[ ص: 65 ] قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=37فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء nindex.php?page=treesubj&link=28974قوله تعالى : nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=37فتقبلها ربها بقبول حسن المعنى : سلك بها طريق السعداء ; عن
ابن عباس . وقال قوم : معنى التقبل التكفل في التربية والقيام بشأنها . وقال
الحسن : معنى التقبل أنه ما عذبها ساعة قط من ليل ولا نهار .
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=37وأنبتها نباتا حسنا يعني سوى خلقها من غير زيادة ولا نقصان ، فكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في عام واحد . والقبول والنبات مصدران على غير المصدر ، والأصل تقبلا وإنباتا . قال الشاعر :
أكفرا بعد رد الموت عني وبعد عطائك المائة الرتاعا
أراد بعد إعطائك ، لكن لما قال أنبتها دل على نبت ; كما قال
امرؤ القيس :
فصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ورضت فذلت صعبة أي إذلال
وإنما مصدر ذلت ذل ، ولكنه رده على معنى أذللت ; وكذلك كل ما يرد عليك في هذا الباب . فمعنى تقبل وقبل واحد ، فالمعنى فقبلها ربها بقبول حسن . ونظيره قول
رؤبة :
وقد تطويت انطواء الحضب
الأفعى لأن معنى تطويت وانطويت واحد ; ومثله قول
القطامي :
وخير الأمر ما استقبلت منه وليس بأن تتبعه اتباعا
لأن تتبعت واتبعت واحد . وفي قراءة
ابن مسعود ( وأنزل الملائكة تنزيلا ) لأن معنى نزل وأنزل واحد . وقال
المفضل : معناه وأنبتها فنبتت نباتا حسنا . ومراعاة المعنى أولى كما ذكرنا . والأصل في القبول الضم ; لأنه مصدر مثل الدخول والخروج ، والفتح جاء في حروف قليلة ; مثل الولوع والوزوع ; هذه الثلاثة لا غير ; قال
أبو عمر nindex.php?page=showalam&ids=15080والكسائي والأئمة . وأجاز
الزجاج ( بقبول ) بضم القاف على الأصل .
[ ص: 66 ] قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=37وكفلها زكريا أي ضمها إليه .
أبو عبيدة : ضمن القيام بها . وقرأ الكوفيون
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=37وكفلها بالتشديد ، فهو يتعدى إلى مفعولين ; والتقدير وكفلها ربها
زكريا ، أي ألزمه كفالتها وقدر ذلك عليه ويسره له . وفي مصحف
أبي ( وأكفلها ) والهمزة كالتشديد في التعدي ; وأيضا فإن قبله
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=37فتقبلها ، و أنبتها فأخبر تعالى عن نفسه بما فعل بها ; فجاء كفلها بالتشديد على ذلك . وخففه الباقون على إسناد الفعل إلى
زكريا . فأخبر الله تعالى أنه هو الذي تولى كفالتها والقيام بها ; بدلالة قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=44أيهم يكفل مريم . قال
مكي : وهو الاختيار ; لأن التشديد يرجع إلى التخفيف ، لأن الله تعالى إذا كفلها
زكريا كفلها بأمر الله ، ولأن
زكريا إذا كفلها فعن مشيئة الله وقدرته ; فعلى ذلك فالقراءتان متداخلتان . وروى
عمرو بن موسى عن
عبد الله بن كثير وأبي عبد الله المزني " وكفلها " بكسر الفاء . قال
الأخفش : يقال كفل يكفل وكفل يكفل ولم أسمع كفل ، وقد ذكرت . وقرأ
مجاهد " فتقبلها " بإسكان اللام على المسألة والطلب . " ربها " بالنصب نداء مضاف . " وأنبتها " بإسكان التاء " وكفلها " بإسكان اللام " زكرياء " بالمد والنصب . وقرأ
حفص وحمزة nindex.php?page=showalam&ids=15080والكسائي nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=37زكريا بغير مد ولا همزة ، ومده الباقون وهمزوه . وقال
الفراء : أهل
الحجاز يمدون " زكرياء " ويقصرونه ، وأهل
نجد يحذفون منه الألف ويصرفونه فيقولون : زكري . قال
الأخفش : فيه أربع لغات : المد والقصر ، وزكري بتشديد الياء والصرف ، وزكر ورأيت زكريا . قال
أبو حاتم : زكري بلا صرف لأنه أعجمي وهذا غلط ; لأن ما كان فيه " يا " مثل هذا انصرف مثل كرسي
ويحيى ، ولم ينصرف زكرياء في المد والقصر لأن فيه ألف تأنيث والعجمة والتعريف .
قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=37كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا إلى قوله
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=38إنك سميع الدعاء
فيه أربع مسائل :
الأولى : قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=37كلما دخل عليها زكريا المحراب المحراب في اللغة أكرم موضع في المجلس . وسيأتي له مزيد بيان في سورة ( مريم ) . وجاء في الخبر :
إنها كانت في غرفة كان زكريا يصعد إليها بسلم . قال
وضاح اليمن :
ربة محراب إذا جئتها لم ألقها حتى أرتقي سلما
أي ربة غرفة . روى
أبو صالح عن
ابن عباس قال : حملت
امرأة عمران بعدما أسنت
[ ص: 67 ] فنذرت ما في بطنها محررا فقال لها
عمران : ويحك ما صنعت ؟ أرأيت إن كانت أنثى ؟ فاغتما لذلك جميعا . فهلك
عمران وحنة حامل فولدت أنثى فتقبلها الله بقبول حسن ، وكان لا يحرر إلا الغلمان فتساهم عليها الأحبار بالأقلام التي يكتبون بها الوحي ، على ما يأتي . فكفلها
زكريا وأخذ لها موضعا فلما أسنت جعل لها محرابا لا يرتقى إليه إلا بسلم ، واستأجر لها ظئرا وكان يغلق عليها بابا ، وكان لا يدخل عليها إلا
زكريا حتى كبرت ، فكانت إذا حاضت أخرجها إلى منزله فتكون عند خالتها وكانت خالتها
امرأة زكريا في قول
الكلبي . قال
مقاتل : كانت أختها
امرأة زكريا . وكانت إذا طهرت من حيضتها واغتسلت ردها إلى المحراب . وقال بعضهم : كانت لا تحيض وكانت مطهرة من الحيض . وكان
زكريا إذا دخل عليها يجد عندها فاكهة الشتاء في القيظ وفاكهة القيظ في الشتاء فقال : يا
مريم أنى لك هذا ؟ فقالت : هو من عند الله . فعند ذلك طمع
زكريا في الولد وقال : إن الذي يأتيها بهذا قادر أن يرزقني ولدا . ومعنى أنى من أين ; قاله
أبو عبيدة . قال
النحاس : وهذا فيه تساهل ; لأن " أين " سؤال عن المواضع و " أنى " سؤال عن المذاهب والجهات . والمعنى من أي المذاهب ومن أي الجهات لك هذا . وقد فرق
الكميت بينهما فقال :
أنى ومن أين آبك الطرب من حيث لا صبوة ولا ريب
و كلما منصوب ب وجد ، أي كل دخلة .
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=37إن الله يرزق من يشاء بغير حساب قيل : هو من قول
مريم ، ويجوز أن يكون مستأنفا ; فكان ذلك سبب دعاء
زكريا وسؤاله الولد . الثانية :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=38هنالك دعا زكريا ربه هنالك في موضع نصب ; لأنه ظرف يستعمل للزمان والمكان وأصله للمكان . وقال
nindex.php?page=showalam&ids=12053المفضل بن سلمة : " هنالك " في الزمان و " هناك " في المكان ، وقد يجعل هذا مكان هذا . هب لي أعطني . من لدنك من عندك . ذرية طيبة أي نسلا صالحا . والذرية تكون واحدة وتكون جمعا ذكرا وأنثى ، وهو هنا واحد . يدل عليه قوله .
nindex.php?page=tafseer&surano=19&ayano=5فهب لي من لدنك وليا ولم يقل أولياء ، وإنما أنث
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=38طيبة لتأنيث لفظ الذرية ; كقوله :
أبوك خليفة ولدته أخرى وأنت خليفة ذاك الكمال
فأنث ولدته لتأنيث لفظ الخليفة .
