الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                جزء صفحة
                                                                                                                صحيح مسلم بَاب لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ بَلْ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى 2816 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَنْ يُنْجِيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ قَالَ رَجُلٌ وَلَا إِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَلَا إِيَّايَ إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ وَلَكِنْ سَدِّدُوا وَحَدَّثَنِيهِ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَلَمْ يَذْكُرْ وَلَكِنْ سَدِّدُوا شرح النووي ( بَابُ لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ بَلْ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى ) قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَنْ يُنْجِي أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ ، قَالَ رَجُلٌ : وَلَا إِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : وَلَا إِيَّايَ إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ ، وَلَكِنْ سَدِّدُوا وَفِي رِوَايَةٍ : ( بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٌ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( إِلَّا أَنْ يَتَدَارَكَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ ) . اعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ : أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِالْعَقْلِ ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ وَلَا إِيجَابٌ وَلَا تَحْرِيمٌ وَلَا غَيْرُهُمَا مِنْ أَنْوَاعِ التَّكْلِيفِ ، وَلَا تَثْبُتُ هَذِهِ كُلُّهَا وَلَا غَيْرُهَا إِلَّا بِالشَّرْعِ ، وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَيْضًا : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ تَعَالَى اللَّهُ ، بَلِ الْعَالَمُ مُلْكُهُ ، وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ فِي سُلْطَانِهِ ، يَفْعَلُ فِيهِمَا مَا يَشَاءُ ، فَلَوْ عَذَّبَ الْمُطِيعِينَ وَالصَّالِحِينَ أَجْمَعِينَ ، وَأَدْخَلَهُمُ النَّارَ كَانَ عَدْلًا مِنْهُ وَإِذَا أَكْرَمَهُمْ وَنَعَّمَهُمْ وَأَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ فَهُوَ فَضْلٌ مِنْهُ ، وَلَوْ نَعَّمَ الْكَافِرِينَ وَأَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُ أَخْبَرَ وَخَبَرُهُ صِدْقٌ ، أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ هَذَا ، بَلْ يَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ ، وَيُعَذِّبُ الْمُنَافِقِينَ وَيُخَلِّدُهُمْ فِي النَّارِ عَدْلًا مِنْهُ . وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَيُثْبِتُونَ الْأَحْكَامَ بِالْعَقْلِ ، وَيُوجِبُونَ ثَوَابَ الْأَعْمَالِ ، وَيُوجِبُونَ الْأَصْلَحَ ، وَيَمْنَعُونَ خِلَافَ هَذَا فِي خَبْطٍ طَوِيلٍ لَهُمْ ، تَعَالَى اللَّهُ عَنِ اخْتِرَاعَاتِهِمُ الْبَاطِلَةِ الْمُنَابِذَةِ لِنُصُوصِ الشَّرْعِ . وَفِي ظَاهِرِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَلَالَةٌ لِأَهْلِ الْحَقِّ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ الثَّوَابَ وَالْجَنَّةَ بِطَاعَتِهِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وَنَحْوُهُمَا مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ يُدْخَلُ بِهَا الْجَنَّةُ ، فَلَا يُعَارِضُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ ، بَلْ مَعْنَى الْآيَاتِ : أَنَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ بِسَبَبِ الْأَعْمَالِ ، ثُمَّ التَّوْفِيقِ لِلْأَعْمَالِ وَالْهِدَايَةِ لِلْإِخْلَاصِ فِيهَا ، وَقَبُولِهَا بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَفَضْلِهِ ، فَيَصِحُّ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بِمُجَرَّدِ الْعَمَلِ . وَهُوَ مُرَادُ الْأَحَادِيثِ ، وَيَصِحُّ أَنَّهُ دَخَلَ بِالْأَعْمَالِ أَيْ بِسَبَبِهَا ، وَهِيَ مِنَ الرَّحْمَةِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَمَعْنَى ( يَتَغَمَّدُنِي بِرَحْمَتِهِ ) : يُلْبِسُنِيهَا وَيُغَمِّدُنِي بِهَا ، وَمِنْهُ أَغْمَدْتُ السَّيْفَ وَغَمَدْتُهُ إِذَا جَعَلْتُهُ فِي غِمْدِهِ وَسَتَرْتُهُ بِهِ . وَمَعْنَى ( سَدِّدُوا وَقَارِبُوا ) : اطْلُبُوا السَّدَادَ وَاعْمَلُوا بِهِ ، وَإِنَّ عَجَزْتُمْ عَنْهُ فَقَارِبُوهُ ، أَيْ : اقْرَبُوا مِنْهُ ، وَالسَّدَادُ : الصَّوَابُ ، وَهُوَ بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ ، فَلَا تَغْلُوا وَلَا تُقَصِّرُوا .

                                                                                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                الخدمات العلمية