الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في قوله تعالى ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء

جزء التالي صفحة
السابق

2658 (30) باب

في قوله تعالى: ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء

[ 1527 ] عن عائشة قالت: كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقول: وتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله عز وجل: ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت [الأحزاب: 51] قالت: قلت: والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك.

وفي رواية: إن عائشة كانت تقول: أما تستحيي المرأة تهب نفسها لرجل؟ حتى أنزل الله وذكره.

رواه البخاري (5113)، ومسلم (1464) (49) و (50)، وأبو داود (2136)، والنسائي (5416).

التالي السابق


(30) ومن باب قوله تعالى:

ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء الآية.

اختلف السلف في هذه الآية. فقيل: هي ناسخة لقوله تعالى: لا يحل لك النساء من بعد [الأحزاب: 52] مبيحة له أن يتزوج ما شاء. وقيل: بل نسخ [ ص: 210 ] قوله: لا يحل لك النساء [الأحزاب: 52] بالسنة. قال زيد بن أسلم : تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية ميمونة ، ومليكة ، وصفية ، وجويرية . وقالت عائشة : (ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له النساء).

وقيل عكس هذا، وهو: إن قوله: لا يحل لك النساء ناسخة لقوله: إنا أحللنا لك أزواجك الآية، ولقوله: ترجي من تشاء منهن وقيل غير هذا مما هو ظاهر الفساد. وإن صح ما نقله زيد بن أسلم : فالقول قوله، والله تعالى أعلم.

ترجي: قرئ مهموزا وغير مهموز، وهما لغتان. يقال: أرجيت الأمر، وأرجأته: إذا أخرته. وتؤوي: تضم. ابن عباس : تطلق من تشاء، وتمسك من تشاء. فأراد تطليق سودة ، فوهبت يومها لعائشة فبقاها. مجاهد : تعزل من تشاء بغير طلاق، وتضم إليك من تشاء.

وكان ممن آوى إليه عائشة ، وحفصة ، وأم سلمة . وأرجأ سودة ، وجويرية ، وصفية ، وميمونة ، وأم حبيبة . وكان يقسم لهن ما شاء. وتوفي صلى الله عليه وسلم وقد آوى جميعهن إلا صفية ، وهذا يدل على أن القسم لم يكن عليه واجبا. وهو أحد القولين كما قدمناه.

ابتغيت؛ أي: طلبت الإصابة. ذلك؛ أي: الابتغاء أدنى؛ أي: أقرب لطيب قلوبهن؛ أي: إذا علمن أن العزل بأمر الله تعالى قرت أعينهن بذلك، ورضين. هذا قول أهل التفسير.

وفي هذه الآيات أبحاث ليس هذا موضع ذكرها. وما نقلناه أشبه ما قيل فيها.

[ ص: 211 ] و (قول عائشة رضي الله عنها: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك ). قول أبرزته الغيرة والدلال. وهذا من نوع قولها: (ما أهجر إلا اسمك) و (لا أحمد إلا الله). وإلا فإضافة الهوى إلى النبي صلى الله عليه وسلم مباعد لتعظيمه، وتوقيره؛ الذي أمرنا الله تعالى به، فإن النبي صلى الله عليه وسلم منزه عن الهوى بقوله تعالى: وما ينطق عن الهوى [النجم: 3]، وهو ممن نهى النفس عن الهوى. ولو جعلت مكان (هواك) (مرضاتك) لكان أشبه، وأولى. لكن أبعد هذا في حقها عن نوع الذنوب: أن ما يفعل المحبوب محبوب.

و (قولها: ( أما تستحيي المرأة تهب نفسها ؟ !) تقبيح منها على من فعلت ذلك. وتنفير أوجبه غيرتها. وإلا فقد علمت أن الله تعالى أباح هذا للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وأن النساء كلهن لو ملكن رقهن ورقابهن للنبي صلى الله عليه وسلم لكن معذورات في ذلك، ومشكورات عليه لعظيم بركته، ولشرف منزلة القرب منه.

وعلى الجملة فإذا حقق النظر في أحوال أزواجه؛ علم: أنه لم يحصل أحد في العالم على مثل ما حصلن عليه. ويكفيك من ذلك مخالطة اللحوم، والدماء، ومشابكة الأعضاء، [ ص: 212 ] والأجزاء. وناهيك بها مراتب فاخرة. لا جرم هن أزواجه المخصوصات به في الدنيا والآخرة.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث