الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                18 حدثنا يحيى بن أيوب حدثنا ابن علية حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال حدثنا من لقي الوفد الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من عبد القيس قال سعيد وذكر قتادة أبا نضرة عن أبي سعيد الخدري في حديثه هذا أن أناسا من عبد القيس قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا نبي الله إنا حي من ربيعة وبيننا وبينك كفار مضر ولا نقدر عليك إلا في أشهر الحرم فمرنا بأمر نأمر به من وراءنا وندخل به الجنة إذا نحن أخذنا به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان وأعطوا الخمس من الغنائم وأنهاكم عن أربع عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير قالوا يا نبي الله ما علمك بالنقير قال بلى جذع تنقرونه فتقذفون فيه من القطيعاء قال سعيد أو قال من التمر ثم تصبون فيه من الماء حتى إذا سكن غليانه شربتموه حتى إن أحدكم أو إن أحدهم ليضرب ابن عمه بالسيف قال وفي القوم رجل أصابته جراحة كذلك قال وكنت أخبؤها حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت ففيم نشرب يا رسول الله قال في أسقية الأدم التي يلاث على أفواهها قالوا يا رسول الله إن أرضنا كثيرة الجرذان ولا تبقى بها أسقية الأدم فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم وإن أكلتها الجرذان وإن أكلتها الجرذان وإن أكلتها الجرذان قال وقال نبي الله صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس إن فيك لخصلتين يحبهما الله الحلم والأناة حدثني محمد بن المثنى وابن بشار قالا حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة قال حدثني غير واحد لقي ذاك الوفد وذكر أبا نضرة عن أبي سعيد الخدري أن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل حديث ابن علية غير أن فيه وتذيفون فيه من القطيعاء أو التمر والماء ولم يقل قال سعيد أو قال من التمر [ ص: 156 ]

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                [ ص: 156 ] قوله : ( حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال حدثنا من لقي الوفد الذين قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عبد القيس قال سعيد وذكر قتادة أبا نضرة عن أبي سعيد الخدري ) معنى هذا الكلام أن قتادة حدث بهذا الحديث عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري كما جاء مبينا في الرواية التي بعد هذا من رواية ابن أبي عدي . وأما ( أبو عروبة ) بفتح العين فاسمه مهران . وهكذا يقوله أهل الحديث وغيرهم ( عروبة ) بغير ألف ولام . وقال ابن قتيبة في كتابه أدب الكاتب في باب ما تغير من أسماء الناس : هو ابن أبي العروبة بالألف واللام يعني أن قولهم : عروبة لحن . وذكره ابن قتيبة في كتابه ( المعارف ) كما ذكره غيره فقال سعيد بن أبي عروبة يكنى أبا النضر ، لا عقب له ، يقال : إنه لم يمس امرأة قط ، واختلط في آخر عمره وهذا الذي قاله من اختلاطه كذا قاله غيره ، واختلاطه مشهور . قال يحيى بن معين : وخلط سعيد بن أبي عروبة بعد هزيمة إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن سنة ثنتين وأربعين يعني ومائة ، ومن سمع منه بعد ذلك فليس بشيء . ويزيد بن هارون صحيح السماع منه بواسط .

                                                                                                                وأثبت الناس سماعا منه عبدة بن سليمان . قلت : وقد مات سعيد بن أبي عروبة سنة ست وخمسين ومائة ، وقيل سنة سبع وخمسين . وقد تقرر من القاعدة التي قدمناها أن من علمنا أنه روى عن المختلط في حال سلامته قبلنا روايته واحتججنا بها ، ومن روى في حال الاختلاط أو شككنا فيه لم نحتج بروايته . وقد قدمنا أيضا أن من كان من المختلطين محتجا به في الصحيحين فهو محمول على أنه ثبت أخذ ذلك عنه قبل الاختلاط . والله أعلم .

                                                                                                                وأما أبو نضرة بفتح النون وإسكان الضاد المعجمة فاسمه المنذر بن مالك بن قطعة بكسر القاف وإسكان الطاء العوقي بفتح العين والواو وبالقاف . هذا هو المشهور الذي قاله الجمهور . وحكى صاحب ( المطالع ) أن بعضهم سكن الواو من بطن من عبد القيس وهو بصري . والله أعلم .

                                                                                                                وأما ( أبو سعيد الخدري ) فاسمه سعد بن مالك بن سنان منسوب إلى بني خدرة وكان أبوه مالك - رضي الله عنه - صحابيا أيضا قتل يوم أحد شهيدا .

                                                                                                                قوله - صلى الله عليه وسلم - ( فتقذفون فيه من القطيعاء ) أما تقذفون فهو بتاء مثناة فوق مفتوحة ثم قاف ساكنة ثم [ ص: 157 ] ذال معجمة مكسورة ثم فاء ثم واو ثم نون كذا وقع في الأصول كلها في هذا الموضع الأول ومعناه تلقون فيه وترمون . وأما قوله في الرواية الأخرى وهي رواية محمد بن المثنى وابن بشار عن ابن أبي عدي : وتذيفون ( به من القطيعاء ) فليست فيها قاف وروي بالذال المعجمة وبالمهملة وهما لغتان فصيحتان وكلاهما بفتح التاء وهو من ذاف يذيف بالمعجمة كباع يبيع وداف يدوف بالمهملة كقال يقول ، وإهمال الدال أشهر في اللغة . وضبطه بعض رواة مسلم بضم التاء على رواية المهملة وعلى رواية المعجمة أيضا جعله من أذاف والمعروف فتحها من ذاف وأذاف ومعناه على الأوجه كلها خلط . والله أعلم .

                                                                                                                وأما القطيعاء فبضم القاف وفتح الطاء وبالمد وهو نوع من التمر صغار يقال له بالشين المعجمة والمهملة وبضمهما وبكسرهما .

                                                                                                                قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( حتى إن أحدكم أو إن أحدهم ليضرب ابن عمه بالسيف ) معناه إذا شرب هذا الشراب سكر فلم يبق له عقل ، وهاج به الشر ، فيضرب ابن عمه الذي هو عنده من أحب أحبابه . وهذه مفسدة عظيمة . ونبه بها على ما سواها من المفاسد . وقوله أحدكم أو أحدهم شك من الراوي . والله أعلم .

                                                                                                                ( وفي القوم رجل أصابته جراحة ) واسم هذا الرجل جهم وكانت الجراحة في ساقه .

                                                                                                                قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( في أسقية الأدم التي يلاث على أفواهها ) أما ( الأدم ) فبفتح الهمزة والدال جمع أديم وهو الجلد الذي تم دباغه . وأما ( يلاث على أفواهها ) فبضم المثناة من تحت وتخفيف اللام وآخره ثاء مثلثة . كذا ضبطناه ، وكذا هو في أكثر الأصول وفي أصل الحافظ أبي عامر العبدري ( تلاث ) بالمثناة فوق . وكلاهما صحيح . فمعنى الأول يلف الخيط على أفواهها ، ويربط به . ومعنى الثاني تلف الأسقية على أفواهها كما يقال ضربته على رأسه .

                                                                                                                قوله ( إن أرضنا كثيرة الجرذان ) كذا ضبطناه ( كثيرة ) بالهاء في آخره ووقع في كثير من الأصول ( كثير ) بغير هاء . قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح : صح في أصولنا كثير من غير تاء التأنيث والتقدير فيه على هذا أرضنا مكان كثير الجرذان . ومن نظائره قول الله عز وجل : إن رحمة الله قريب من المحسنين وأما ( الجرذان ) فبكسر الجيم وإسكان الراء وبالذال المعجمة جمع ( جرذ ) بضم الجيم وفتح الراء ، كنغر ونغران ، وصرد . والجرذ نوع من الفأر كذا قاله الجوهري وغيره . وقال الزبيدي في مختصر العين : هو الذكر من الفأر . وأطلق جماعة من شراح الحديث أنه الفأر .

                                                                                                                قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( وإن أكلتها الجرذان وإن أكلتها الجرذان وإن أكلتها الجرذان ) هكذا هو في [ ص: 158 ] الأصول مكرر ثلاث مرات .

                                                                                                                قوله : ( قالا ثنا ابن أبي عدي ) هو محمد بن إبراهيم وإبراهيم هو أبو عدي .




                                                                                                                الخدمات العلمية