الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
( فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ ) فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ ؛ تَقْدِيرُهُ : فَذَهَبُوا مِنَ الشَّامِ إِلَى مِصْرَ وَدَخَلُوهَا ( فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ ) وَالضَّمِيرُ فِي ( عَلَيْهِ ) عَائِدٌ عَلَى يُوسُفَ ، وَكَانَ آكَدُ مَا حَدَّثُوهُ فِيهِ شَكْوَى مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْجَهْدِ قَبْلَ مَا وَصَّاهُمْ بِهِ مِنْ تَحَسُّسِ نَبَأِ يُوسُفَ وَأَخِيهِ . وَالضُّرُّ : الْهُزَالُ مِنَ الشِّدَّةِ وَالْجُوعِ ، وَالْبِضَاعَةُ كَانَتْ زُيُوفًا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَقَالَ الْحَسَنُ : قَلِيلَةٌ . وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ : نَاقِصَةٌ . وَقِيلَ : كَانَتْ عَرُوضًا . قِيلَ : كَانَتْ صُوفًا وَسَمْنًا . وَقِيلَ : صَنَوْبَرًا وَحَبَّةَ الْخَضْرَاءِ وَهِيَ الْفُسْتُقُ قَالَهُ : أَبُو صَالِحٍ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ . وَقِيلَ : سَوِيقُ الْمُقْلِ وَالْأَقِطِ ، وَقِيلَ : قَدِيدُ وَحْشٍ ، وَقِيلَ : حِبَالًا وَأَعْدَالًا وَأَقْتَابًا ، ثُمَّ الْتَمَسُوا مِنْهُ إِيفَاءَ الْكَيْلِ ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْكَيْلَ عَلَى الْبَائِعِ وَلَا دَلِيلَ فِيهِ . ( وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ) أَيْ : بِالْمُسَامَحَةِ وَالْإِغْمَاضِ عَنْ رَدَاءَةِ الْبِضَاعَةِ ، أَوْ زِدْنَا عَلَى حَقِّنَا ، فَسَمُّوا مَا هُوَ فَضْلٌ وَزِيَادَةٌ لَا تَلْزَمُهُ صَدَقَةٌ ، قِيلَ : لِأَنَّ الصَّدَقَاتِ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَقِيلَ : كَانَتْ تَحِلُّ لِغَيْرِ نَبِيِّنَا ، وَسُئِلَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : أَلَمْ تَسْمَعْ ( وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ) أَرَادَ أَنَّهَا كَانَتْ حَلَالًا لَهُمْ . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ تَمَسْكَنُوا لَهُ وَطَلَبُوا أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ ، وَمِنْ ثَمَّ رَقَّ لَهُمْ وَمَلَكَتْهُ الرَّحْمَةُ عَلَيْهِمْ ، فَلَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ عَرَّفَهُمْ نَفْسَهُ ، وَقَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ) شَاهِدٌ لِذَلِكَ لِذِكْرِ اللَّهِ وَجَزَائِهِ ، انْتَهَى . وَقِيلَ : كَانَتِ الصَّدَقَةُ مُحَرَّمَةً ، وَلَكِنْ قَالُوهَا تَجَوُّزًا اسْتِعْطَافًا مِنْهُمْ لَهُ فِي الْمُبَايَعَةِ كَمَا تَقُولُ لِمَنْ سَاوَمْتَهُ فِي سِلْعَةٍ : هَبْنِي مِنْ ثَمَنِهَا كَذَا ، فَلَمْ يَقْصِدْ أَنْ يَهَبَكَ ، وَإِنَّمَا حَسُنَتْ مَعَهُ الْأَفْعَالُ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْكَ إِلَى سَوْمِكَ ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : إِنَّمَا خَصُّوا بِقَوْلِهِمْ : ( وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ) أَمْرَ أَخِيهِمْ بِنْيَامِينَ ؛ أَيْ : أَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ فِي الْمُبَايَعَةِ ، وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا بِرَدِّ أَخِينَا عَلَى أَبِيهِ ، وَقَالَ النَّقَّاشُ فِي قَوْلِهِ : ( إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ) هِيَ مِنَ الْمَعَارِيضِ الَّتِي هِيَ مَنْدُوحَةٌ عَنِ الْكَذِبِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مَلِكًا كَافِرًا عَلَى غَيْرِ دِينِهِمْ ، وَلَوْ قَالُوا : إِنَّ اللَّهَ يَجْزِيكَ بِصَدَقَتِكَ فِي الْآخِرَةِ كُذِّبُوا ، فَقَالُوا لَهُ لَفْظًا يُوهِمُ أَنَّهُمْ أَرَادُوهُ ، وَهُمْ يَصِحُّ لَهُمْ إِخْرَاجُهُ مِنْهُ بِالتَّأْوِيلِ ، وَرُوِيَ أَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا لَهُ : ( مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ ) وَاسْتَعْطَفُوهُ ، رَقَّ لَهُمْ وَرَحِمَهُمْ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَارْفَضَّ دَمْعُهُ بَاكِيًا ، فَشَرَعَ فِي كَشْفِ أَمْرِهِ إِلَيْهِمْ ، فَيُرْوَى أَنَّهُ حَسَرَ قِنَاعَهُ وَقَالَ لَهُمْ : هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ أَيْ : مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا فِي الصِّغَرِ ، وَإِذَايَةِ بِنْيَامِينَ بَعْدَ مَغِيبِ يُوسُفَ ؟ وَكَانُوا يُذِلُّونَهُ وَيَشْتُمُونَهُ . قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ : وَنَسَبَهُمْ إِمَّا إِلَى جَهْلِ الْمَعْصِيَةِ ، وَإِمَّا إِلَى جَهْلِ السَّيَّآتِ وَقِلَّةِ الْحُنْكَةِ . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : أَتَاهُمْ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ وَكَانَ حَلِيمًا مُوَفَّقًا ، فَكَلَّمَهُمْ مُسْتَفْهِمًا عَنْ مَعْرِفَةِ وَجْهِ الْقُبْحِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُرَاعِيَهُ التَّائِبُ فَقَالَ : هَلْ عَلِمْتُمْ قُبْحَ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ لَا تَعْلَمُونَ قُبْحَهُ ، فَلِذَلِكَ أَقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ ؛ يَعْنِي : هَلْ عَلِمْتُمْ قُبْحَهُ فَتُبْتُمْ إِلَى اللَّهِ مِنْهُ ؟ لِأَنَّ عِلْمَ الْقُبْحِ يَدْعُو إِلَى الِاسْتِقْبَاحِ ، وَالِاسْتِقْبَاحُ يَجُرُّ التَّوْبَةَ ، فَكَانَ كَلَامُهُ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ وَتَنَصُّحًا لَهُمْ فِي الدِّينِ ، وَإِيثَارًا لِحَقِّ اللَّهِ عَلَى حَقِّ نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ الَّذِي يَتَنَفَّسُ فِيهِ الْمَكْرُوبُ وَيَنْفُثُ الْمَصْدُورُ وَيَشْتَفِي الْمَغِيظُ الْمُحْنَقُ وَيُدْرِكُ ثَأْرَهُ الْمُوتُورَ ، فَلِلَّهِ أَخْلَاقُ الْأَنْبِيَاءِ مَا أَوْطَاهَا وَأَسْمَحَهَا ، وَلِلَّهِ حَصَى عُقُولِهِمْ مَا أَرْزَنَهَا وَأَرْجَحَهَا ، انْتَهَى . وَقِيلَ : لَمْ يُرِدْ نَفْيَ الْعِلْمِ عَنْهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا عُلَمَاءَ ، وَلَكِنَّهُمْ لَمَّا فَعَلُوا مَا لَا يَقْتَضِيهِ الْعِلْمُ ، وَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ إِلَّا جَاهِلٌ سَمَّاهُمْ جَاهِلِينَ ، وَفِي التَّحْرِيرِ ؛ مَا لُخِّصَ مِنْهُ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَ الْجُمْهُورِ : هَلْ عَلِمْتُمْ : اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ التَّقْرِيعُ وَالتَّوْبِيخُ ، وَمُرَادُهُ تَعْظِيمُ الْوَاقِعَةِ ؛ أَيْ : مَا أَعْظَمَ مَا ارْتَكَبْتُمْ مِنْ يُوسُفَ ، كَمَا يُقَالُ : هَلْ تَدْرِي مَنْ عَصَيْتَ ؟ وَقِيلَ : " هَلْ " بِمَعْنَى قَدْ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَالِمِينَ ، وَ ( فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ ) إِفْرَادُهُ مِنْ أَبِيهِمْ ، وَقَوْلُهُمْ : بِأَنَّ الذِّئْبَ أَكَلَهُ ، وَإِلْقَاؤُهُ فِي الْجُبِّ ، وَبَيْعُهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ إِنْ كَانُوا هُمُ الَّذِينَ بَاعُوهُ ، وَقَوْلُهُمْ : ( إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ ) وَالَّذِي فَعَلُوا بِأَخِيهِ أَذَاهُمْ لَهُ وَجَفَاؤُهُمْ لَهُ ، وَاتِّهَامُهُ بِسَرِقَةِ الصَّاعِ ، وَتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ سَرَقَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُمْ مَا إِذْ وَاجَهَ أَبَاهُمْ تَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ وَتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ أَنْ يَذْكُرَهُ مَعَ نَفْسِهِ وَأَخِيهِ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ : جَاهِلُونَ صِبْيَانٌ . وَقَالَ مُقَاتِلٌ : مُذْنِبُونَ . وَقِيلَ : جَاهِلُونَ بِمَا يَجِبُ مِنْ بَرِّ الْأَبِ ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ ، وَتَرْكِ الْهَوَى . وَقِيلَ : جَاهِلُونَ بِمَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُ يُوسُفَ . وَقِيلَ : جَاهِلُونَ بِالْفِكْرِ فِي الْعَاقِبَةِ ، وَعَدَمِ النَّظَرِ إِلَى الْمَصْلَحَةِ . وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ : وَغَرَضُ يُوسُفَ تَوْبِيخُ إِخْوَتِهِ وَتَأْنِيبِهِمْ عَلَى مَا فَعَلُوا فِي حَقِّ أَبِيهِمْ وَفِي حَقِّ أَخَوَيْهِمْ ، قَالَ : وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ تَأْنِيسًا لِقُلُوبِهِمْ ، وَبَسْطِ عُذْرٍ كَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا أُقَدِّمُكُمْ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ الْقَبِيحِ جَهَالَةَ الصِّبَا أَوِ الْغُرُورِ ، وَكَأَنَّهُ لَقَّنَهُمُ الْحُجَّةَ كَقَوْلِهِ : ( مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ) وَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْهَيْصَمِ فِي قِصَّةٍ مِنْ أَنَّهُ صَلَبَهُمْ ، وَالثَّعْلَبِيُّ فِي حِكَايَتِهِ أَنَّهُ غَضِبَ عَلَيْهِمْ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ فَبَكَوْا وَجَزِعُوا ، فَرَقَّ لَهُمْ وَقَالَ : ( هَلْ عَلِمْتُمْ ) الْآيَةَ ، لَا يَصِحُّ الْبَتَّةَ ، وَكَانَ يُوسُفُ مِنْ أَرَقِّ خَلْقِ اللَّهِ وَأَشْفَقَهُمْ عَلَى الْأَجَانِبِ ، فَكَيْفَ مَعَ إِخْوَتِهِ وَلَمَّا اعْتَرَفُوا بِالْخَطَأِ قَالَ : ( لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ) الْآيَةَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية