الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين

ابن القيم - أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

جزء صفحة
وَهُوَ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ . الدَّرَجَةُ الْأُولَى : الْأُنْسُ بِالشَّوَاهِدِ ، وَهُوَ اسْتِحْلَاءُ الذِّكْرِ . وَالتَّغَذِّي بِالسَّمَاعِ ، وَالْوُقُوفُ عَلَى الْإِشَارَاتِ . هَذِهِ اللَّفْظَةُ يُجْرُونَهَا فِي كَلَامِهِمْ - أَعْنِي لَفْظَةَ الشَّوَاهِدِ - وَمُرَادُهُمْ بِهَا أَمْرَانِ . أَحَدُهُمَا : الْحَقِيقَةُ . وَهِيَ مَا يَقُومُ بِقَلْبِ الْعَبْدِ ، حَتَّى كَأَنَّهُ يُشَاهِدُهُ وَيُبْصِرُهُ لِغَلَبَتِهِ عَلَيْهِ . فَكُلُّ مَا يَسْتَوْلِي عَلَى قَلْبِ صَاحِبِهِ ذَكَرَهُ : فَإِنَّهُ شَاهِدُهُ . فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ شَاهِدُهُ الْعَمَلَ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ شَاهِدُهُ الذِّكْرَ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ شَاهِدَهَ الْمَحَبَّةُ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ شَاهِدُهُ الْخَوْفَ . فَالْمُرِيدُ : يَأْنَسُ بِشَاهِدِهِ . وَيَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ . وَالثَّانِي : شَاهِدُ الْحَالِ . وَهُوَ الْأَثَرُ الَّذِي يَقُومُ بِهِ . وَيَظْهَرُ عَلَيْهِ مِنْ عَمَلِهِ ، وَسُلُوكِهِ وَحَالِهِ . فَإِنَّ شَاهِدَهُ لَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ . وَمُرَادُ صَاحِبِ " الْمَنَازِلِ " : الشَّاهِدُ الْأَوَّلِ . الَّذِي يَأْنَسُ بِهِ الْمُرِيدُ ، وَهُوَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى اسْتِحْلَاءِ الذِّكْرِ ، طَلَبًا لِظَفَرِهِ بِحُصُولِ الْمَذْكُورِ . فَهُوَ يَسْتَأْنِسُ بِالذِّكْرِ طَلَبًا لِاسْتِئْنَاسِهِ بِالْمَذْكُورِ ، وَيَتَغَذَّى بِالسَّمَاعِ كَمَا يَتَغَذَّى الْجِسْمُ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ . فَإِنْ كَانَ مُحِبًّا صَادِقًا ، طَالِبًا لِلَّهِ ، عَامِلًا عَلَى مَرْضَاتِهِ : كَانَ غِذَاؤُهُ بِالسَّمَاعِ الْقُرْآنِيِّ ، الَّذِي كَانَ غِذَاءَ سَادَاتِ الْعَارِفِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَأَبَرَّهَا قُلُوبًا ، وَأَصَحَّهَا أَحْوَالًا . وَهُمُ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَإِنْ كَانَ مُنْحَرِفًا فَاسِدَ الْحَالِ ، مَلْبُوسًا عَلَيْهِ ، مَغْرُورًا مَخْدُوعًا : كَانَ غِذَاؤُهُ بِالسَّمَاعِ الشَّيْطَانِيِّ . الَّذِي هُوَ قُرْآنُ الشَّيْطَانِ ، الْمُشْتَمِلُ عَلَى مَحَابِّ النُّفُوسِ ، وَلَذَّتِهَا وَحُظُوظِهَا . وَأَصْحَابُهُ : أَبْعَدُ الْخَلْقِ مِنَ اللَّهِ . وَأَغْلَظُهُمْ عَنْهُ حِجَابًا وَإِنْ كَثُرَتْ إِشَارَاتُهُمْ إِلَيْهِ . وَهَذَا السَّمَاعُ الْقُرْآنِيُّ سَمَاعُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ ، وَالِاسْتِقَامَةِ عَلَى صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ . وَيَحْصُلُ لِلْأَذْهَانِ الصَّافِيَةِ مِنْ مَعَانٍ وَإِشَارَاتٍ ، وَمَعَارِفَ وَعُلُومٍ . تَتَغَذَّى بِهَا الْقُلُوبُ الْمُشْرِقَةُ بِنُورِ الْأُنْسِ . فَيَجِدُ بِهَا وَلَهَا لَذَّةً رُوحَانِيَّةً . يَصِلُ نَعِيمُهَا إِلَى الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ . وَرُبَّمَا فَاضَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى الْأَجْسَامِ . فَيَجِدُ مِنَ اللَّذَّةِ مَا لَمْ يَعْهَدْ مِثْلَهُ مِنَ اللَّذَّاتِ الْحِسِّيَّةِ . وَلِلتَّغَذِّي بِالسَّمَاعِ سِرٌّ لِطَيْفٌ . نَذْكُرُهُ لِلُطْفِ مَوْضِعِهِ . وَهُوَ الَّذِي أَوْقَعَ كَثِيرًا مِنَ السَّالِكِينَ فِي إِيثَارِ سَمَاعِ الْأَبْيَاتِ . لِمَا رَأَى فِيهِ مِنْ غِذَاءِ الْقَلْبِ وَقُوَّتِهِ وَنَعِيمِهِ . فَلَوْ جِئْتَهُ بِأَلْفِ آيَةٍ وَأَلْفِ خَبَرٍ لِمَا أَعْطَاكَ شَطْرًا مِنْ إِصْغَائِهِ . وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُ أَعْظَمَ مِنَ الظَّوَاهِرِ الَّتِي يُعَارِضُ بِهَا الْفَلَاسِفَةُ وَأَرْبَابُ الْكَلَامِ . اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ لِلْقُلُوبِ نَوْعَيْنِ مِنَ الْغِذَاءِ : نَوْعًا مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ الْحِسِّيِّ . وَلِلْقَلْبِ مِنْهُ خُلَاصَتُهُ وَصَفْوُهُ ، وَلِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ بِحَسَبِ اسْتِعْدَادِهِ وَقَبُولِهِ . وَالثَّانِي : غِذَاءٌ رُوحَانِيٌّ مَعْنَوِيٌّ ، خَارِجٌ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ : مِنَ السُّرُورِ وَالْفَرَحِ ، وَالِابْتِهَاجِ وَاللَّذَّةِ . وَالْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ . وَبِهَذَا الْغِذَاءِ كَانَ سَمَاوِيًّا عُلْوِيًّا . وَبِالْغِذَاءِ الْمُشْتَرَكِ كَانَ أَرْضِيًّا سُفْلِيًّا . وَقِوَامُهُ بِهَذَيْنَ الْغِذَاءَيْنِ . وَلَهُ ارْتِبَاطٌ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ ، وَغِذَاءٌ يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْهَا . فَلَهُ ارْتِبَاطٌ بِحَاسَّةِ اللَّمْسِ . وَيَصِلُ إِلَيْهِ مِنْهَا غِذَاءٌ . وَكَذَلِكَ حَاسَّةُ الشَّمِّ . وَكَذَلِكَ حَاسَّةُ الذَّوْقِ . وَكَذَلِكَ ارْتِبَاطُهُ بِحَاسَّتَيِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ : أَشَدُّ مِنِ ارْتِبَاطِهِ بِغَيْرِهِمَا . وَوُصُولُ الْغِذَاءِ مِنْهُمَا إِلَيْهِ أَكْمَلُ ، وَأَقْوَى مِنْ سَائِرِ الْحَوَاسِّ . وَانْفِعَالُهُ عَنْهُمَا أَشَدُّ مِنِ انْفِعَالِهِ عَنْ غَيْرِهِمَا . وَلِهَذَا تَجِدُ فِي الْقُرْآنِ اقْتِرَانَهُ بِهِمَا أَكْثَرَ مِنِ اقْتِرَانِهِ بِغَيْرِهِمَا . بَلْ لَا يَكَادُ يُقْرَنُ إِلَّا بِهِمَا ، أَوْ بِإِحْدَاهُمَا . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَقَالَ تَعَالَى : وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ وَقَالَ تَعَالَى : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ . وَقَالَ تَعَالَى فِي صِفَةِ الْكُفَّارِ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ وَقَالَ تَعَالَى : أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ . وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا فِي الْقُرْآنِ . لِأَنَّ تَأَثُّرَهُ بِمَا يَرَاهُ وَيَسْمَعُهُ : أَعْظَمُ مِنْ تَأَثُّرِهِ بِمَا يَلْمَسُهُ وَيَذُوقُهُ وَيَشَمُّهُ . وَلِأَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ : هِيَ طُرُقُ الْعِلْمِ . وَهِيَ : السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْعَقْلُ . وَتَعَلُّقُ الْقَلْبِ بِالسَّمْعِ وَارْتِبَاطُهُ بِهِ : أَشَدُّ مِنْ تَعَلُّقِهِ بِالْبَصَرِ وَارْتِبَاطِهِ بِهِ . وَلِهَذَا يَتَأَثَّرُ بِمَا يَسْمَعُهُ مِنَ الْمَلْذُوذَاتِ أَعْظَمُ مِمَّا يَتَأَثَّرُ بِمَا يَرَاهُ مِنَ الْمُسْتَحْسَنَاتِ . وَكَذَلِكَ فِي الْمَكْرُوهَاتِ سَمَاعًا وَرُؤْيَةً . وَلِهَذَا كَانَ الصَّحِيحُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ : أَنَّ حَاسَّةَ السَّمْعِ أَفْضَلُ مِنْ حَاسَّةِ الْبَصَرِ لِشَدَّةِ تَعَلُّقِهَا بِالْقَلْبِ ، وَعِظَمِ حَاجَتِهِ إِلَيْهَا . وَتَوَقُّفِ كَمَالِهِ عَلَيْهَا . وَوُصُولِ الْعُلُومِ إِلَيْهِ بِهَا ، وَتَوَقُّفِ الْهُدَى عَلَى سَلَامَتِهَا . وَرَجَحَّتْ طَائِفَةٌ حَاسَّةَ الْبَصَرِ لِكَمَالِ مُدْرَكِهَا . وَامْتِنَاعِ الْكَذِبِ فِيهِ . وَزَوَالِ الرَّيْبِ وَالشَّكِّ بِهِ . وَلِأَنَّهُ عَيْنُ الْيَقِينِ . وَغَايَةُ مُدْرَكِ حَاسَّةِ السَّمْعِ عِلْمُ الْيَقِينِ . وَعَيْنُ الْيَقِينِ أَفْضَلُ ، وَأَكْمَلُ مِنْ عِلْمِ الْيَقِينِ . وَلِأَنَّ مُتَعَلِّقَهَا رُؤْيَةُ وَجْهِ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ فِي دَارِ النَّعِيمِ . وَلَا شَيْءَ أَعْلَى وَأَجَلَّ مِنْ هَذَا التَّعَلُّقِ . وَحَكَمَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ حُكْمًا حَسَنًا . فَقَالَ : الْمُدْرَكُ بِحَاسَّةِ السَّمْعِ أَعَمُّ وَأَشْمَلُ . وَالْمُدْرَكُ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ أَتَمُّ وَأَكْمَلُ . فَلِلسَّمْعِ الْعُمُومُ وَالشُّمُولُ ، وَالْإِحَاطَةُ بِالْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ ، وَالْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ ، وَالْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ ، وَلِلْبَصَرِ : التَّمَامُ وَالْكَمَالُ . وَإِذَا عَرَفَ هَذَا . فَهَذِهِ الْحَوَاسُّ الْخَمْسُ لَهَا أَشْبَاحٌ وَأَرْوَاحٌ ، وَأَرْوَاحُهَا حَظُّ الْقَلْبِ وَنَصِيبُهُ مِنْهَا . فَمِنَ النَّاسِ : مَنْ لَيْسَ لِقَلْبِهِ مِنْهَا نَصِيبٌ إِلَّا كَنَصِيبِ الْحَيَوَانَاتِ الْبَهِيمِيَّةِ مِنْهَا . فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهَا . وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهَا أَوَّلُ دَرَجَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ . وَلِهَذَا شَبَّهَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أُولَئِكَ بِالْأَنْعَامِ . بَلْ جَعَلَهُمْ أَضَلَّ . فَقَالَ تَعَالَى أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا وَلِهَذَا نَفَى اللَّهُ عَنِ الْكُفَّارِ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْعُقُولَ . إِمَّا لِعَدَمِ انْتِفَاعِهِمْ بِهَا . فَنُزِّلَتْ مَنْزِلَةَ الْمَعْدُومِ . وَإِمَّا لِأَنَّ النَّفْيَ تَوَجَّهَ إِلَى أَسْمَاعِ قُلُوبِهِمْ وَأَبْصَارِهَا ، وَإِدْرَاكِهَا . وَلِهَذَا يَظْهَرُ لَهُمْ ذَلِكَ عِنْدَ انْكِشَافِ حَقَائِقِ الْأُمُورِ . كَقَوْلِ أَصْحَابِ السَّعِيرِ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ وَمِنْهُ فِي أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ قَوْلُهُ تَعَالَى وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَنْظُرُونَ إِلَى صُورَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ ، وَلَا يُبْصِرُونَ صُورَةَ نُبُوَّتِهِ ، وَمَعْنَاهَا بِالْحَاسَّةِ الْبَاطِنَةِ ، الَّتِي هِيَ بَصَرُ الْقَلْبِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى الْأَصْنَامِ . ثُمَّ فِيهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ عَلَى التَّشْبِيهِ ، أَيْ كَأَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ . وَلَا أَبْصَارَ لَهُمْ يَرَوْنَكَ بِهَا . وَالثَّانِي : الْمُرَادُ بِهِ الْمُقَابَلَةُ . تَقُولُ الْعَرَبُ : دَارِي تَنْظُرُ دَارَكَ . أَيْ تُقَابِلُهَا . وَكَذَلِكَ السَّمْعُ ثَابِتٌ لَهُمْ . وَبِهِ قَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ . وَمُنْتَفٍ عَنْهُمْ . وَهُوَ سَمْعُ الْقَلْبِ . فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَ الْقُرْآنَ مِنْ حَيْثُ السَّمْعُ الْحِسِّيُّ الْمُشْتَرَكُ ، كَالْغَنَمِ الَّتِي لَا تَسْمَعُ إِلَّا نَعِيقَ الرَّاعِي بِهَا دُعَاءً وَنِدَاءً . وَلَمْ يَسْمَعُوهُ بِالرُّوحِ الْحَقِيقِيِّ ، الَّذِي هُوَ رُوحُ حَاسَّةِ السَّمْعِ ، الَّتِي هِيَ حَظُّ الْقَلْبِ . فَلَوْ سَمِعُوهُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ : لَحَصَلَتْ لَهُمُ الْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ ، الَّتِي مَنْشَؤُهَا مِنَ السَّمَاعِ الْمُتَّصِلِ أَثَرُهُ بِالْقَلْبِ . وَلَزَالَ عَنْهُمُ الصَّمَمُ وَالْبَكَمُ . وَلَأَنْقَذُوا نُفُوسَهُمْ مِنَ السَّعِيرِ بِمُفَارَقَةِ مَنْ عُدِمَ السَّمْعَ وَالْعَقْلَ . فَحُصُولُ السَّمْعِ الْحَقِيقِيِّ : مَبْدَأٌ لِظُهُورِ آثَارِ الْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ ، الَّتِي هِيَ أَكْمَلُ أَنْوَاعِ الْحَيَاةِ فِي هَذَا الْعَالَمِ . فَإِنَّ بِهَا يَحْصُلُ غِذَاءُ الْقَلْبِ وَيَعْتَدِلُ . فَتَتِمُّ قُوَّتُهُ وَحَيَاتُهُ ، وَسُرُورُهُ وَنَعِيمُهُ ، وَبَهْجَتُهُ . وَإِذَا فَقَدَ غِذَاءَهُ الصَّالِحَ : احْتَاجَ إِلَى أَنْ يَعْتَاضَ عَنْهُ بِغِذَاءٍ قَبِيحٍ خَبِيثٍ . وَإِذَا فَسَدَ غِذَاؤُهُ : خَبُثَ وَنَقَصَ مِنْ حَيَاتِهِ وَقُوَّتِهِ وَسُرُورِهِ وَنَعِيمِهِ بِحَسَبِ مَا فَسَدَ مِنْ غِذَائِهِ ، كَالْبَدَنِ إِذَا فَسَدَ غِذَاؤُهُ نَقَصَ . فَلَمَّا كَانَ تَعَلُّقُ السَّمْعِ الظَّاهِرِ الْحِسِّيَّ بِالْقَلْبِ أَشَدَّ ، وَالْمَسَافَةُ بَيْنَهُمَا أَقْرَبَ مِنَ الْمَسَافَةِ بَيْنَ الْبَصَرِ وَبَيْنَهُ . وَلِذَلِكَ يُؤَدِّي آثَارُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّمْعِ الظَّاهِرِ إِلَى الْقَلْبِ أَسْرَعَ مِمَّا يُؤَدِّي إِلَيْهِ آثَارُ الْبَصَرِ الظَّاهِرِ ، وَلِهَذَا رُبَّمَا غُشِيَ عَلَى الْإِنْسَانِ إِذَا سَمِعَ كَلَامًا يَسُرُّهُ أَوْ يَسُوءُهُ . أَوْ صَوْتًا لَذِيذًا طَيِّبًا مُطْرِبًا مُنَاسِبًا . وَلَا يَكَادُ يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ مِنْ رُؤْيَةِ الْأَشْيَاءِ الْمُسْتَحْسَنَةِ بِالْبَصَرِ الظَّاهِرِ . وَقَدْ يَكُونُ هَذَا الْمَسْمُوعُ شَدِيدَ التَّأْثِيرِ فِي الْقَلْبِ . وَلَا يَشْعُرُ بِهِ صَاحِبُهُ ، لِاشْتِعَالِهِ بِغَيْرِهِ ، وَلِمُبَايَنَةِ ظَاهِرِهِ لِبَاطِنِهِ ذَلِكَ الْوَقْتَ . فَإِذَا حَصَلَ لَهُ نَوْعُ تَجَرُّدٍ وَرِيَاضَةٍ : ظَهَرَتْ قُوَّةُ ذَلِكَ التَّأْثِيرِ وَالتَّأَثُّرِ . فَكُلَّمَا تَجَرَّدَتِ الرُّوحُ وَالْقَلْبُ ، وَانْقَطَعَتَا عَنْ عَلَائِقِ الْبَدَنِ ، كَانَ حَظُّهُمَا مِنْ ذَلِكَ السَّمَاعِ أَوْفَى ، وَتَأَثُّرُهُمَا بِهِ أَقْوَى . فَإِنْ كَانَ الْمَسْمُوعُ مَعْنًى شَرِيفًا بِصَوْتٍ لَذِيذٍ : حَصَلَ لِلْقَلْبِ حَظُّهُ وَنَصِيبُهُ مِنْ إِدْرَاكِ الْمَعْنَى ، وَابْتَهَجَ بِهِ أَتَمَّ ابْتِهَاجٍ عَلَى حَسَبِ إِدْرَاكِهِ لَهُ . وَلِلرُّوحِ حَظُّهَا وَنَصِيبُهَا مِنْ لَذَّةِ الصَّوْتِ وَنَغَمَتِهِ وَحُسْنِهِ . فَابْتَهَجَتْ بِهِ . فَتَتَضَاعَفُ اللَّذَّةُ . وَيَتِمُّ الِابْتِهَاجُ . وَيَحْصُلُ الِارْتِيَاحُ . حَتَّى رُبَّمَا فَاضَ عَلَى الْبَدَنِ وَالْجَوَارِحِ . وَعَلَى الْجَلِيسِ . وَهَذَا لَا يَحْصُلُ عَلَى الْكَمَالِ فِي هَذَا الْعَالَمِ . وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا عِنْدَ سَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ . فَإِذَا تَجَرَّدَتِ الرُّوحُ وَكَانَتْ مُسْتَعِدَّةً . وَبَاشَرَ الْقَلْبَ رُوحُ الْمَعْنَى . وَأَقْبَلَ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَى الْمَسْمُوعِ . فَأَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ . وَسَاعَدَهُ طِيبُ صَوْتِ الْقَارِئِ : كَادَ الْقَلْبُ يُفَارِقُ هَذَا الْعَالَمَ . وَيَلِجُ عَالَمًا آخَرَ . وَيَجِدُ لَهُ لَذَّةً وَحَالَةً لَا يَعْهَدُهَا فِي شَيْءٍ غَيْرِهِ أَلْبَتَّةَ . وَذَلِكَ رَقِيقَةٌ مِنْ حَالَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ . فَيَا لَهُ مِنْ غِذَاءٍ مَا أَصْلَحَهُ وَمَا أَنْفَعَهُ . وَحَرَامٌ عَلَى قَلْبٍ قَدْ تَرَبَّى عَلَى غِذَاءِ السَّمَاعِ الشَّيْطَانِيِّ : أَنْ يَجِدَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي سَمَاعِ الْقُرْآنِ . بَلْ إِنْ حَصَلَ لَهُ نَوْعُ لَذَّةٍ . فَهُوَ مِنْ قِبَلِ الصَّوْتِ الْمُشْتَرَكِ . لَا مِنْ قِبَلِ الْمَعْنَى الْخَاصِّ . وَلَيْسَ فِي نَعِيمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَعْلَى مِنْ رُؤْيَتِهِمْ وَجْهَ اللَّهِ مَحْبُوبِهِمْ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عِيَانًا ، وَسَمَاعِ كَلَامِهِ مِنْهُ . وَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ أَثَرًا - لَا يَحْضُرُنِي الْآنَ هَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ أَوْ مَرْفُوعٌ - إِذَا سَمِعَ النَّاسُ الْقُرْآنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ . فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ . وَإِذَا امْتَلَأَ الْقَلْبُ بِشَيْءٍ ، وَارْتَفَعَتِ الْمُبَايَنَةُ الشَّدِيدَةُ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ : أَدَّتِ الْأُذُنُ إِلَى الْقَلْبِ مِنَ الْمَسْمُوعِ مَا يُنَاسِبُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْمَسْمُوعُ . وَلَا قَصَدَهُ الْمُتَكَلِّمُ . وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْكَلَامِ الدَّالِّ عَلَى مَعْنًى . بَلْ قَدْ يَقَعُ فِي الْأَصْوَاتِ الْمُجَرَّدَةِ . قَالَ الْقُشَيْرِيُّ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيَّ يَقُولُ : دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عُثْمَانَ الْمَغْرِبِيِّ وَرَجُلٌ يَسْتَقِي الْمَاءَ مِنَ الْبِئْرِ عَلَى بَكَرَةٍ . فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَتَدْرِي إِيشُ تَقُولُ هَذِهِ الْبَكَرَةُ ؟ فَقُلْتُ : لَا ، فَقَالَ تَقُولُ : اللَّهُ اللَّهُ . وَمِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ . كَمَا سَمِعَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ مِنَ الْمُنَادِي : يَا سَعْتَرْ بَرِّي : اسْعَ تَرَ بِرِّي . وَهَذَا السَّمَاعُ الرَّوْحَانِيُّ تَبَعٌ لِحَقِيقَةِ الْقَلْبِ وَمَادَّتِهِ مِنْهُ ، فَالِاتِّحَادُ بِهِ يَظُنُّ بِهِ السَّامِعُ : أَنَّهُ أَدْرَكَ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَا مَحَالَةَ مِنَ الصَّوْتِ الْخَارِجِيِّ . وَسَبَبُ ذَلِكَ اتِّحَادُ السَّمْعِ بِالْقَلْبِ . وَأَكْمَلُ السَّمَاعِ : سَمَاعُ مَنْ يَسْمَعُ بِاللَّهِ مَا هُوَ مَسْمُوعٌ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ كَلَامُهُ . وَهُوَ سَمَاعُ الْمُحِبِّينَ الْمَحْبُوبِينَ . كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يُرْوَى عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ . وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ . فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ . وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ . وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا . وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا . فَبِي يَسْمَعُ . وَبِي يُبْصِرُ . وَبِي يَبْطِشُ . وَبِي يَمْشِي . وَالْقَلْبُ يَتَأَثَّرُ بِالسَّمَاعِ بِحَسَبِ مَا فِيهِ مِنَ الْمَحَبَّةِ . فَإِذَا امْتَلَأَ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَسَمْعِ كَلَامِ مَحْبُوبِهِ - أَيْ بِمُصَاحَبَتِهِ وَحُضُورِهِ فِي قَلْبِهِ - فَلَهُ مِنْ سَمَاعِهِ هَذَا شَأْنٌ . وَلِغَيْرِهِ شَأْنٌ آخَرُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية