الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

نحب بعضنا ونريد الزواج...لكن ماضي العلاقة يجعلني مترددًا

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تعرّفتُ على فتاة كانت على علاقة بشخص أعرفه، وكان متزوجًا ويخدعها، فتدخلتُ بينهما وأوقفتُ العلاقة، ثم ارتبطتُ بالفتاة، وهي يتيمة الأم، واستمرت علاقتنا خمس سنوات.

دخل الشيطان بيننا، ومارستُ معها العلاقة من غير زواج، وكلما حاولتُ أن أتركها كان فراقها يؤلمني، فتركتها سنة كاملة، ثم عدتُ إليها في الأشهر الأخيرة.

كانت الفتاة على وشك الزواج، ولم تكن ستخبرني بذلك، فاكتشفتُ الأمر، لكنها لم تتوفق في الزواج، فحزنتُ كثيرًا عندما سمعتُ الخبر، وطلبتُ من الله المغفرة والفرج، فرأيتُ في المنام أنها تعود إليَّ مطمئنة، وتخبرني بالتفصيل بأن الرجل الذي أراد الزواج منها لم يكن صالحًا وكان خائنًا، ثم أخبرتُها بما رأيتُ، فوجدتُ أن ما حدث كان قريبًا ممَّا رأيته في المنام.

بعد ذلك عدنا إلى علاقتنا، ثم لم نلتقِ مدة سنة، وتبنا إلى الله، وقررنا الزواج بعد هذه المعاناة، لكن مشكلتي أنني ما زلتُ مترددًا بسبب ماضيها، مع أنها تحبني وأحبها كثيرًا.

كما أن زوجة والدها لا تحبها وتظلمها، وهذا الأمر يجرحني ولا أقبله، وأرغب في إنقاذها، لكنني متردد في الزواج منها، فقد كنا نرغب في الالتقاء مرات كثيرة، إلَّا أن ذلك لم يتيسر لنا، وكانت هناك إشارات واضحة تدل على عدم الدخول في المعصية.

أنا أخاف الله، وأريد رضاه في هذه المسألة، وأنا شاب تائب، أحب الله، وأصلي وأصوم، ولا أريد أن أذنب، وهي تقول إنها تصلي وتائبة إلى الله.

أسئلتي:
▪ هل يجب عليَّ أن أتركها؟ وهل يجوز لي ذلك؟
▪ هل آثم إذا تركتها وانكسر قلبها؟
▪ هل يجوز لي الزواج منها بعد توبتنا؟

أرجو النصح والفتوى.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ سائل حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -ابننا الفاضل- في الموقع، ونشكرك على اهتمامك وحرصك على السؤال، ونحيي هذه المشاعر النبيلة التي دفعتك إلى الكتابة إلينا، وننبهك إلى أهمية أن تبدأ مسيرة التصحيح بتوبة نصوح إلى الله، ونبشرك بأن التوبة تجب ما قبلها، قال النبي ﷺ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ».

وشرط النجاح في هذه العلاقة وغيرها أن يتوب الإنسان عن ماضيه وما كان فيه مما يغضب الله تعالى، ثم يكثر بعد التوبة من الحسنات الماحية، قال الله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}.

والتوبة التي نقصدها ليست مجرد كلمات يرددها الإنسان، فتلك توبة الكاذبين، بأن يتوب اللسان، ويبقى القلب متعلقًا بالمعصية، أمَّا التوبة النصوح التي نريدها، فعمادها الإخلاص لله تعالى، والصدق معه، وترك المعصية، والندم على ما حصل، والعزم على عدم العودة إلى المخالفة، والإكثار من الحسنات الماحية، والتخلص من وسائل المعصية وكل ما يعين عليها، من رسائل إلكترونية وأرقام وغيرها.

فإذا تاب الإنسان؛ فلا مانع من أن يؤسس علاقة صحيحة، ومن خير من يعينك على الطاعة والخير فتاة كانت يومًا شريكة لك في الإثم والمخالفة؛ ولذلك نميل إلى أن تتوب أنت، وتتوب الفتاة، ثم تطرق باب أهلها، وتأتي البيوت من أبوابها، وتقيم علاقة شرعية صحيحة، تكون نيتك فيها الستر على نفسك وعليها.

والمؤمن مطالب بالستر على نفسه وعلى غيره، وإذا ذكّرك الشيطان بما حصل من نقص، فتذكر النقص الذي عندك، وتذكر أنك كنت شريكًا في ذلك، مع أننا نشكر لك بعض المواقف التي تستحق الشكر.

وينبغي للإنسان أن يتعامل مع بنات الناس كما يحب أن يتعامل الناس مع أخواته وعماته وخالاته وبناته في المستقبل، فالمؤمن يحب لإخوانه ما يحب لنفسه، ويكره لإخوانه من أهل الإيمان ما يكرهه لنفسه.

وإذا كنت تكره أن يفعل أحد ذلك بأخواتك، بأن يجعل الفتاة تتعلق به، ثم يريد أن يتركها، فمثلُ هذا لا يرضاه أحدٌ منَّا لأمِّه، ولا لأخته، ولا لبنته، ولا لعمَّته، ولا لخالته، ونقول له كما قال النبيُّ ﷺ للفتى الذي استأذنه في المعصية: «أَتَرْضَاهُ لِأُمِّكَ؟... أَتَرْضَاهُ لِأُخْتِكَ؟... أَتَرْضَاهُ لِعَمَّتِكَ؟... أَتَرْضَاهُ لِخَالَتِكَ؟»، فكما لا ترضاه لأقرب الناس إليكَ، فكذلك الناس لا يرضونه لأهاليهم وأقربائهم.

ولذلك نحن ندعوك إلى أن تتوب، وأن تتوب تلك الفتاة أيضًا إلى الله تعالى، ثم تتوقف العلاقة السابقة بينكما، لتستأنفا بعد ذلك علاقة جديدة قائمة على التوبة النصوح، وتكون معلنة، ونيتها الارتباط والزواج.

وبعد ذلك، إذا جاء الشيطان ليذكّركم بما كان، فذكّروه بأن التوبة تجب ما قبلها؛ وهذا ممَّا يغيظ عدونا الشيطان، الذي يُشجِّع على المعصية، والعجيب أن الشيطان الذي جمعهم على المعصية هو نفسه الذي يأتي ليخوفهم من الحلال، وكما قيل: «الْحُبُّ مِنَ اللَّهِ، وَالْبُغْضُ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ يُرِيدُ أَنْ يُبَغِّضَ إِلَيْكُم مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ»، ومخالفة الشيطان لا تتحقق إلا بطاعة الرحمن، فلا مانع من الدخول في علاقة شرعية بعد أن يتوب الشاب وتتوب الفتاة.

ونسأل الله أن يجمع بينكما في الخير، وأن يُقدِّر لك الخير ثم يرضيك به، ومن تاب تاب الله عليه، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً