الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أحببت شخصًا وعبرت له عن مشاعري ولكنه رفضني، فهل أخطأت بذلك؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لقد أحببتُ شخصًا من الجامعة، واستخرتُ اللهَ فرأيتُ رؤيا جيدةً، المهم أنني اعترفتُ للشخصِ على الهاتفِ برسالةٍ بحدودِ ربنا تمامًا ولم أطلبْ منه الدخولَ في علاقةٍ محرمةٍ، وهو رفضَ؛ لم يرفضني أنا، بل قال إنه ليس عنده وقت لهذه الأمورِ، لأكتشفَ بعدها أنه يحبُّ فتاةً!

ظننتُ في الفترةِ الأولى أنها أنا، والكثيرُ من الأمورِ والتصرفاتِ التي كان يقومُ بها جعلتني أفكرُ هكذا، المهم لم أكنْ متأكدةً، ورأيتُ أنه حقًّا متعبٌ ويريدُ أن يخطبَ هذه الفتاةَ، ولكن يبدو أنه لا يستطيعُ بسبب النقودِ أو دراستهِ، فأرسلتُ رسالةً محترمةً واحدةً وفيها حدودٌ، وأخبرتهُ أن يعتبرها رسالةً من أختٍ أشجعهُ فيها على الزواجِ من هذه الفتاةِ، ووضعتُ مشاعري جانبًا؛ لأنه كان يوجدُ احتمالٌ أيضًا أنه حقًّا يحبُّ فتاةً أخرى، وكان هدفي تمامًا أن أساعدهُ، ولكن لم أتلقَّ ردًّا منه، وبدلاً من الردِّ حظرني على موقعٍ آخرَ وليس على نفسِ المكانِ الذي أرسلتُ فيه الرسالةَ!

عندها أنا اكتفيتُ، وشعرتُ أن قيمتي نزلتْ، بالرغمِ من أن نيتي كانت صافيةً تمامًا، وأنا -يعلمُ اللهُ- أنني لا أرضى بعلاقةٍ غيرِ شرعيةٍ، ولكنني فقط لا أستطيعُ التعاملَ مع الغموضِ، وما بقلبي على لساني باحترامٍ، فأرسلتُ رسالةً أنني اكتفيتُ وتعبتُ، وأنه لو أخبرني من البدايةِ أنه يحبُّ فتاةً أخرى لما وصلتُ إلى هنا ولما ظننتُ أنها أنا، ولكنه لم يجبني أيضًا.

وتقاطعتْ طرقنا بسبب انتهاءِ الدوامِ، وهو سينتقلُ للدوامِ في المستشفى، وأنا سأبقى في الجامعةِ، وعندما تقاطعتْ طرقنا توقفَ عن وضع منشوراتٍ معادٍ نشرها عن الحبِّ، فظننتُ مجددًا أن التوقيتَ غريبٌ وكلَّ شيءٍ غريبٌ، فظننتُ أنه مجددًا يحبني أنا ولا يريدُ أن يخبرني، وأنه يبعدني لأنه لا يريدُ أن أنتظرهُ، فأرسلتُ رسالةً بشكلٍ غيرِ مباشرٍ لأقولَ له أنني لطالما أحببتهُ، وأنني سأكونُ دائمًا هنا لتشجيعهِ، ولكنه مجددًا حظر الحسابَ وبدأ إعادةَ نشرِ محتوىً عن الحبِّ.

أنا لا زلتُ لا أفهمُ ما الذي يحدثُ، وإن كنتُ أتخيلُ الأمورَ أم حقًّا توجدُ فتاةٌ أخرى، ولكن ما قررتهُ أنني لن أسعى وراء هذا، وما أريدُ أن أعلمهُ هل تخطيتُ حدودَ اللهِ؟ مع العلمِ أنني كنتُ أقرأُ سورةَ البقرةِ يوميًا، وأدعو اللهَ ألا يوقعني في الخطأِ، وأصلي في السَّحَرِ، فهل أنا أنزلتُ من قيمةِ نفسي؟ وكيف يجبُ أن أتعاملَ مع الأمرِ؟ بعدما يبدو أنني كنتُ لا شيءَ بالنسبة له، ولكنني ربما بالنسبة له استمررتُ بملاحقتهِ مع أني ما كنتُ ألاحقهُ إلا لإجابةٌ واضحةٌ فقط، لأعرفَ كيف أتصرفُ مع نفسي ومشاعري.

أشعرُ بالذنبِ والضيقِ وقلةِ القيمةِ.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ليان حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا- في الموقع، ونبشركِ بأن الذي يرفع قيمتكِ هو التوبة النصوح، والتوبة تجب ما قبلها، و«التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ».

والتوبة التي يقبلها الله -تبارك وتعالى- هي: التي يكون فيها إخلاصٌ لله، وصدقٌ معه؛ لأن توبة الكذابين هي أن يتوب اللسان، ويظل القلب متعلقًا بالمعصية، التوبة التي فيها ندمٌ، والتي فيها توقفٌ عن الخطأ، والتي فيها عزمٌ على عدم العودة إليه، ثم من علامات قبول التوبة الحسنات التي بعدها؛ فـ {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}.

نسأل الله -تبارك وتعالى- أن يوفقكِ، وأن يلهمكِ السداد والرشاد، ونحب أن نذكركِ بأنكِ فتاةٌ، والإسلام أراد للفتاة أن تكون مطلوبةً عزيزةً، لا طالبةً ذليلةً، وسيأتيكِ الرزق الذي قدَّره الله لكِ؛ هذا الشاب أو غير هذا الشاب، وما يُقدِّره الله لكِ ولنا خيرٌ مما نختاره لأنفسنا.

فاتركي الجري وراء السراب، واعلمي أن الله -تبارك وتعالى- يجعل في طريق كل فتاةٍ من يقدرها، ومن يحبها، ومن تلتقي روحه بروحها، و«الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ».

فلا تشغلي نفسكِ بمتابعة حساباته، وإذا قدَّر الله أن يأتي فعليه أن يأتي ويطرق الباب، بل ننصحكِ، لو حاول أن يتواصل معكِ، أن تدليه على محارمكِ وبيتكِ؛ حتى يأتي البيوت من أبوابها، ولا تُوقفي نفسكِ وتحصريها مع هذا الشاب؛ فالأخيار كُثرٌ، واسألي الله -تبارك وتعالى- التوفيق والسداد.

وأرجو أن تعلم بناتنا أن اهتمام الشاب بفتاةٍ، أو نظره إليها، أو تواصله معها، لا يعني أنه يحبها، بل قد يعني أنه مهتمٌ، أو أن هناك ما لفت نظره فيها، لكن مصيبة البنات -كما قال الشاعر-: "وَالْغَوَانِي يَغُرُّهُنَّ الثَّنَاءُ"، تظنُّ أي كلامٍ أنها المقصودة، وأي نظرةٍ أن الناظر معجبٌ بها، وهذا ما يحصل معكِ؛ عندما يتكلم عن الحب تظنين أن الحديث عنكِ.

والشاب أحيانًا قد يتكلَّم مع فتاةٍ، ولكنه ارتبط بغيرها، لكن أهله جهزوا له إحدى القريبات، لكنه قد لا يملك قراره، لكنه قد يوافق وأهله لا يوافقون.

فلذلك نحن ننصح أي فتاةٍ تشعر أن شابًا يميل إليها أو يحاول أن يتكلم معها، ألا تتجاوب معه، ولكن تدله على بيتها، وعلى أعمامها، وعلى أخوالها؛ حتى يأتي البيوت من أبوابها، وهذا يرفع قيمة الفتاة عند هذا الشاب، ويرفع قيمة الفتاة عند محارمها، ويجلب لها رضا الله -تبارك وتعالى-.

ما حصل كان فيه خطأٌ، لكن نبشركِ بأن التوبة تجب ما قبلها، فتوبي إلى الله توبةً نصوحًا، وأشغلي نفسكِ بالطاعات، واحشري نفسكِ في وسط الخيرات الفاضلات، واعلمي أنهن يبحثن عن أمثالكِ لإخوانهنَّ، أو لأعمامهنَّ، أو لأي محرمٍ من محارمهنَّ.

ونسأل الله أن يُقدِّر لكِ الخير، ثم يرضيكِ به، ونكرر دعوتنا لكِ بإيقاف هذا العبث، والإقبال على الله -تبارك وتعالى-، والالتزام بالسنن والآداب الشرعية والآثار الصحيحة، فحافظي على أذكار الصباح، وأذكار المساء، ولا تفعلي إلا الأمور التي ترضي الله تبارك وتعالى.

وإذا أشعركِ الشيطان بالذنب، فجددِي التوبة، وإذا جاءكِ الضيق، فرددي: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}، ولا تستجيبي إذا قال لكِ الشيطان "إنكِ قليلة القيمة"؛ فأنتِ ترتفع قيمتكِ بتوبتكِ إلى الله، وبصدقكِ معه، ونسأل الله لنا ولكِ التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً