الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَجْلِسِ بَعْضِ الْأَنْصَارِ وَهُوَ عَلَى حِمَارٍ فَبَالَ الْحِمَارُ، فَأَمْسَكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِأَنْفِهِ وَقَالَ: خَلِّ سَبِيلَ حِمَارِكَ فَقَدَ آذَانَا نَتْنُهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ : وَاللَّهِ إِنَّ بَوْلَ حِمَارِهِ لَأَطْيَبُ مِنْ مِسْكِكَ وَرَوَى: حِمَارُهُ أَفْضَلُ مِنْكَ، وَبَوْلُ حِمَارِهِ أَطْيَبُ مِنْ مِسْكِكَ; وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَالَ الْخَوْضُ بَيْنَهُمَا حَتَّى اسْتَبَّا وَتَجَالَدَا ، وَجَاءَ قَوْمَاهُمَا وَهُمَا الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، فَتَجَالَدُوا بِالْعِصِيِّ، وَقِيلَ: بِالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ وَالسَّعَفِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ، وَنَزَلَتْ. وَعَنْ مُقَاتِلٍ : قَرَأَهَا عَلَيْهِمْ فَاصْطَلَحُوا. وَالْبَغْيُ: الِاسْتِطَالَةُ وَالظُّلْمُ وَإِبَاءُ الصُّلْحِ. وَالْفيءُ: الرُّجُوعُ، وَقَدْ سُمِّيَ بِهِ الظِّلُّ وَالْغَنِيمَةُ; لِأَنَّ الظِّلَّ يَرْجِعُ بَعْدَ نَسْخِ الشَّمْسِ، وَالْغَنِيمَةُ: مَا يَرْجِعُ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَعَنْ أَبِي عَمْرٍو : (حَتَّى تَفي) بِغَيْرِ هَمْزٍ; وَوَجْهُهُ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو خَفَّفَ الْأُولَى مِنَ الْهَمْزَتَيْنِ الْمُلْتَقِيَتَيْنِ فَلَطَفَتْ عَلَى الرَّاوِي تِلْكَ الْخِلْسَةُ فَظَنَّهُ قَدْ طَرَحَهَا. فَإِنْ قُلْتَ: مَا وَجْهُ قَوْلِهِ: "اقْتَتَلُواْ" وَالْقِيَاسُ اقْتَتَلَتَا، كَمَا قَرَأَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ : (اقْتَتَلَا) كَمَا قَرَأَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ عَلَى تَأْوِيلِ الرَّهْطَيْنِ أَوِ النَّفَرَيْنِ؟ قُلْتُ: هُوَ مِمَّا حُمِلَ عَلَى الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ; لِأَنَّ الطَّائِفَتَيْنِ في مَعْنَى الْقَوْمِ وَالنَّاسِ. وَفى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : (حَتَّى يَفيئُوا إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) فَإِنْ فَاءُوا فَخُذُوا بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ. وَحُكْمُ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ: وُجُوبُ قِتَالِهَا مَا قَاتَلَتْ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ : مَا وَجَدْتُ في نَفْسِي مِنْ شَيْءٍ مَا وَجَدْتُهُ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الْآيَةِ إِنْ لَمْ أُقَاتِلْ هَذِهِ الْفِئَةَ الْبَاغِيَةَ كَمَا أَمَرَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَهُ بَعْدَ أَنِ اعْتَزَلَ، فَإِذَا كَافَّتْ وَقَبَضَتْ عَنِ الْحَرْبِ أَيْدِيَهَا تُرِكَتْ، وَإِذَا تَوَلَّتْ عَمِلَ بِمَا رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ، هَلْ تَدْرِي كَيْفَ حُكْمُ اللَّهِ فيمَنْ بَغَى مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: لَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهَا، وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرُهَا، وَلَا يُطْلَبُ هَارِبُهَا وَلَا يُقْسِمُ فيؤُهَا" وَلَا تَخْلُوَا الْفِئَتَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ في اقْتِتَالِهِمَا: إِمَّا أَنْ يَقْتَتِلَا عَلَى سَبِيلِ الْبَغْيِ مِنْهُمَا جَمِيعًا، فَالْوَاجِبُ في ذَلِكَ أَنْ يَمْشِيَ بَيْنَهُمَا بِمَا يُصْلِحُ ذَاتَ الْبَيْنِ وَيُثْمِرُ الْمُكَافَّةَ وَالْمُوَادَعَةَ، فَإِنْ لَمْ تَتَحَاجَزَا وَلَمْ تَصْطَلِحَا وَأَقَامَتَا عَلَى الْبَغْيِ: صُيِّرَ إِلَى مُقَاتَلَتِهِمَا، وَإِمَّا أَنْ يَلْتَحِمَ بَيْنَهُمَا الْقِتَالُ لِشُبْهَةٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِمَا. وَكِلْتَاهُمَا عِنْدَ أَنْفُسِهِمَا مُحِقَّةٌ، فَالْوَاجِبُ إِزَالَةُ الشُّبْهَةِ بِالْحُجَجِ النَّيِّرَةِ وَالْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَةِ، وَإِطْلَاعُهُمَا عَلَى مَرَاشِدِ الْحَقِّ. فَإِنْ رَكِبَتَا مَتْنَ اللَّجَاجِ وَلَمْ تَعْمَلَا عَلَى شَاكِلَةِ مَا هُدِيَتَا إِلَيْهِ وَنَصَحَتَا مِنَ اتِّبَاعِ الْحَقِّ بَعْدَ وُضُوحِهِ لَهُمَا، فَقَدْ لَحِقَتَا بِالْفِئَتَيْنِ الْبَاغِيَتَيْنِ. وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ إِحْدَاهُمَا الْبَاغِيَةُ عَلَى الْأُخْرَى; فَالْوَاجِبُ أَنْ تَقَاتِلَ فِئَةٌ الْبَغْيَ إِلَى أَنْ تَكُفَّ وَتَتُوبَ، فَإِنْ فَعَلَتْ أَصْلَحَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمُبْغَى عَلَيْهَا بِالْقِسْطِ وَالْعَدْلِ، وَفى ذَلِكَ تَفَاصِيلٌ: إِنْ كَانَتِ الْبَاغِيَةُ مِنْ قِلَّةِ الْعَدَدِ بِحَيْثُ لَا مَنْعَةَ لَهَا: ضَمِنَتْ بَعْدَ الْفيئَةِ مَا جُنَّتْ، وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً ذَاتَ مَنْعَةٍ وَشَوْكَةٍ، لَمْ تَضْمَنْ إِلَّا عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ; فَإِنْ كَانَ يُفْتِي بِأَنَّ الضَّمَانَ يَلْزَمُهَا إِذَا فَاءَتْ. وَأَمَّا قَبْلَ التَّجَمُّعِ وَالتَّجَنُّدِ أَوْ حِينَ تَتَفَرَّقُ عِنْدَ وَضْعِ الْحَرْبِ أَوْزَارَهَا، فَمَا جَنَتْهُ ضَمَّنَتْهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ، فَمَحْمَلُ الْإِصْلَاحِ بِالْعَدْلِ في قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ عَلَى مَذْهَبِ مُحَمَّدٍ وَاضِحٌ مُنْطَبِقٌ عَلَى لَفْظِ التَّنْزِيلِ، وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ: وَجْهُهُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى كَوْنِ الْفِئَةِ قَلِيلَةَ الْعَدَدِ، وَالَّذِي ذَكَرُوا أَنَّ الْغَرَضَ إِمَاتَةُ الضَّغَائِنِ وَسَلُّ الْأَحْقَادِ دُونَ ضَمَانِ الْجِنَايَاتِ: لَيْسَ بِحَسَنِ الطِّبَاقِ لِلْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ أَعْمَالِ الْعَدْلِ وَمُرَاعَاةِ الْقِسْطِ. فَإِنْ قُلْتَ: فَلِمَ قَرَنَ بِالْإِصْلَاحِ الثَّانِي الْعَدْلَ دُونَ الْأَوَّلِ؟ قُلْتُ: لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالِاقْتِتَالِ في أَوَّلِ الْآيَةِ أَنْ يَقْتَتِلَا بَاغِيَتَيْنِ مَعًا أَوْ رَاكِبَتَيْ شُبْهَةٍ، وَأَيَّتُهُمَا كَانَتْ، فَالَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْخُذُوا بِهِ في شَأْنِهِمَا: إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَتَسْكِينُ الدَّهْمَاءِ بِإِرَادَةِ الْحَقِّ وَالْمَوَاعِظِ الشَّافيةِ، وَنَفى الشُّبْهَةِ، إِلَّا إِذَا أَصَرَّتَا، فَحِينَئِذٍ تَجِبُ الْمُقَاتَلَةُ. وَأَمَّا الضَّمَانُ فَلَا يَتَّجِهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذَا بَغَتْ إِحْدَاهُمَا; فَإِنَّ الضَّمَانَ مُتَّجِهٌ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ. "وَأَقْسِطُواْ" أَمَرَ بِاسْتِعْمَالِ الْقِسْطِ عَلَى طَرِيقِ الْعُمُومِ بَعْدَ مَا أَمَرَ بِهِ في إِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَالْقَوْلِ فيهِ مِثْلُهُ في الْأَمْرِ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ عَلَى عَقِبِ النَّهْيِ عَنِ التَّقْدِيمِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالْقِسْطِ بِالْفَتْحِ-: الْجَوْرُ مِنَ الْقِسْطِ: وَهُوَ اعْوِجَاجٌ في الرِّجْلَيْنِ. وَعُودٌ قَاسِطٌ: يَابِسٌ. وَأَقْسَطَتْهُ الرِّيَاحُ. وَأَمَّا الْقِسْطُ بِمَعْنَى الْعَدْلِ، فَالْفِعْلُ مِنْهُ: أَقْسَطَ، وَهَمْزَتُهُ لِلسَّلْبِ، أَيْ: أَزَالَ الْقِسْطَ وَهُوَ الْجَوْرُ.

                                                                                                                                                                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                الخدمات العلمية