الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّدَقَةِ وَالزَّكَاةِ هَدْيُهُ فِي الزَّكَاةِ أَكْمَلُ هَدْيٍ ، فِي وَقْتِهَا وَقَدْرِهَا وَنِصَابِهَا وَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وَمَصْرِفِهَا . وَقَدْ رَاعَى فِيهَا مَصْلَحَةَ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ وَمَصْلَحَةَ الْمَسَاكِينِ ، وَجَعَلَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى طُهْرَةً لِلْمَالِ وَلِصَاحِبِهِ ، وَقَيَّدَ النِّعْمَةَ بِهَا عَلَى الْأَغْنِيَاءِ ، فَمَا زَالَتِ النِّعْمَةُ بِالْمَالِ عَلَى مَنْ أَدَّى زَكَاتَهُ ، بَلْ يَحْفَظُهُ عَلَيْهِ وَيُنَمِّيهِ لَهُ ، وَيَدْفَعُ عَنْهُ بِهَا الْآفَاتِ ، وَيَجْعَلُهَا سُورًا عَلَيْهِ وَحِصْنًا لَهُ وَحَارِسًا لَهُ . ثُمَّ إِنَّهُ جَعَلَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ مِنَ الْمَالِ ، وَهِيَ أَكْثَرُ الْأَمْوَالِ دَوَرَانًا بَيْنَ الْخَلْقِ ، وَحَاجَتُهُمْ إِلَيْهَا ضَرُورِيَّةٌ . أَحَدُهَا : الزَّرْعُ وَالثِّمَارُ . الثَّانِي : بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ : الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ . الثَّالِثُ : الْجَوْهَرَانِ اللَّذَانِ بِهِمَا قِوَامُ الْعَالَمِ ، وَهُمَا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ . الرَّابِعُ : أَمْوَالُ التِّجَارَةِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا . ثُمَّ إِنَّهُ أَوْجَبَهَا مَرَّةً كُلَّ عَامٍ ، وَجَعَلَ حَوْلَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ عِنْدَ كَمَالِهَا وَاسْتِوَائِهَا ، وَهَذَا أَعْدَلُ مَا يَكُونُ ، إِذْ وُجُوبُهَا كُلَّ شَهْرٍ أَوْ كُلَّ جُمُعَةٍ يُضِرُّ بِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ ، وَوُجُوبُهَا فِي الْعُمْرِ مَرَّةً مِمَّا يُضِرُّ بِالْمَسَاكِينِ ، فَلَمْ يَكُنْ أَعْدَلَ مِنْ وُجُوبِهَا كُلَّ عَامٍ مَرَّةً . ثُمَّ إِنَّهُ فَاوَتَ بَيْنَ مَقَادِيرِ الْوَاجِبِ بِحَسَبِ سَعْيِ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ فِي تَحْصِيلِهَا ، وَسُهُولَةِ ذَلِكَ وَمَشَقَّتِهِ ، فَأَوْجَبَ الْخُمُسَ فِيمَا صَادَفَهُ الْإِنْسَانُ مَجْمُوعًا مُحَصَّلًا مِنَ الْأَمْوَالِ وَهُوَ الرِّكَازُ . وَلَمْ يَعْتَبِرْ لَهُ حَوْلًا ، بَلْ أَوْجَبَ فِيهِ الْخُمُسَ مَتَى ظُفِرَ بِهِ . وَأَوْجَبَ نِصْفَهُ وَهُوَ الْعُشْرُ فِيمَا كَانَتْ مَشَقَّةُ تَحْصِيلِهِ وَتَعَبُهُ وَكُلْفَتُهُ فَوْقَ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ فِي الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ الَّتِي يُبَاشِرُ حَرْثَ أَرْضِهَا وَسَقْيَهَا وَبَذْرَهَا ، وَيَتَوَلَّى اللَّهُ سَقْيَهَا مِنْ عِنْدِهِ بِلَا كُلْفَةٍ مِنَ الْعَبْدِ ، وَلَا شِرَاءِ مَاءٍ ، وَلَا إِثَارَةِ بِئْرٍ وَدُولَابٍ . وَأَوْجَبَ نِصْفَ الْعُشْرِ فِيمَا تَوَلَّى الْعَبْدُ سَقْيَهُ بِالْكُلْفَةِ وَالدَّوَالِي وَالنَّوَاضِحِ وَغَيْرِهَا . وَأَوْجَبَ نِصْفَ ذَلِكَ وَهُوَ رُبُعُ الْعُشْرِ فِيمَا كَانَ النَّمَاءُ فِيهِ مَوْقُوفًا عَلَى عَمَلٍ مُتَّصِلٍ مِنْ رَبِّ الْمَالِ بِالضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ تَارَةً ، وَبِالْإِدَارَةِ تَارَةً ، وَبِالتَّرَبُّصِ تَارَةً ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ كُلْفَةَ هَذَا أَعْظَمُ مِنْ كُلْفَةِ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ نُمُوَّ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ أَظْهَرُ وَأَكْثَرُ مِنْ نُمُوِّ التِّجَارَةِ ، فَكَانَ وَاجِبُهَا أَكْثَرَ مِنْ وَاجِبِ التِّجَارَةِ ، وَظُهُورُ النُّمُوِّ فِيمَا يُسْقَى بِالسَّمَاءِ وَالْأَنْهَارِ أَكْثَرُ مِمَّا يُسْقَى بِالدَّوَالِي وَالنَّوَاضِحِ ، وَظُهُورُهُ فِيمَا وُجِدَ مُحَصَّلًا مَجْمُوعًا كَالْكَنْزِ ، أَكْثَرُ وَأَظْهَرُ مِنَ الْجَمِيعِ . ثُمّ إِنَّهُ لَمَّا كَانَ لَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ كُلُّ مَالٍ وَإِنْ قَلَّ ، جَعَلَ لِلْمَالِ الَّذِي تَحْتَمِلُهُ الْمُوَاسَاةُ نُصُبًا مُقَدَّرَةً الْمُوَاسَاةُ فِيهَا ، لَا تُجْحِفُ بِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ ، وَتَقَعُ مَوْقِعَهَا مِنَ الْمَسَاكِينِ ، فَجَعَلَ لِلْوَرِقِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ ، وَلِلذَّهَبِ عِشْرِينَ مِثْقَالًا ، وَلِلْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ ، وَهِيَ خَمْسَةُ أَحْمَالٍ مِنْ أَحْمَالِ إِبِلِ الْعَرَبِ ، وَلِلْغَنَمِ أَرْبَعِينَ شَاةً ، وَلِلْبَقَرِ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً ، وَلِلْإِبِلِ خَمْسًا ؛ لَكِنْ لَمَّا كَانَ نِصَابُهَا لَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ مِنْ جِنْسِهَا أَوْجَبَ فِيهَا شَاةً . فَإِذَا تَكَرَّرَتِ الْخَمْسُ خَمْسَ مَرَّاتٍ وَصَارَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ احْتَمَلَ نِصَابُهَا وَاحِدًا مِنْهَا فَكَانَ هُوَ الْوَاجِبُ . ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّا قَدَّرَ سِنَّ هَذَا الْوَاجِبِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ ، بِحَسَبِ كَثْرَةِ الْإِبِلِ وَقِلَّتِهَا مِنَ ابْنِ مَخَاضٍ ، وَبِنْتِ مَخَاضٍ ، وَفَوْقَهُ ابْنُ لَبُونٍ ، وَبِنْتُ لَبُونٍ ، وَفَوْقَهُ الْحِقُّ وَالْحِقَّةُ ، وَفَوْقَهُ الْجَذَعُ وَالْجَذَعَةُ ، وَكُلَّمَا كَثُرَتِ الْإِبِلُ زَادَ السِّنُّ إِلَى أَنْ يَصِلَ السِّنُّ إِلَى مُنْتَهَاهُ ، فَحِينَئِذٍ جَعَلَ زِيَادَةَ عَدَدِ الْوَاجِبِ فِي مُقَابَلَةِ زِيَادَةِ عَدَدِ الْمَالِ . فَاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أَنْ جَعَلَ فِي الْأَمْوَالِ قَدْرًا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ ، وَلَا يُجْحِفُ بِهَا ، وَيَكْفِي الْمَسَاكِينَ ، وَلَا يَحْتَاجُونَ مَعَهُ إِلَى شَيْءٍ ، فَفَرَضَ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ مَا يَكْفِي الْفُقَرَاءَ ، فَوَقَعَ الظُّلْمُ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ ، الْغَنِيُّ يَمْنَعُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ ، وَالْآخِذُ يَأْخُذُ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ ، فَتَوَلَّدَ مِنْ بَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ ، وَفَاقَةٌ شَدِيدَةٌ أَوْجَبَتْ لَهُمْ أَنْوَاعَ الْحِيَلِ وَالْإِلْحَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ ، وَالرَّبُّ سُبْحَانَهُ تَوَلَّى قَسْمَ الصَّدَقَةِ بِنَفْسِهِ وَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ ، يَجْمَعُهَا صِنْفَانِ مِنَ النَّاسِ . أَحَدُهُمَا : مَنْ يَأْخُذُ لِحَاجَةٍ فَيَأْخُذُ بِحَسَبِ شِدَّةِ الْحَاجَةِ وَضَعْفِهَا وَكَثْرَتِهَا وَقِلَّتِهَا ، وَهُمُ الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ ، وَفِي الرِّقَابِ ، وَابْنِ السَّبِيلِ . وَالثَّانِي : مَنْ يَأْخُذُ لِمَنْفَعَتِهِ وَهُمُ الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا ، وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ ، وَالْغَارِمُونَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ ، وَالْغُزَاةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْآخِذُ مُحْتَاجًا ، وَلَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَلَا سَهْمَ لَهُ فِي الزَّكَاةِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية