الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            [ ص: 53 ] باب الطائف يجعل البيت عن يساره ويخرج في طوافه عن الحجر .

                                                                                                                                            1965 - ( عن جابر { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه ، ثم مشى على يمينه ثلاثا فرمل ومشى أربعا } . رواه مسلم والنسائي ) .

                                                                                                                                            1966 - ( وعن عائشة قالت : { سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الحجر أمن البيت هو ؟ قال : نعم . قلت : فما لهم لم يدخلوه في البيت ؟ قال : إن قومك قصرت بهم النفقة ، قالت : فما شأن بابه مرتفعا ؟ قال : فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا ، ولولا أن قومك حديث عهد بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الحجر في البيت ، وأن ألصق بابه بالأرض } . متفق عليه ، وفي رواية قال : { كنت أحب أن أدخل البيت أصلي فيه فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فأدخلني الحجر فقال لي : صلي في الحجر إذا أردت دخول البيت فإنما هو قطعة من البيت ولكن قومك استقصروا حين بنوا الكعبة فأخرجوه من البيت } . رواه الخمسة إلا ابن ماجه وصححه الترمذي ) .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            وفيه إثبات التنفل في الكعبة قوله : ( أتى الحجر فاستلمه ) . . . إلخ ، فيه دليل على أنه يستحب أن يكون ابتداء الطواف من الحجر الأسود بعد استلامه وحكى في البحر عن الشافعي والإمام يحيى أن ابتداء الطواف من الحجر الأسود فرض . قوله : ( ثم مشى على يمينه ) استدل به على مشروعية مشي الطائف بعد استلام الحجر على يمينه جاعلا البيت عن يساره وقد ذهب إلى أن هذه الكيفية شرط لصحة الطواف الأكثر قالوا : فلو عكس لم يجزه قال في البحر : ولا خلاف إلا عن محمد بن داود الأصفهاني وأنكر عليه وهموا بقتله انتهى ، ولا يخفاك أن الحكم على بعض أفعاله صلى الله عليه وسلم في الحج بالوجوب ; لأنها بيان لمجمل واجب وعلى بعضها بعدمه تحكم محض لفقد دليل يدل على الفرق بينها قوله : ( أمن البيت هو ؟ قال : نعم ) هذا ظاهر بأن الحجر كله من البيت ويدل على ذلك أيضا قوله في الرواية الثانية : فإنما هو قطعة من البيت وبذلك كان يفتي ابن عباس .

                                                                                                                                            فأخرج عبد الرزاق عنه أنه قال : لو وليت من البيت ما ولي ابن الزبير لأدخلت الحجر كله في البيت ولكن ما ورد من الروايات القاضية بأنه كله من البيت مقيد بروايات صحيحة منها عند مسلم من حديث عائشة بلفظ حتى أزيد فيه من الحجر وله من وجه آخر عنها مرفوعا [ ص: 54 ] بلفظ : فإن بدا لقومك أن يبنوه بعدي فهلمي لأريك ما تركوا منه فأراها قريبا من سبعة أذرع وله أيضا عنها مرفوعا بلفظ : وزدت فيها من الحجر سبعة أذرع وفي رواية للبخاري عن عروة : أن ذلك مقدار ستة أذرع ولسفيان بن عيينة في جامعه أن ابن الزبير زاد ستة أذرع وله أيضا عنه أنه زاد ستة أذرع وشبرا ، وهذا ذكره الشافعي في عدد من لقيهم من أهل العلم من قريش كما أخرجه البيهقي في المعرفة عنه ، وقد اجتمع من الروايات ما يدل على أن الزيادة فوق ستة أذرع ودون سبعة .

                                                                                                                                            ما رواه مسلم عن عطاء عن عائشة مرفوعا بلفظ : لكنت أدخل فيها من الحجر خمسة أذرع فقال في الفتح : هي شاذة والروايات السابقة أرجح لما فيها من الزيادات عن الثقات الحفاظ .

                                                                                                                                            قال الحافظ : ثم ظهر لي لرواية عطاء وجه وهو أنه أريد بها ما عدا الفرجة التي بين الركن والحجر فتجتمع مع الروايات الأخرى ، فإن الذي عدا الفرجة أربعة أذرع وشيء ولهذا وقع عند الفاكهي من حديث أبي عمرو بن عدي بن الحمراء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة في هذه القصة : ولأدخلت فيها من الحجر أربعة أذرع فيحمل هذا على إلغاء الكسر ورواية عطاء على جبره وتحصيل الجمع بين الروايات كلها بذلك . قوله : ( إن قومك ) أي : قريشا قوله : ( قصرت بهم النفقة ) بتشديد الصاد أي : النفقة الطيبة التي أخرجوها لذلك كما جزم به الأزرقي وغيره ، وتوضيحه ما ذكره ابن إسحاق في السيرة عن أبي وهب المخزومي أنه قال لقريش : لا تدخلوا فيه من كسبكم إلا طيبا ولا تدخلوا فيه مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس .

                                                                                                                                            قوله : ( ليدخلوا من شاءوا ) زاد مسلم فكان الرجل إذا أراد أن يدخلها يدعونه ليرتقي حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط قوله : ( حديث عهد ) في لفظ للبخاري حديث عهدهم بتنوين حديث قوله : ( بالجاهلية ) في رواية للبخاري بجاهلية وفي أخرى له بكفر . ولأبي عوانة بشرك قوله : ( فأخاف أن تنكر قلوبهم ) في رواية للبخاري تنفر ونقل ابن بطال عن بعض علمائهم أن النفرة التي خشيها صلى الله عليه وسلم أن ينسبوه إلى الفخر دونهم وجواب لولا محذوف وقد رواه مسلم بلفظ : فأخاف أن تنكر قلوبهم لنظرت أن أدخل الحجر ورواه الإسماعيلي بلفظ : لنظرت فأدخلت وفيه دليل على أنه يجوز للعالم ترك التعريف ببعض أمور الشريعة إذا خشي نفرة قلوب العامة عن ذلك .




                                                                                                                                            الخدمات العلمية