الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ( وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ) أي والسابع مما أتلوه عليكم من وصايا ربكم أن أوفوا الكيل إذا كلتم للناس أو اكتلتم عليهم لأنفسكم ، والميزان إذا وزنتم لأنفسكم فيما تبتاعون أو لغيركم فيما تبيعون ، فليكن كل ذلك وافيا تاما بالقسط أي العدل ولا تكونوا من المطففين ( الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ) ( 83 : 2 ، 3 ) أي ينقصون الكيل والوزن ، وهم الذين توعدهم الله بالويل والهلاك في أول السورة التي سميت باسمهم . فهذا هو النهي المقابل للأمر بالإيفاء وهو لازم له ، فالجملة موجزة ، فكلمة ( بالقسط ) هي التي بينت أن الإيفاء يجب أن يكون من الجانبين في الحالين ، أي أوفوا مقسطين أو ملابسين للقسط متحرين له ، وهو يقتضي طرفين يقسط بينهما ، فدل على أنه يجب على الإنسان أن يرضى لغيره ما يرضاه لنفسه ، وأين الذين يدعون اتباع القرآن في هذا الزمان من هذه الوصية ! لا تكاد تجد في المائة منهم في مثل بلادنا هذه بائعا يوفي الكيل والميزان لمبتاع يسلم الأمر له ويرضى بذمته .

                          ( لا نكلف نفسا إلا وسعها ) هذه جملة مستأنفة لبيان حكم ما يعرض لأهل الدين والورع من الأمر بالقسط في الإيفاء ; فإن أقامة القسط أمر دقيق جدا ، لا يتحقق في كل مكيل وموزون إلا إذا كان بموازين كميزان الذهب الذي يضبط الوزن بالحبة وما دونها ، وفي التزام ذلك في بيع الحبوب والخضر والفاكهة حرج عظيم يخطر في بال الورع السؤال عن حكمه ، فكان جوابه أن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا ما يسعها فعله بأن تأتيه بغير عسر ولا حرج ، فهو لا يكلف من يشتري أو يبيع ما ذكر من الأقوات ونحوها أن يزنه ويكيله بحيث لا يزيد حبة ولا مثقالا ، بل يكلفه أن يضبط الوزن والكيل له أو عليه على حد سواء بحسب العرف ، بحيث يكون معتقدا أنه لم يظلم بزيادة ولا نقص يعتد به عرفا . وقاعدة اليسر [ ص: 169 ] وحصر التكليف بما في وسع المكلف وما يقابله من رفع الحرج ونفي العسر ، من أعظم قواعد هذا الشرع المبني على أقوى أساس من الحق والعدل ، فلا يساويه فيه قانون من قوانين الخلق ، ولو عمل المسلمون بهذه الوصية لاستقامت أمور معاملتهم وعظمت الثقة والأمانة بينهم ، وكانوا حجة على غيرهم من المطففين والمفسدين . وما فسدت أمورهم وقلت ثقتهم بأنفسهم ، وحل محلها ثقتهم بالأجانب الطامعين فيهم إلا بترك هذه الوصية وأمثالها ، ثم تجد بعض المارقين الجاهلين منهم يهذون ويقولون : إن ديننا هو الذي أخرنا وقدم غيرنا ! ! . قد قص التنزيل علينا فيما قص من أنباء الأمم لنعتبر ونتعظ بها أنه تعالى أهلك قوم شعيب بما كان من ظلمهم وفسادهم ، ولا سيما التطفيف في الكيل والميزان ، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحاب الكيل والميزان : " إنكم وليتم أمرا هلكت فيه الأمم السالفة قبلكم " رواه الترمذي من حديث ابن عباس مرفوعا بسند فيه راو ضعيف وقال : إنه روي موقوفا بسند صحيح وروى غيره ما يؤيده .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية