الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أشعر أني أعبد الله على حرف..فكيف أجعل حياتي لله؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لقد مررتُ بالكثير من الضغوط الصحية والنفسية والدينية، وشُخِّصتُ باضطراب القلق العام (GAD) بعد معاناةٍ طويلة مع الأطباء، بالإضافة إلى الاكتئاب، لكنه -ولله الحمد- أقلُّ وطأةً بكثير، لدرجة أن الأطباء أكدوا عدم حاجتي للدواء إلا لعلاج اضطراب القلق، والحمد لله بعد معاناةٍ مع أدويةٍ شتى؛ توصلنا إلى الدواء الصحيح لعلاج القلق وأمورٍ صحية أخرى، وأنا الآن -بفضل الله- أعمل وأمارس حياتي وأذهب إلى كل مكان.

كان السبب الأساسي لاكتئابي هو عدم تقبل وفاة والدي، بالإضافة إلى أحداثٍ ومشاكل أخرى ما زالت قائمة، وربما أكون قد تقبلتُ الأمر الآن، لكنني في بعض الأحيان أحزن كثيرًا وأقول (لو)، رغم علمي أن هذا من الشيطان، وهي أفكار لا تمثل طبيعتي ولا منهجي، لكن الضعف والشيطان والنفس ووحدتي وقت الاكتئاب جعلتني حبيسة هذه الأفكار حتى وقتٍ قريب.

أظنُّ -والله أعلم- أن إحدى مشكلاتي تكمن في "عدم الرضا اللاحق"، بمعنى أنني لا أسخط وقت وقوع الأمر، ولكن بعد فترة أحزن وأتساءل: "لماذا؟"، وأدرك أن هذا نابعٌ من ضعف اليقين. أستعيذ بالله -واعذروني على قولي- فقد مرت بي فترة وجيزة كنت أقول فيها: "أنا حزينة من الله" -والعياذ بالله- وكأنه (ولله المثل الأعلى) صديق نتخاصم معه! رغم أنني قبلها بفترة كنت أدعو الله بشيءٍ ما، وكنت قد تحسنتُ دينيًّا -فيما أحسب- وهذا ما حدث مؤخرًا.

أدركتُ بعدها أنني بذلك أعبد الله على حَرف، وأنني لا أعبده عز وجل لذاته ولأنه الإله الخالق، بل لأنني أريد تحقيق مأربٍ أو حاجةٍ ما. ومن هنا سألتُ ولم أجد إجابة: كيف أعبد الله عز وجل؟ لأنه الله جل جلاله، الجبار الرحيم القوي. أريد أن أهاب الله تعالى وأعظمه حق تعظيمه، أريد أن تكون حياتي كلها لله ومن أجل الله، أريد أن يتغلغل هذا اليقين في فكري، وأن تكون الصلاة جنتي والذكر حياتي.

سؤالي هو: كيف أفعل ذلك؟ وكيف أصل إلى هذه المرتبة من العبادة؟ وإذا كان الله غنيًّا عني ولا يحتاج إليّ، فلماذا خُلقتُ؟ أنا لا أجد لنفسي أي فائدة، أعلم أن هذه وساوس، لكني أنشد الإجابة.

ملاحظة: أنا طالبة أزهرية، أتممتُ حفظ القرآن الكريم منذ الصف السادس الابتدائي، وأحب سماعه، نشأتُ في أسرة محافظة، ووالدتي -حفظها الله- معلمة قرآن ومجازة بالقراءات العشر والقرآن حياتها؛ لذا فالمشكلة ليست في البيئة المحيطة.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ هناء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ أختنا الكريمة في شبكة إسلام ويب، وردًا على استشارتك أقول، مستعينًا بالله:

قرأتُ استشارتك بعناية، ووجدتُ أن ما تعيشينه سببه مزيج من ضعف الإيمان، وحزن عميق، واضطراب القلق العام، وقلب يريد أن يصل إلى الله تعالى بصدق، وهذه الأخيرة علامة خير بإذن الله تعالى.

أولًا: علاقة ما تمرين به بالإيمان:
من علامات كمال الإيمان الرضا بما قضاه الله وقدره على العبد، فمن أركان الإيمان -كما لا يخفى- الإيمان بالقدر خيره وشره.

ورد النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن قول: "لو أني فعلت كذا ما كان كذا، ولكن ليقل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان".

الحزن يقع على المؤمن، وهو مأجور على الألم الذي يجده، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "(ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه)".

ولكن لا يجوز للعبد أن يتضجر من قدر الله تعالى، ولا أن يتهم ربه بالظلم، أو يقول: لماذا فعل الله بي كذا؟

ومع ما حصل منك؛ فإن ذلك ليس كفرًا، وربما بعض ما حصل منك هو عبارة عن خواطر نفسية أو وساوس شيطانية، والحمد لله أنك لم تستقري على ذلك، بل هي أشياء عرضية وتذهب.

ثانيًا: لماذا تشعرين أنك "تعبدين الله على حرف"؟
السبب في ذلك أنك مررتِ بتجربة قوية، فقد دعوتِ بشيء ولم يتحقق كما أردتِ، فنشأ عندك سؤال داخلي، وهو: "هل أعبد الله لأجله أم لأجل عطائه؟"، وهذا السؤال يعد بداية نضج إيماني عميق، وليس انحرافًا، فالواجب عليك أن تعبدي الله لأنه الخالق الرازق، المعطي المانع.

ثالثًا: قولك: "كيف أعبد الله لأنه الله"؟
وللإجابة أقول: عبادة الله تمر عبر مراحل بحسب ما عند العبد من العلم، فليست عبادة العامي كعبادة طالب العلم، وليست عبادة العالم كعبادة طالب العلم، وكونك طالبة علم وتحفظين كتاب الله تعالى، فقد قرأتِ قول الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، فنحن خُلقنا لعبادة الله تعالى، والله سبحانه يستحق العبادة لأنه الخالق الرازق، المحيي المميت، الرحيم، الذي يعلم ضعف المخلوق، والأرزاق تكفل الله بها، فقال: (وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا، اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، وقال: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا).

الدعاء عبادة مستقلة، ومن أفضل العبادات، قال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)، وقال: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي، فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي، وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ).

على العبد، إن أراد شيئًا، فبجانب الدعاء عليه أن يعمل بالأسباب، ففي الحديث الصحيح: (لو أنكم توكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا).

لا بد أن تعلمي أنه لا يشترط في حال الدعاء أن يتحقق للعبد ما طلبه، فقد يستجيب الله للعبد، وقد يصرف عنه شرًا، وقد يدخر تلك الدعوة ليوم القيامة، ففي الحديث عن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تُعجَّل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا: إذًا نكثر؟ قال: الله أكثر).

أنصحك ألا توغلي في طلب الشعور والخشوع؛ فهذان الأمران يأتيان تدريجيًا مع الاستمرار في عبادة الله والإخلاص له؛ لأن الضغط على النفس في طلبهما قد ينقل إلى الوسواس، وهذا ما نخاف منه.

رابعًا: قولك: لماذا أشعر أحيانًا أني بلا فائدة؟
قد يكون هذا الشعور مرتبطًا بالاكتئاب السابق الذي أصابك، وفقد المعنى بعد فقد الأب، وهذا مجانب للصواب، فأنت خُلقتِ لمعنى عظيم، وهو عبادة الله تعالى، وهذه أعظم فائدة في الوجود، قال الله سبحانه: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، والعبادة هي كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال، الظاهرة والباطنة، ويدخل في ذلك الصبر، والمجاهدة، والرضا بالقضاء والقدر، ومقاومة الأفكار السيئة، والاستمرار في الاستقامة على دين الله.

خامسًا: قولك: كيف أجعل الصلاة جنة، والذكر حياة؟
- استمري في الصلاة والذكر، وابتعدي عن كل ما يشغلك أثناءهما، وسوف يأتي كل ذلك بالتدريج.

- لا تبالغي في بلوغ الكمال المثالي، فذلك قد يسبب لك وساوس أو إرهاقًا أو فتورًا إن لم تصلي إلى مرادك، والحمد لله أنك تربيتِ في بيت تسوده الاستقامة، وبلوغ الكمال قلّ من يصل إليه؛ لأن من صفاتنا النقص والعصيان والتقصير.

- أكثري من ذكر: "يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك"، ومن الاستغفار، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فذلك من أسباب الثبات، وغفران الذنوب، وذهاب الهموم، وليكن تردادك لهذه الأذكار باعتدال، والمهم هو الاستمرار.

سادسًا: بخصوص إصابتك باضطراب القلق:
من أعراض اضطراب القلق أنه يجعل الأفكار تتكرر، ويضخم المشاعر، ويجعل لفظة "لو" ترجع مرة أخرى، وهذا بسبب التفاعل بين النفس والمرض، وعليك إن شعرتِ بذلك أن تستعيذي بالله من الشيطان الرجيم.

سابعًا: قولك: مرت فترة كنت أقول: أنا حزينة من الله.
هذه الجملة عبارة عن قول نفسي، ولغة نفسية متألمة تبحث عن تفسير، وليست حقيقة مستقرة، بدليل أنك تنتبهين وتستعيذين بالله من تلك الأفكار؛ وهذا دليل على أن قلبك فيه إيمان، وأن ذلك من الوساوس والأفكار السيئة التي يطرحها عليك الشيطان.

الخلاصة:
أنتِ لستِ منافقة، بل إنسانة مجاهدة صادقة، والعبودية والتلذذ بالعبادة يأتيان بالتدريج، وليس بالقفز، والإيمان عندنا جميعًا يحصل فيه شيء من الضعف والنقص، وقد حصل هذا الضعف عند بعض الصحابة والتابعين، وقد ورد في الحديث أن الإيمان يخلق -أي يبلى- كما يخلق الثوب، ومع هذا فالإيمان يمكن تقويته من خلال العبادات والطاعات.

لا تربطي إيمانك بالمشاعر، بل استمري في العبادات، وإن شعرتِ بشيء من الفتور، فبالمجاهدة يبلغ العبد مناه.

وأخيرًا أقول لك: إن تلاوة القرآن الكريم تزيد في الإيمان، وتعين على تدبر آيات الله، وتذكر بالجنة والنار؛ وهذا يزيد في الإيمان، فأكثري من التلاوة، واطمئني، فسوف تذهب عنك كل تلك الأفكار، وإن كنتِ حاليًا تشعرين بالتعب النفسي؛ فهذا التعب يحتاج إلى راحة واستجمام، وهذا سيحصل من خلال التلاوة والثبات على الدين.

أسأل الله أن يربط على قلبك، ويجعل الصلاة قرة عين لك، ويملأ قلبك يقينًا ورضًا، ويجمعك بوالدك في جنات النعيم، ونسعد بتواصلك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً