الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًاوَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ الْيَتَامَى: جَمْعُ يَتِيمٍ وَيَتِيمَةٍ، وَالْيَتِيمُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: مَنْ فَقَدَ الْأَبَ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لَا يُتْمَ بَعْدَ بُلُوغٍ"، وَهُوَ فِي الْبَهِيمَةِ فَقْدُ الْأُمِّ فِي حَالِ الصِّغَرِ، وَحُكِيَ: الْيَتِيمُ فِي الْإِنْسَانِ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الْمُخَاطَبَةُ هِيَ لِمَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ مِنَ الْعَرَبِ أَلَّا يَرِثَ الصَّغِيرُ مِنَ الْأَوْلَادِ مَعَ الْكَبِيرِ، فَقِيلَ لَهُمْ: وَرِّثُوهُمْ أَمْوَالَهُمْ، وَلَا تَتْرُكُوا أَيُّهَا الْكِبَارُ حُظُوظَكُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَتَأْخُذُوا الْكُلَّ ظُلْمًا حَرَامًا خَبِيثًا، فَيَجِيءُ فِعْلُكُمْ ذَلِكَ تَبَدُّلًا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هَذِهِ الْمُخَاطَبَةُ هِيَ لِأَوْصِيَاءِ الْأَيْتَامِ، وَالْمَعْنَى: إِذَا بَلَغُوا وَأُونِسَ مِنْهُمُ الرُّشْدُ. وَسَمَّاهُمْ يَتَامَى وَهُمْ قَدْ بَلَغُوا اسْتِصْحَابًا لِلْحَالَةِ الْأُولَى الَّتِي قَدْ ثَبَتَتْ لَهُمْ مِنَ الْيُتْمِ. وَلَا تَتَبَدَّلُوا قِيلَ: الْمُرَادُ: مَا كَانَ بَعْضُهُمْ يَفْعَلُ مِنْ أَنْ يُبَدِّلَ الشَّاةَ السَّمِينَةَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ بِالْهَزِيلَةِ مِنْ مَالِهِ، وَالدِّرْهَمَ الطَّيِّبَ بِالزَّائِفِ مِنْ مَالِهِ، قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالزُّهْرِيُّ وَالسُّدِّيُّ وَالضَّحَّاكُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ خَبِيثًا، وَتَدْعُوا أَمْوَالَكُمْ طَيِّبًا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: لَا تَتَعَجَّلُوا أَكْلَ الْخَبِيثِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَتَدَّعُوا انْتِظَارَ الرِّزْقِ الْحَلَالِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَأَبُو صَالِحٍ. وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ: إِنَّمَا هُوَ هُنَا بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ أَنَّهُ قَرَأَ: "تَّبَدَّلُوا" بِإِدْغَامِ التَّاءِ، فِي التَّاءِ وَجَازَ فِي ذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا حَرْفُ مَدٍّ وَلِينٍ يُشْبِهُ الْحَرَكَةَ. وَقَوْلُهُ: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ اسْتَوَى الْأَيْتَامُ فِي النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ "أَمْوَالِهِمْ" ، كَانُوا وَرَثَةً مَمْنُوعِينَ مِنَ الْمِيرَاثِ وَمَحْجُورِينَ، وَالْآيَةُ نَصٌّ فِي قَصْدِ مَالِ الْيَتِيمِ بِالْأَكْلِ وَالتَّمَوُّلِ عَلَى جَمِيعِ وُجُوهِهِ. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: الْآيَةُ نَاهِيَةٌ عَنِ الْخَلْطِ فِي الْإِنْفَاقِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَخْلِطُ نَفَقَتَهَا بِنَفَقَةِ أَيْتَامِهَا فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ نَسَخَ مِنْهُ النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَقَالَ ابْنُ فُورَكٍ عَنِ الْحَسَنِ: إِنَّهُ تَأَوَّلَ النَّاسُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ النَّهْيَ عَنِ الْخَلْطِ فَاجْتَنَبُوهُ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ، فَخَفَّفَ عَنْهُمْ فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ: "إِلَى" بِمَعْنَى "مَعَ"، وَهَذَا غَيْرُ جَيِّدٍ. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ مَعَ أَمْوَالِكُمْ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَهَذَا تَقْرِيبٌ لِلْمَعْنَى، لَا أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْحَرْفَ بِمَعْنَى الْآخَرِ. وَقَالَ الْحُذَّاقُ: "إِلَى" هِيَ عَلَى بَابِهَا وَهِيَ تَتَضَمَّنُ الْإِضَافَةَ، التَّقْدِيرُ: لَا تُضِيفُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ فِي الْأَكْلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ أَيْ: مَنْ يَنْضَافُ إِلَى اللَّهِ فِي نُصْرَتِي؟. وَالضَّمِيرُ فِي: "إِنَّهُ" عَائِدٌ عَلَى الْأَكْلِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْفِعْلُ الظَّاهِرُ، وَالْحُوبُ: الْإِثْمُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَغَيْرُهُمَا، تَقُولُ: حَابَ الرَّجُلُ يَحُوبُ حُوبًا وَحَابًا إِذَا أَثِمَ، قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ الْأَسْكَرِ. وَإِنَّ مُهَاجِرَيْنِ تَكَنَّفَاهُ غَدَاةَ إِذٍ لَقَدْ خَطِئَا وَحَابَا وَقَرَأَ الْحَسَنُ: "حَوْبًا" بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَهِيَ لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، وَقِيلَ: هُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمَصْدَرُ وَبِضَمِّهَا الِاسْمُ. وَتَحَوَّبَ الرَّجُلُ إِذَا أَلْقَى الْحُوبَ عَنْ نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ تَحَنَّثَ وَتَأَثَّمَ وَتَحَرَّجَ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ بِخِلَافِ "تَفَعَّلَ" كُلِّهِ، لِأَنَّ تَفَعَّلَ مَعْنَاهُ: الدُّخُولُ فِي الشَّيْءِ كَتَعَبَّدَ وَتَكَسَّبَ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَيَلْحَقُ بِهَذِهِ الْأَرْبَعَةِ تَفَكَّهُونَ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ أَيْ: تَطْرَحُونَ الْفُكَاهَةَ عَنْ أَنْفُسِكُمْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أَيْ: يَقُولُونَ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: "كَبِيرًا" نَصٌّ عَلَى أَنَّ أَكْلَ مَالِ الْيَتِيمِ مِنَ الْكَبَائِرِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: خِفْتُمْ هُنَا بِمَعْنَى: أَيْقَنْتُمْ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ: : فَقُلْتُ لَهُمْ خَافُوا بِأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ ........................ وَمَا قَالَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَلَا يَكُونُ الْخَوْفُ بِمَعْنَى الْيَقِينِ بِوَجْهٍ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ أَفْعَالِ التَّوَقُّعِ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يَمِيلُ الظَّنُّ فِيهِ إِلَى إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ. وَأَمَّا أَنْ يَصِلَ إِلَى حَدِّ الْيَقِينِ فَلَا. وَ"تُقْسِطُوا" مَعْنَاهُ تَعْدِلُوا، يُقَالُ: أَقْسَطَ الرَّجُلُ إِذَا عَدَلَ، وَقَسَطَ إِذَا جَارَ، وَقَرَأَ ابْنُ وَثَّابٍ وَالنَّخْعِيُّ: "أَلَّا تَقْسِطُوا" بِفَتْحِ التَّاءِ مِنْ "قَسَطَ" عَلَى تَقْدِيرِ زِيَادَةِ "لَا" كَأَنَّهُ قَالَ: وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ تَجُورُوا. وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ; فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: نَزَلَتْ فِي أَوْلِيَاءِ الْيَتَامَى الَّذِينَ يُعْجِبُهُمْ جَمَالُ وَلِيَّاتِهِمْ، فَيُرِيدُونَ أَنْ يَبْخَسُوهُنَّ فِي الْمَهْرِ لِمَكَانِ وِلَايَتِهِمْ عَلَيْهِنَّ، فَقِيلَ لَهُمْ: أَقْسِطُوا فِي مُهُورِهِنَّ، فَمَنْ خَافَ أَلَّا يُقْسِطَ فَلْيَتَزَوَّجْ مَا طَابَ لَهُ مِنَ الْأَجْنَبِيَّاتِ اللَّوَاتِي يُكَايِسْنَ فِي حُقُوقِهِنَّ، وَقَالَهُ رَبِيعَةُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي قُرَيْشٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَتَزَوَّجُ الْعَشْرَ وَأَكْثَرَ وَأَقَلَّ، فَإِذَا ضَاقَ مَالُهُ مَالَ عَلَى مَالِ يَتِيمِهِ فَتَزَوَّجَ مِنْهُ، فَقِيلَ لَهُمْ: إِنْ خِفْتُمْ عَجْزَ أَمْوَالِكُمْ حَتَّى تَجُورُوا فِي الْيَتَامَى فَاقْتَصِرُوا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالسُّدِّيُّ وَقَتَادَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَتَحَرَّجُ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى، وَلَا تَتَحَرَّجُ فِي الْعَدْلِ بَيْنَ النِّسَاءِ، كَانُوا يَتَزَوَّجُونَ الْعَشْرَ وَأَكْثَرَ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ، أَيْ كَمَا تَخَافُونَ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى، ، فَكَذَلِكَ فَتَحَرَّجُوا فِي النِّسَاءِ، وَانْكِحُوا عَلَى هَذَا الْحَدِّ الَّذِي يَبْعُدُ الْجَوْرُ عَنْهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّمَا الْآيَةُ تَحْذِيرٌ مِنَ الزِّنَى وَزَجْرٌ عَنْهُ، أَيْ: كَمَا تَتَحَرَّجُونَ فِي مَالِ الْيَتَامَى فَكَذَلِكَ فَتَحَرَّجُوا مِنَ الزِّنَى، وَانْكِحُوا عَلَى مَا حَدَّ لَكُمْ. قَالَ الْحَسَنُ وَأَبُو مَالِكٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَا طَابَ مَعْنَاهُ: مَا حَلَّ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: لِأَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ مِنَ النِّسَاءِ كَثِيرٌ. وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ، "مَنْ طَابَ" عَلَى ذِكْرِ مَنْ يَعْقِلُ، وَحَكَى بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ "مَا" فِي هَذِهِ الْآيَةِ ظَرْفِيَّةٌ، أَيْ مَا دُمْتُمْ تَسْتَحْسِنُونَ النِّكَاحَ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَفِي هَذَا الْمَنْزَعِ ضَعْفٌ: وَقَالَ: "مَا" وَلَمْ يَقُلْ "مَنْ" لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ تَعْيِينَ مَنْ يَعْقِلُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّوْعَ الَّذِي هُوَ الطَّيِّبُ مِنْ جِهَةِ التَّحْلِيلِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَانْكِحُوا الطَّيِّبَ. وَهَذَا الْأَمْرُ بِالنِّكَاحِ هُوَ نَدْبٌ لِقَوْمٍ وَإِبَاحَةٌ لِآخَرِينَ بِحَسَبِ قَرَائِنِ الْمَرْءِ، وَالنِّكَاحُ فِي الْجُمْلَةِ وَالْأَغْلَبِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ". وَ"مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ": مَوْضِعُهَا مِنَ الْإِعْرَابِ نَصْبٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ مَا طَابَ، وَهِيَ نَكِرَاتٌ لَا تَنْصَرِفُ لِأَنَّهَا مَعْدُولَةٌ وَصِفَةٌ، كَذَا قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هِيَ مَعْدُولَةٌ فِي اللَّفْظِ وَفِي الْمَعْنَى، وَأَيْضًا فَإِنَّهَا مَعْدُولَةٌ وَجَمْعٌ، وَأَيْضًا فَإِنَّهَا مَعْدُولَةٌ مُؤَنَّثَةٌ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: هِيَ مَعَارِفُ لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا الْأَلِفُ وَاللَّامُ، وَخَطَّأَ الزَّجَّاجُ هَذَا الْقَوْلَ، وَهِيَ مَعْدُولَةٌ عَنِ اثْنَيْنِ وَثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعَةٍ، إِلَّا أَنَّهَا مُضَمَّنَةٌ تَكْرَارَ الْعَدَدِ إِلَى غَايَةِ الْمَعْدُودِ، وَأَنْشَدَ الزَّجَّاجُ لِشَاعِرٍ : وَلَكِنَّمَا أَهْلِي بِوَادٍ أَنِيسُهُ ذِئَابٌ تَبَغَّى النَّاسَ مَثْنَىً وَمَوْحَدُ فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وَوَاحِدًا وَاحِدًا، وَكَذَلِكَ قَوْلُكَ: جَاءَ الرِّجَالُ مَثْنَى وَثُلَاثَ، فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وَثَلَاثَةً ثَلَاثَةً. وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابَ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخْعِيُّ: "وَرُبَعَ" سَاقِطَةَ الْأَلِفِ، وَتِلْكَ لُغَةٌ مَقْصِدُهَا التَّخْفِيفُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: عَلَى لِسَانِ الضَّبِّ: لَا أَشْتَهِي أَنْ أَرِدَا إِلَّا عَرَادًا عَرِدَا وَصِلِيَّانًا بَرِدَا وَعَنْكَثًا مُلْتَبِدَا وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ قَالَ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُ: الْمَعْنَى أَلَّا تَعْدِلُوا فِي الْمَيْلِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْجِمَاعِ وَالْعِشْرَةِ بَيْنَ الْأَرْبَعِ أَوِ الثَّلَاثِ أَوِ الاثْنَتَيْنِ، وَيَتَوَجَّهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَنْ يَخَافُ أَنْ يُنْفِقَ مَالَ الْيَتَامَى فِي نِكَاحَاتِهِ، أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: أَلَّا تَعْدِلُوا فِي نِكَاحِ الْأَرْبَعِ وَالثَّلَاثِ حَتَّى تُنْفِقُوا فِيهِ أَمْوَالَ يَتَامَاكُمْ، أَيْ: فَتَزَوَّجُوا وَاحِدَةً بِأَمْوَالِكُمْ، أَوْ تَسَرَّوْا مِنْهَا. وَنُصِبَ "وَاحِدَةً" بِإِضْمَارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: فَانْكِحُوا وَاحِدَةً. وَقَرَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ وَالْحَسَنُ: "فَوَاحِدَةٌ" بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَتَقْدِيرُ الْخَبَرِ: فَوَاحِدَةٌ كَافِيَةٌ، أَوْ مَا أَشْبَهَهُ، وَرُوِيَتْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو. وَ"مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" يُرِيدُ بِهِ الْإِمَاءَ، وَالْمَعْنَى: إِنْ خَافَ أَلَّا يَعْدِلَ فِي عِشْرَةِ وَاحِدَةٍ فَمَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ. وَأَسْنَدَ الْمِلْكَ إِلَى الْيَمِينِ إِذْ هِيَ صِفَةُ مَدْحٍ، وَالْيَمِينُ مَخْصُوصَةٌ بِالْمَحَاسِنِ لِتَمَكُّنِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهَا الْمُنْفِقَةُ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ" وَهِيَ الْمُعَاهِدَةُ الْمُبَايِعَةُ، وَبِهَا سُمِّيَتِ الْأَلِيَّةُ يَمِينًا، وَهِيَ الْمُتَلَقِّيَةُ لِكِتَابِ النَّجَاةِ وَلِرَايَاتِ الْمَجْدِ وَقَدْ نَهَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ اسْتِعْمَالِهَا فِي الِاسْتِنْجَاءِ وَأَمَرَ الْمَرْءَ بِالْأَكْلِ بِهَا.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية