الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَقُرِئَ: (وَالْهَدْيَ) (وَالْهُدَى) بِتَخْفيفِ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِهَا، وَهُوَ مَا يُهْدَى إِلَى الْكَعْبَةِ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ في صَدُّوكُمْ. أَيْ: صَدُّوكُمْ وَصَدُّوا الْهَدْيَ وَبِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، بِمَعْنَى: وَصَدُّوكُمْ عَنْ نَحْرِ الْهَدْيِ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ مَحْبُوسًا عَنْ أَنْ يُبَاعَ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى: وَصَدُّ الْهَدْيِ. وَمَحِلُّهُ: مَكَانُهُ الَّذِي يَحِلُّ فيهِ نَحْرُهُ، أَيْ يَجِبُ. وَهَذَا دَلِيلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ الْمُحْصَرَ مَحَلُّ هَدْيِهِ الْحَرَمُ. فَإِنْ قُلْتُ: فَكَيْفَ حَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ وَإِنَّمَا نُحِرَ هَدْيِهِمْ بِالْحُدَيْبِيَةِ؟ قُلْتُ: بَعْضُ الْحُدَيْبِيَةِ مِنَ الْحَرَمِ. وَرَوَى أَنَّ مَضَارِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ في الْحَلِّ، وَمُصَلَّاهُ في الْحَرَمِ. فَإِنْ قُلْتَ: فَإِذَنْ قَدْ نَحَرَ في الْحَرَمِ، فَلِمَ قِيلَ: مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ؟ قُلْتُ: الْمُرَادُ الْمَحَلُّ الْمَعْهُودُ وَهُوَ مِنِّي لَمْ تَعْلَمُوهُمْ صِفَةٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا. وَ أَنْ تَطَئُوهُمْ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْهُمْ أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ في تَعْلَمُوهُمْ. وَالْمَعَرَّةُ: مَفْعَلَةٌ، مِنْ عَرَّهُ بِمَعْنَى عُرَاهُ إِذَا دَهَاهُ مَا يَكْرَهُ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ. وَ بِغَيْرِ عِلْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَنْ تَطَئُوهُمْ، يَعْنِي: أَنْ تَطَئُوهُمْ غَيْرَ عَالِمِينَ بِهِمْ. وَالْوَطْءُ وَالدَّوْسُ: عِبَارَةٌ عَنِ الْإِيقَاعِ وَالْإِبَادَةِ. قَالَ [مِنَ الْكَامِلِ]: وَوَطِئْتَنَا وَطْأً عَلَى حَنَقٍ وَطْأَ الْمُقَيَّدِ نَابِتَ الْهَرْمِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَأَنَّ آخِرَ وَطْأَةٍ وَطِئَهَا اللَّهُ بِوَجٍّ" وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مُخْتَلِطُونَ بِالْمُشْرِكِينَ غَيْرَ مُتَمَيِّزِينَ مِنْهُمْ وَلَا مَعْرُوفى الْأَمَاكِنِ، فَقِيلَ: وَلَوْلَا كَرَاهَةُ أَنْ تُهْلِكُوا نَاسًا مُؤْمِنِينَ بَيْنَ ظَهَرَانِيِ الْمُشْرِكِينَ وَأَنْتُمْ غَيْرُ عَارِفينَ بِهِمْ، فَتُصِيبُكُمْ بِإِهْلَاكِهِمْ مَكْرُوهٌ وَمَشَقَّةٌ: لَمَّا كَفَّ أَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ، وَحَذَفَ جَوَابَ "لَوْلَا"; لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَوْ تَزَيَّلُوا كَالتَّكْرِيرِ لِلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ، لِمَرْجِعِهِمَا إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَيَكُونُ "لَعَذَّبْنَا" هُوَ الْجَوَابُ. فَإِنْ قُلْتَ: أَيُّ مَعَرَّةٍ تُصِيبُهُمْ إِذَا قَتَلُوهُمْ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. قُلْتُ: يُصِيبُهُمْ وُجُوبُ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ، وَسُوءُ قَالَةِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ فَعَلُوا بِأَهْلِ دِينِهِمْ مِثْلَ مَا فَعَلُوا بِنَا مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ، وَالْمَأْثَمُ إِذَا جَرَى مِنْهُمْ بَعْضُ التَّقْصِيرِ. فَإِنْ قُلْتَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ تَعْلِيلٌ لِمَاذَا؟ قُلْتُ: لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ وَسِيقَتْ لَهُ: مَنْ كَفِّ الْأَيْدِيِ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَالْمَنْعُ مِنْ قَتْلِهِمْ; صَوْنًا لِمَنْ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، كَأَنَّهُ قَالَ: كَانَ الْكَفُّ وَمَنْعُ التَّعْذِيبِ لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ، أَيْ: في تَوْفيقِهِ لِزِيَادَةِ الْخَيْرِ وَالطَّاعَةِ مُؤْمِنِيهِمْ ، أَوْ لِيُدْخِلَ في الْإِسْلَامِ مَنْ رَغِبَ فيهِ مِنْ مُشْرِكِيهِمْ لَوْ تَزَيَّلُوا لَوْ تَفَرَّقُوا وَتَمَيَّزَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ: مَنْ زَالَهُ يُزِيلُهُ. وَقُرِئَ: (لَوْ تَزَايَلُوا).

                                                                                                                                                                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                الخدمات العلمية