الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تطلقت مرتين، وما زلت أدعو بالزواج، فهل دعائي اعتراض؟

السؤال

السلام عليكم.

أنا مطلقة منذ فترة طويلة، ولدي طفل يبلغ الآن ١٠ سنوات، وتزوجت للمرة الثانية، وتم الطلاق مرة أخرى، وكنت أدعو الله منذ الزواج الأول بأن أتزوج مرة أخرى، وبعد أن حدث الطلاق للمرة الثانية أصبحت أدعو الله أن يرزقني بالزواج للمرة الثالثة، فهل هذه الدعوة تعني عدم الرضا بالحال؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مريم حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -أختنا الكريمة- في موقع إسلام ويب، وردًّا على استشارتك أقول، مستعينًا بالله تعالى:

حصول الطلاق أكثر من مرة أمرٌ مقدَّرٌ عليكِ من قبل أن تُخلقي، يقول ربنا سبحانه: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)، وقال -عليه الصلاة والسلام-: (قدَّر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)، ولما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: (اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة)، وقال -عليه الصلاة والسلام-: (كل شيء بقضاء وقدر، حتى العجز والكيس)، والكيس: الفطنة.

الدعاء يرد القضاء بإذن الله، يقول -عليه الصلاة والسلام-: (لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر)، ويقول: (الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة)، وذلك لا يخرج عن علم الله؛ فالله تعالى يقدِّر على العبد أنه سيحصل له كذا، ولكنه سيمكنه من الدعاء، فلن يحصل له ذلك الأمر، بل سيحصل له الأمر الفلاني، ففي الحديث: (وقني شر ما قضيت)، فلو لم يكن الدعاء نافعًا في رد ما قضاه الله من الشر، لما كان لهذا الدعاء معنى، ولصار نوعًا من الاعتداء في الدعاء.

وقد لا يمكن الله العبد من الدعاء، فيحصل له الأمر المقدَّر له، ولذلك عليكِ أن تهتمي بالدعاء أن يرزقكِ الله الزوج الصالح الذي يستمر معكِ ويسعدكِ في حياتكِ، ويعوضكِ عما سلف، وعليكِ أن تعملي بالأسباب التي تجلب لكِ ولزوجكِ السعادة، وأكثري من الدعاء: "اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها"، فهذا الدعاء سببٌ من أسباب تعويض الله للعبد عما فاته وذهب عنه.

دعاؤكِ بالزواج مرة أخرى لا يدل على عدم الرضا بقضاء الله؛ بل هو أمرٌ مشروعٌ وطبيعي، ولا حرج فيه شرعًا، بل هو من حسن ظنكِ بالله تعالى، وفي الحديث القدسي: إنَّ الله جل وعلا يقول: (أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن خيرًا فله، وإن ظن شرًّا فله).

الرضا بالقضاء لا يعني ترك الدعاء، أو الاستسلام للواقع دون طلب التغيير، بل الرضا الحقيقي هو أن يقبل القلب ما وقع بالفعل من غير اعتراض على حكم الله، مع جواز السعي والدعاء لتحصيل ما هو أصلح في المستقبل، ولهذا فإن الجمع بين الأمرين هو الأكمل: الرضا بما مضى، والدعاء بما هو آتٍ، وقد كان الأنبياء والصالحون يدعون الله بتغيير أحوالهم إلى الأفضل، وهذا لا ينافي الرضا، مثل دعاء زكريا عليه السلام حين سأل الله الولد مع كبر سنه.

ما مررتِ به من تجربة زواجين لم يُكتب لهما الاستمرار، ومسؤولية تربية طفل، ورغبة فطرية في الاستقرار والسكن النفسي؛ كل هذا يجعل الدعاء بالزواج حاجةً نفسيةً مشروعةً، ومطلبًا شرعيًا مباحًا، وأملًا حسنًا في تعويض الله، فليس في دعائكِ أي إثم، بل هو من باب الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله.

الدعاء يكون علامةً لعدم الرضا في أحوال:
1- إذا صاحبه اعتراض على قدر الله.
2- أو تسخُّط في القلب.
3- أو اليأس من حكمة الله ورحمته.

أما مجرد الدعاء بالزواج، مع التسليم بأن ما وقع هو قدر الله، فليس فيه شيء من ذلك.

أوصيكِ بصلاة ودعاء الاستخارة قبل قبول أي خاطب، وعليكِ كذلك بالاستشارة في حال الشخص، دينه، وخلقه؛ فذلك أمر مهم، يقول عليه الصلاة والسلام: (إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ)؛ فالدين والخلق صفتان متلازمتان لا تنفكان أبدًا، وهما صمام أمان للحياة الزوجية السعيدة، وصاحب الدين والخلق إن أحب زوجته أكرمها، وإن كرهها سرَّحها بإحسان.

أكثري من الاستغفار والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فذلك من أسباب جلب الرزق، وتفريج الهموم: (مَنْ لَزِمَ الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب)، وقال لمن قال له: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: (إذًا تُكفى همك ويُغفر لك ذنبك).

أكثري من دعاء ذي النون، ففي الحديث: "دعوةُ ذي النون؛ إذ دعا بها في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين، فإنه لن يدعو بها مسلم في شيء إلا استجاب له".

أسأل الله أن يرزقكِ زوجًا صالحًا، وأن يبارك لكِ في ولدكِ، وأن يجعل ما مررتِ به رفعةً لكِ في الدرجات، وتكفيرًا للسيئات، إنه سميع مجيب.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً