الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

متردد بين الإقدام على الزواج وإكمال الماجستير، فما نصيحتكم لي؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جزى الله كل القائمين على الموقع خيرًا.

أبلغ من العمر (32) عامًا، وأعمل حاليًا حارس أمن خاصًا لمدة (12) ساعة يوميًا في الفترة الليلية، وقد أعلنت الحكومة أنه مع دخول العام المقبل ستُقلَّص ساعات عمل حراس الأمن إلى (8) ساعات.

وخلال الأشهر الستة الأولى من عملي استطعت أن أجمع مليونًا ونصف المليون، بينما تبلغ تكلفة دراسة الماجستير المستمر في بلدنا حوالي (5.7) ملايين.

ومشكلتي أن لدي شهوةً قوية، وأرغب في إعفاف نفسي والابتعاد عن العادة السرية ومشاهدة المواد الإباحية، فأنا أحرص كثيرًا على تركها، لكنني في النهاية أقع فيها.

وفي الوقت نفسه أرى أن عملي الحالي غير مؤهل لتكوين أسرة، فأنا أسكن مع والديَّ، وأخشى أنه إذا توفاهما الله أصبحت غير قادر على استئجار مسكن، وسأجد صعوبة في تدبير أمور المعيشة، وإن تزوجت الآن فلن أستطيع جمع المال اللازم لدراسة الماجستير.

وقد فكرت في أن أتزوج امرأةً عاملة، ونتفق على أن تواصل عملها حتى أنهي دراسة الماجستير، وأجد عملًا أكثر استقرارًا، ثم تجلس في البيت بعد ذلك، وأن نفكر في تأجيل الإنجاب إلى ما بعد تحسن أوضاعنا.

والمشكلة أيضًا أنني أتناول دواء "كويتيابين" بجرعة (400 ملغ)، و"أولانزابين" بجرعة (10 ملغ)، بسبب إصابتي بالفصام الوجداني، وهذه الأدوية تزيد من شعوري بالنعاس، حتى إنني أنام نحو (9) ساعات يوميًا، فأصبح معظم يومي بين النوم والعمل.

أنا محتار: هل الأولى أن أقدم على الزواج، أم أركز على دراسة الماجستير، أم أحاول الجمع بين الأمرين؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضلة/ Younes حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك أخي الكريم في موقعك إسلام ويب، وردًّا على استشارتك أقول مستعينًا بالله تعالى: أسأل الله تعالى أن يعينك، ويوفقك، ويرزقك العفة، وقد قرأت استشارتك بتمعن، ومن الخطأ النظر إلى المسألة على أنها: زواج أم ماجستير؟ بل السؤال الأهم هو: ما الأولوية التي تحقق مصلحتك الدينية والنفسية والمعيشية، على المدى القريب والبعيد؟

سأرد على استشارتك من خلال ما يأتي:

أولًا: ينبغي أن تشكر الله على يقظة ضميرك، أنت لا تبحث عن الزواج لمجرد تقليد الناس، وإنما لأنك تعاني من صراع حقيقي مع الشهوة والإباحية، وتسعى إلى طريق يعفك عن الحرام، وأفضل طريق لذلك الاستعفاف والبعد عن الحرام، كما قال الله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [النور: 33].

لا تجعل كثرة السقوط سببًا للقنوط، بل اجعلها دافعًا لمزيد من المجاهدة والتوبة، قال الله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]، وقال: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].

ثانيًا: الزواج علاج مهم للشهوة، لكنه ليس العلاج الوحيد، يقول نبينا الكريم ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»، فهذا الحديث ربط أمر الزواج بالاستطاعة، والاستطاعة لا تعني الثراء، لكنها تعني القدرة المعقولة على تحمل أعباء الزواج النفسية والمالية والصحية، ولذلك لا يكفي أن تقول: "أشتهي الزواج"، بل ينبغي أن تسأل: "هل أستطيع القيام بحقوقه الأساسية؟"

ثالثًا: مرضك واستقرارك العلاجي عنصر أساسي في القرار، فقد ذكرت أنك مصاب بالفصام الوجداني، وتتناول "الكويتيابين" "Quetiapine" و"الأولانزابين" "Olanzapine"، وتنام نحو تسع ساعات يوميًا بسبب تأثير العلاج، فهذه ليست معلومة جانبية، بل هي من أهم المعطيات في الاستشارة؛ فنجاح الزواج يحتاج إلى قدر من الاستقرار النفسي والقدرة على تحمل المسؤولية، ومن المهم أن تسأل طبيبك المعالج بوضوح:
• هل حالتي مستقرة حاليًا؟
• هل أستطيع تحمل مسؤوليات الزواج؟
• هل النعاس الشديد يمكن تخفيفه؟
• ما توقعات الحالة خلال السنوات القادمة؟

ولا ينبغي اتخاذ قرار مصيري قبل معرفة الإجابة الطبية عن هذه الأسئلة.

رابعًا: الصدق مع المخطوبة واجب شرعي، إذا اتجهت إلى الزواج، فمن الأمانة الشرعية ألا تُخفي حالتك المرضية عمن ستتزوجها، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119]، وقال النبي ﷺ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، ولا يلزم ذكر التفاصيل الطبية الدقيقة، لكن ينبغي أن تكون الزوجة وأهلها على علم بالحالة الصحية المؤثرة في الحياة الزوجية، حتى يكون القرار مبنيًّا على وضوح ورضا.

خامسًا: الماجستير استثمار مهم، لكنه ليس مضمون النتائج، ومن الجيد أن تطمح إلى تحسين وضعك المهني والعلمي، فالإسلام يحث على الأخذ بالأسباب النافعة، وقد قال الله تعالى: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]، لكن ينبغي أن تدرك أن الحصول على الماجستير لا يضمن بالضرورة وظيفة أفضل أو دخلًا أعلى، وإن كان يزيد فرص ذلك غالبًا، ولذلك فلا تجعل حياتك كلها معلقة على احتمال مستقبلي غير مضمون.

سادسًا: هل الأفضل الزواج أم الماجستير؟ لو تأملت حالتك الحالية، فستجد ما يأتي:
• عمرك 32 سنة.
• لديك شهوة قوية ومتكررة.
• تعاني من الوقوع في الإباحية.
• لديك عمل يوفر دخلًا، وإن كان محدودًا.
• لديك رغبة في تطوير نفسك علميًا.
• لديك مرض يحتاج إلى استقرار ومتابعة.

في مثل هذه الظروف، لا أرى أن تؤجل الزواج سنوات طويلة حتى تنتهي من الماجستير، وتجد الوظيفة المثالية والسكن المثالي؛ لأن هذه الشروط قد لا تكتمل قريبًا.

وفي الوقت نفسه، لا أرى أن تتزوج غدًا دون خطة مالية وصحية واضحة، والأقرب إلى التوازن أن تجعل هدفك خلال السنة القادمة هو: تثبيت الاستقرار الصحي، ومتابعة العلاج، والاستمرار في الادخار، والتقديم للماجستير إن تيسر، والبحث الجاد عن زوجة صالحة متفهمة لوضعك، ووضع ميزانية واقعية للحياة الزوجية، فإن تيسر الزواج خلال هذه المرحلة، فامضِ فيه، ولا تجعل الماجستير سببًا لتأخير الزواج تأخيرًا مفتوحًا.

سابعًا: لا تبالغ في الخوف من الفقر.

اعمل بالأسباب، وتوكل على الله سبحانه، ولا تبالغ في الخوف من المستقبل، وكن متفائلًا محسنًا الظن بالله سبحانه، مستعيذًا بالله من الشيطان الرجيم في حال توارد مثل تلك المخاوف؛ فإن الشيطان يعد بالفقر ويخوف من أمر المستقبل، كما قال تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا} [البقرة: 268].

ووعد الله سبحانه أصدق، فقد وعد من تزوج وهو فقير أن يغنيه من فضله، فقال سبحانه: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ ... إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [النور: 32]، فهذه الآية ليست وعدًا بأن كل متزوج سيصبح غنيًا فورًا، لكنها تبعث على حسن الظن بالله، وعدم جعل الخوف من الرزق مانعًا دائمًا من الزواج.

أسأل الله أن يحفظ عليك دينك وصحتك، وأن يرزقك زوجة صالحة، وعلمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا مباركًا.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً