويتعين بفعل المكلف .

          وأطلق الجبائي وابنه القول بوجوب الجميع على التخيير .

          حجة أصحابنا أنه لا يخلو إما أن يقال بوجوب الجميع أو بوجوب واحد ، والواحد إما معين وإما غير معين ، لا جائز أن يقال بالأول لخمسة أوجه :

          الأول : أنه لو كان التخيير موجبا للجميع لكان الأمر بإيجاب عتق عبد من العبيد على طريق التخيير موجبا للجميع ، وهو محال .

          الثاني : أن ذلك مما يمنع من التخيير ، ولهذا فإنه لا يحسن أن يقول القائل لغيره : أوجبت عليك صلاتين فصل أيهما شئت واترك أيهما شئت . كما لا يحسن أن يقول : أوجبت عليك الصلاة وخيرتك في فعلها وتركها ; لما فيه من رفع الواجب ، وليس ذلك من لغة العرب في شيء .

          [ ص: 101 ] الثالث : أن الواجب ما لا يجوز تركه مع القدرة عليه ، والأمر فيما نحن فيه بخلافه .

          الرابع : أن الخصوم قد وافقوا على أنه لو أتى بالجميع أو ترك الجميع فإنه لا يثاب ولا يعاقب على الجميع .

          [2] الخامس : أنه لو كان الجميع واجبا لنوى نية أداء الواجب في كل واحدة من الخصال عند ما إذا فعل الجميع ، وهو خلاف الإجماع ، ولا جائز أن يقال بأن الواجب واحد معين إذ هو خلاف مقتضى التخيير ، ولأنه كان يلزم أن لا يحصل الإجزاء بتقدير أداء غيره مع القدرة عليه ، وهو خلاف الإجماع فلم يبق غير الإبهام .

          غير أن أبا الحسين البصري قد تكلف رد الخلاف في هذه المسألة إلى اللفظ دون المعنى ، وذلك أنه قال : معنى إيجاب الجميع أن الله تعالى حرم ترك الجميع لا كل واحد واحد منها بتقدير فعل المكلف لواحد منها مع تفويض فعل أي واحد منها كان إلى المكلف ، وهذا هو بعينه مذهب الفقهاء غير أن ما ذكره في تفسير وجوب الجميع ، وإن كان رافعا للخلاف غير أنه خلاف ما نقله الأئمة عن الجبائي وابنه من إطلاق القول بوجوب الجميع والدلائل المشعرة بذلك . فلننسج في الحجاج على منوالهم .

          فإن قيل : ما ذكرتموه من الدليل إنما يلزم أن لو كانت آية التكفير ، وهي قوله تعالى : ( فكفارته إطعام عشرة مساكين ) ، الآية دالة على تخيير كل واحد واحد من الأمة بين خصال الكفارة بجهة الإيجاب ، وما المانع أن يكون ذلك إخبارا عما يوجد من الكفارة ، وتقديره فما يوجد من الكفارة هو إطعام من حانث أو كسوة من حانث آخر أو عتق من حانث آخر .

          [ ص: 102 ] سلمنا دلالتها على الإيجاب ، لكن لا أنها بالتخيير لكل واحد واحد من الأمة ، بل المراد بها إيجاب الإطعام على البعض والكسوة على البعض والعتق على البعض ، فكأنه قال : فكفارته إطعام عشرة مساكين لبعضهم ، أو الكسوة لبعض آخر ، أو العتق لبعض آخر . سلمنا دلالة ما ذكرتموه لكنه معارض بما يدل على إبطال مدلوله ، وبيانه من أحد عشر وجها :

          الأول : أن الخصال المذكورة إما أن تكون مستوية فيما يرجع إلى الصفات المقتضية للوجوب ، أو أنها مختصة بالبعض دون البعض .

          فإن كان الأول ، فيلزم التسوية في الوجوب بين الكل .

          وإن كان الثاني ، كان ذلك البعض هو الواجب بعينه دون غيره .

          الثاني : أن الواجب ما تعلق به الشرع بالإيجاب ، وخطاب الشرع إنما يتعلق بالمعين دون المبهم ، ولهذا فإنه يمتنع تعلق الإيجاب بأحد شخصين لا بعينه ، فكذلك بفعل أحد أمرين لا بعينه ، وعند ذلك فيلزم تعلقه بالكل أو ببعض منه معين .

          الثالث : أن الإيجاب طلب ، والطلب يستدعي مطلوبا معينا لما تحقق قبل ، والمعين إما الكل أو البعض .

          الرابع : أنه لو فعل العبد الجميع ، فإنه يثاب ثواب من فعل واجبا ، فسببه يجب أن يكون مقدورا للمكلف معينا لاستحالة الثواب على ما لا يكون من فعل العبد واستحالة إسناد المعين إلى غير معين ، والمبهم ليس كذلك فلزم أن يكون الثواب على الجملة أو بعض معين منها .

          الخامس : أنه لو ترك الجميع فإنه يعاقب عقاب من ترك واجبا منها ، وذلك يدل على أن الجميع واجب أو بعض منه معين كما سبق .

          السادس : أنه لو كان الواجب واحدا لا بعينه من الخصال ; لكان منها شيء لا بعينه غير واجب ، والتخيير بين الواجب وما ليس بواجب محال لما فيه من رفع حقيقة الواجب .

          [ ص: 103 ] السابع : أنه لو كان الواجب واحدا لا بعينه ، فعند التكفير بالجميع إما أن يسقط الفرض بمجموعها ، أو بكل واحد منها ، أو بواحد منها ، فإن كان الأول أو الثاني فالكل واجب ، وإن كان الثالث فذلك هو الفرض .

          الثامن ، ويخص إيجاب الجميع : أنه لو كان الواجب واحدا لنصب الله عليه دليلا ولم يكله إلى تعيين العبد لعدم معرفته بما فيه المصلحة ، كما [3] في سائر الواجبات . فحيث لم يعين دل على أن الكل واجب .

          التاسع : أنه إذا كان الواجب واحدا لا بعينه ويتعين بفعل المكلف ، فالباري تعالى يعلم ما سيعينه العبد فيكون الواجب معينا عند الله ، وإن لم يكن معينا عند العبد قبل الفعل ، ويلزم من ذلك التخيير بين الواجب المعين وبين ما ليس واجبا ، وهو محال ، فثبت أن الجميع واجب .

          العاشر : أنه لو كان الواجب واحدا لا بعينه فكفر ثلاثة كل واحد بواحد من الخصال ، غير ما كفر به الآخر لكان الواحد منهم لا بعينه هو المكفر بالواجب دون الباقين ، وحيث وقع ما فعله كل واحد موقع الواجب كان الجميع واجبا .

          الحادي عشر : أن الوجوب قد يعم عددا من المتعبدين ويسقط بفعل الواحد منهم كفرض الكفاية ، فلا يمتنع أن يعم الوجوب عددا من العبادات يسقط بفعل واحدة منها .

          والجواب عن السؤال الأول : أن الإجماع من الأمة منعقد على أن المراد من الآية الوجوب لا نفس الإخبار .

          وعن الثاني : أن حمل الآية على ما ذكروه مع مخالفته لإجماع السلف مما يحوج إلى إضمارات كثيرة في الآية ، وهي ما قدروه من البعض في قولهم : فكفارته إطعام عشرة مساكين لبعضهم ، وكذلك في الكسوة والعتق ، وهو على خلاف الأصل من غير حاجة ، كيف وأنه لو كان كما ذكروه لقال : فكفارته إطعام عشرة مساكين وكسوتهم وتحرير رقبة ; لوجوب الخصال الثلاث على الجميع بالنسبة إلى الحانثين المذكورين .

          [ ص: 104 ] وعن المعارض الأول أنه مبني على وجوب رعاية المصلحة في أحكام الله تعالى ، وهو غير مسلم .

          [4] كيف وأنه يلزم منه أن يكون الأمر على ما ذكروه في عقد الإمامة لأحد الإمامين الصالحين ، وتزويج المرأة الطالبة للنكاح من أحد الكفؤين الخاطبين ، وفي إيجاب عتق عبد من العبيد وهو مخالف للإجماع ، وحيث تعذر الوجوب على أحد شخصين لا بعينه ، إنما كان لتوقف تحقق الوجوب على ارتباطه بالذم والعقاب على ما سبق في تحديده ، وذم أحد شخصين لا بعينه متعذر بخلاف الذم على أحد فعلين لا بعينه ، وبهذه الصور يكون اندفاع ما ذكروه من المعارض الثاني وما بعده إلى آخر التاسع .

          وعن العاشر : أن الواجب على كل واحد من المكفرين خصلة من الخصال الثلاث لا بعينها ، وقد أتى بما وجب عليه [5] وسقط به الفرض عنه ، فكان ما أتى به كل واحد واجبا لا أن الواجب على الكل خصلة واحدة لا بعينها ليلزم ما قيل .

          وعن الحادي عشر : أنا لا نمنع سقوط الواجب دون أدائه ، ولكن لا يلزم من ذلك أن تكون خصال الكفارة كلها واجبة كما كان الوجوب على أعداد المكلفين في فرض الكفاية ; لأن الإجماع منعقد على تأثيم الكل بتقدير اتفاقهم على الترك ، ولا كذلك في خصال الكفارة .

          [6] وعلى هذه القاعدة لو قال لزوجتيه : إحداكما طالق ، فالمطلقة منهما واحدة لا بعينها ، وإن وجب الكف عنهما والتخيير في التعيين إلى المطلق كما لو قيل في خصال الكفارة من غير فرق ، ولا يخفى وجه الحجاج من الطرفين .

          التالي السابق


          الخدمات العلمية