[ ص: 330 ] قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=56ياعبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم .
قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=56يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة هذه الآية نزلت في تحريض المؤمنين الذين كانوا
بمكة على الهجرة - في قول
مقاتل والكلبي - فأخبرهم الله تعالى بسعة أرضه وأن
nindex.php?page=treesubj&link=26044_26064البقاء في بقعة على أذى الكفار ليس بصواب . بل الصواب أن يتلمس عبادة الله في أرضه مع صالحي عباده ; أي إن كنتم في ضيق من إظهار الإيمان بها فهاجروا إلى
المدينة فإنها واسعة ; لإظهار التوحيد بها . وقال
nindex.php?page=showalam&ids=13033ابن جبير nindex.php?page=showalam&ids=16568وعطاء : إن الأرض التي فيها الظلم والمنكر تترتب فيها هذه الآية وتلزم الهجرة عنها إلى بلد حق . وقاله
مالك . وقال
مجاهد :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=56إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا وقال
مطرف بن الشخير : المعنى : إن رحمتي واسعة . وعنه أيضا : إن رزقي لكم واسع فابتغوه في الأرض قال
nindex.php?page=showalam&ids=16004سفيان الثوري : إذا كنت بأرض غالية فانتقل إلى غيرها تملأ فيها جرابك خبزا بدرهم . وقيل : المعنى : إن أرضي التي هي أرض الجنة واسعة فاعبدون حتى أورثكموها .
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=56فإياي فاعبدون ( إياي ) منصوب بفعل مضمر ; أي فاعبدوا ، إياي فاعبدون ، فاستغنى بأحد الفعلين عن الثاني . والفاء في قوله : ( فإياي ) بمعنى الشرط أي إن ضاق بكم موضع فإياي فاعبدوني في غيره ; لأن أرضي واسعة .
قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=57كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون تقدم في ( آل عمران ) . وإنما ذكره هاهنا تحقيرا لأمر الدنيا ومخاوفها ; كأن بعض المؤمنين نظر في عاقبة تلحقه في خروجه من وطنه من
مكة أنه يموت أو يجوع أو نحو هذا ،
nindex.php?page=treesubj&link=29497فحقر الله شأن الدنيا ; أي أنتم لا محالة ميتون ومحشورون إلينا . فالبدار إلى طاعة الله والهجرة إليه وإلى ما يمتثل . ثم وعد المؤمنين العاملين بسكنى الجنة تحريضا منه تعالى ; وذكر الجزاء الذي ينالونه . ثم نعتهم بقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=59الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون . وقرأ
أبو عمرو ويعقوب والجحدري nindex.php?page=showalam&ids=12563وابن إسحاق وابن محيصن nindex.php?page=showalam&ids=13726والأعمش وحمزة nindex.php?page=showalam&ids=15080والكسائي وخلف : ( يا عبادي ) بإسكان الياء وفتحها الباقون . ( إن أرضي ) فتحها
ابن عامر وسكنها الباقون . وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
من فر بدينه من أرض إلى أرض ولو قيد شبر استوجب الجنة وكان رفيق محمد وإبراهيم عليهما السلام .
[ ص: 331 ] nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=57ثم إلينا ترجعون وقرأ
السلمي وأبو بكر عن
عاصم : ( يرجعون ) بالياء ; لقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=57كل نفس ذائقة الموت وقرأ الباقون بالتاء ; لقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=56يا عبادي الذين آمنوا وأنشد بعضهم :
الموت في كل حين ينشد الكفنا ونحن في غفلة عما يراد بنا لا تركنن إلى الدنيا وزهرتها
وإن توشحت من أثوابها الحسنا أين الأحبة والجيران ما فعلوا
أين الذين همو كانوا لها سكنا سقاهم الموت كأسا غير صافية
صيرهم تحت أطباق الثرى رهنا
قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=58والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا وقرأ
ابن مسعود nindex.php?page=showalam&ids=13726والأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة nindex.php?page=showalam&ids=15080والكسائي : ( لنثوينهم ) بالثاء مكان الباء من الثوي وهو الإقامة ; أي لنعطينهم غرفا يثوون فيها . وقرأ
رويس عن
يعقوب والجحدري والسلمي : ( ليبوئنهم ) بالياء مكان النون ، الباقون ( لنبوئنهم ) أي لننزلنهم ( غرفا ) جمع غرفة وهي العلية المشرفة . وفي صحيح
مسلم عن
سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
nindex.php?page=hadith&LINKID=832273إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم . قالوا : يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم ؟ قال : بلى ، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين . وخرج
الترمذي عن
علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
nindex.php?page=hadith&LINKID=832274إن في الجنة لغرفا يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها . فقام إليه أعرابي فقال : لمن هي يا رسول الله ؟ قال : هي لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى لله بالليل والناس نيام وقد زدنا هذا المعنى بيانا في كتاب ( التذكرة ) والحمد لله .
قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=60وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم أسند
الواحدي عن
nindex.php?page=showalam&ids=17376يزيد بن هارون قال : حدثنا
حجاج بن المنهال عن
الزهري - وهو عبد الرحمن بن عطاء - عن
عطاء عن
ابن عمر قال :
خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل بعض حيطان الأنصار فجعل يلتقط من الثمر ويأكل فقال : يا ابن عمر ما لك لا تأكل ؟ فقلت : لا أشتهيه يا رسول الله . فقال : لكني أشتهيه وهذه صبيحة رابعة لم أذق طعاما ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك [ ص: 332 ] كسرى وقيصر فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يخبئون رزق سنتهم ويضعف اليقين ؟ قال : والله ما برحنا حتى نزلت : nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=60وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم .
قلت : وهذا ضعيف يضعفه أنه عليه السلام كان يدخر لأهله قوت سنتهم ، اتفق
nindex.php?page=showalam&ids=12070البخاري عليه
ومسلم . وكانت الصحابة يفعلون ذلك وهم القدوة وأهل اليقين والأئمة لمن بعدهم من المتقين المتوكلين . وقد روى
ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمؤمنين بمكة حين آذاهم المشركون : اخرجوا إلى المدينة وهاجروا ولا تجاوروا الظلمة . قالوا : ليس لنا بها دار ولا عقار ولا من يطعمنا ولا من يسقينا . فنزلت : nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=60وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم أي ليس معها رزقها مدخرا وكذلك أنتم يرزقكم الله في دار الهجرة وهذا أشبه من القول الأول وتقدم الكلام في ( كأين ) و أن هذه ( أي ) دخلت عليها كاف التشبيه وصار فيها معنى كم ، والتقدير عند
الخليل nindex.php?page=showalam&ids=16076وسيبويه كالعدد أي كشيء كثير من العدد . ( من دابة ) قال
مجاهد : يعني الطير والبهائم تأكل بأفواهها ولا تحمل شيئا . الحسن : تأكل لوقتها ولا تدخر لغد . وقيل :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=60لا تحمل رزقها أي لا تقدر على رزقها ( الله يرزقها ) أينما توجهت وإياكم . وقيل : الحمل بمعنى الحمالة . وحكى
النقاش : أن المراد النبي صلى الله عليه وسلم يأكل ولا يدخر .
قلت : وليس بشيء ; لإطلاق لفظ الدابة وليس مستعملا في العرف إطلاقها على الآدمي فكيف على النبي صلى الله عليه وسلم . وقد مضى هذا في ( النمل ) عند قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=27&ayano=82وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم قال
ابن عباس : الدواب هو كل ما دب من الحيوان فكله لا يحمل رزقه ولا يدخر إلا ابن آدم والنمل والفأر . وعن بعضهم رأيت البلبل يحتكر في محضنه . ويقال للعقعق مخابئ إلا أنه ينساها
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=60الله يرزقها وإياكم يسوي بين
[ ص: 333 ] الحريص والمتوكل في رزقه وبين الراغب والقانع وبين الحيول والعاجز حتى
nindex.php?page=treesubj&link=28679_19648لا يغتر الجلد أنه مرزوق بجلده ولا يتصور العاجز أنه ممنوع بعجزه وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم :
nindex.php?page=hadith&LINKID=832275لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا وهو السميع لدعائكم وقولكم : لا نجد ما ننفق
بالمدينة العليم بما في قلوبكم .