وروي من حديث
أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
[ ص: 68 ] أي رجل مات وترك ذرية طيبة أجرى الله له مثل أجر عملهم ولم ينقص من أجورهم شيئا . وقد مضى في " البقرة " اشتقاق الذرية . و ( طيبة ) أي صالحة مباركة .
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=38إنك سميع الدعاء أي قابله ; ومنه : سمع الله لمن حمده .
الثالثة : دلت هذه الآية على
nindex.php?page=treesubj&link=10799_32065طلب الولد ، وهي سنة المرسلين والصديقين ، قال الله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=13&ayano=38ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية . وفي صحيح
مسلم عن
nindex.php?page=showalam&ids=37سعد بن أبي وقاص قال :
nindex.php?page=hadith&LINKID=831848أراد عثمان أن يتبتل فنهاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو أجاز له ذلك لاختصينا . وخرج
ابن ماجه عن
عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
nindex.php?page=hadith&LINKID=831849النكاح من سنتي فمن لم يعمل بسنتي فليس مني وتزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم ومن كان ذا طول فلينكح ومن لم يجد فعليه بالصوم فإنه له وجاء . وفي هذا رد على بعض جهال
المتصوفة حيث قال : الذي يطلب الولد أحمق ، وما عرف أنه هو الغبي الأخرق ; قال الله تعالى مخبرا عن
إبراهيم الخليل :
nindex.php?page=tafseer&surano=26&ayano=84واجعل لي لسان صدق في الآخرين وقال :
nindex.php?page=tafseer&surano=25&ayano=74والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين . وقد ترجم
nindex.php?page=showalam&ids=12070البخاري على هذا ( باب طلب الولد ) . وقال - صلى الله عليه وسلم -
لأبي طلحة حين مات ابنه : ( أعرستم الليلة ) ؟ قال : نعم . قال : ( بارك الله لكما في غابر ليلتكما ) . قال فحملت . في
nindex.php?page=showalam&ids=12070البخاري : قال
سفيان فقال رجل من
الأنصار : فرأيت
[ ص: 69 ] تسعة أولاد كلهم قد قرءوا القرآن . وترجم أيضا " باب الدعاء بكثرة الولد مع البركة " وساق حديث
أنس بن مالك قال : قالت
أم سليم : يا رسول الله ، خادمك
أنس ادع الله له . فقال :
nindex.php?page=hadith&LINKID=831850اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته . وقال - صلى الله عليه وسلم - :
nindex.php?page=hadith&LINKID=831851اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين . خرجه
nindex.php?page=showalam&ids=12070البخاري ومسلم . وقال - صلى الله عليه وسلم - :
nindex.php?page=hadith&LINKID=831852تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم . أخرجه
أبو داود . والأخبار في هذا المعنى كثيرة تحث على طلب الولد وتندب إليه ; لما يرجوه الإنسان من نفعه في حياته وبعد موته . قال - صلى الله عليه وسلم - :
nindex.php?page=hadith&LINKID=831853إذا مات أحدكم انقطع عمله إلا من ثلاث فذكر (
nindex.php?page=hadith&LINKID=831854أو ولد صالح يدعو له ) . ولو لم يكن إلا هذا الحديث لكان فيه كفاية .
الرابعة : فإذا ثبت هذا فالواجب على الإنسان أن يتضرع إلى خالقه في هداية ولده وزوجه بالتوفيق لهما والهداية والصلاح والعفاف والرعاية ، وأن يكونا معينين له على دينه ودنياه حتى تعظم منفعته بهما في أولاه وأخراه ; ألا ترى قول
زكريا :
nindex.php?page=tafseer&surano=19&ayano=6واجعله رب رضيا وقال :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=38ذرية طيبة . وقال :
nindex.php?page=tafseer&surano=25&ayano=74هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين . ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
لأنس فقال :
nindex.php?page=hadith&LINKID=831784اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه . خرجه
nindex.php?page=showalam&ids=12070البخاري ومسلم ، وحسبك .