الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            [ ص: 272 ] 1186 - ( وعن الحكم عن مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهم قال : { بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة في سرية فوافق ذلك يوم جمعة ، قال : فتقدم أصحابه وقال : أتخلف فأصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة ثم ألحقهم ، قال : فلما صلى رسول الله رآه ، فقال : ما منعك أن تغدو مع أصحابك ؟ فقال : أردت أن أصلي معك الجمعة ثم ألحقهم ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما أدركت غدوتهم } رواه أحمد والترمذي . وقال شعبة : لم يسمع الحكم من مقسم إلا خمسة أحاديث وعدها ، وليس هذا الحديث فيما عده ) .

                                                                                                                                            1187 - ( وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أبصر رجلا عليه هيئة السفر فسمعه يقول : لولا أن اليوم يوم جمعة لخرجت ، فقال عمر : اخرج فإن الجمعة لا تحبس عن سفر . رواه الشافعي في مسنده ) .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            أما حديث ابن عباس فقال الترمذي : إنه غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، ثم قال : قال يحيى بن سعيد : قال شعبة : وذكر الكلام الذي ذكره المصنف ، وفي إسناده الحجاج بن أرطاة . قال البيهقي : انفرد به الحجاج وهو ضعيف . وقال العراقي في شرح الترمذي : ضعفه الجمهور ومال ابن العربي إلى تصحيح الحديث وقال : ما قاله شعبة لا يؤثر في الحديث وقال : هو صحيح السند صحيح المعنى ، لأن الغزو أفضل من الجماعة في الجمعة وغيرها ، وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم في الغزو أفضل من طاعته في صلاة الجماعة . وتعقبه العراقي فقال : هذا الكلام ليس جاريا على قواعد أهل الحديث . ولا يلزم من كون المعنى صحيحا أن يكون السند صحيحا ، فإن شرط صحة الإسناد اتصاله ، فالمنقطع ليس من أقسام الصحيح عند عامة العلماء ، وهم الذين لا يحتجون بالمرسل فكل من لا يحتج بالمرسل لا يحتج بعنعنة المدلس ، بل حكى النووي في شرح المهذب وغيره اتفاق العلماء ، على أنه لا يحتج بعنعنة المدلس مع احتمال الاتصال ، فكيف مع تصريح شعبة وهو أمير المؤمنين في الحديث بأن الحكم لم يسمعه من مقسم ، فلو ثبت الحديث لكان حجة واضحة ، وإذا لم يثبت فالحجة قائمة بغيره من حيث تعارض الواجبات وأنه يقدم أهمها ، ولا شك أن الغزو أهم من صلاة الجمعة ، إذ الجمعة لها خلف عند فوتها ، بخلاف الغزو خصوصا إذا تعين فإنه يجب تقديمه ، وأيضا فالجمعة لم تجب قبل الزوال ، وإن وجب السعي إليها قبله في حق من سمع النداء ولا يمكنه إدراكها إلا بالسعي إليها قبله ، ومن هذه حاله يمكن [ ص: 273 ] أن يكون حكمه عند ذلك حكم ما بعد الزوال ا هـ .

                                                                                                                                            وأما الأثر المروي عن عمر فذكره الحافظ في التلخيص ولم يتكلم عليه . وروى سعيد بن منصور أن أبا عبيدة سافر يوم الجمعة ولم ينتظر الصلاة وأخرج أبو داود في المراسيل وابن أبي شيبة عن الزهري أنه أراد أن يسافر يوم الجمعة ضحوة ، فقيل له في ذلك ، فقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم سافر يوم الجمعة وفي مقابل ذلك ما أخرجه الدارقطني في الإفراد عن ابن عمر مرفوعا بلفظ : { من سافر يوم الجمعة دعت عليه الملائكة أن لا يصحب في سفره } وفي إسناده ابن لهيعة وهو مختلف فيه ، وما أخرجه الخطيب في كتاب أسماء الرواة عن مالك من رواية الحسين بن علوان عنه عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : { من سافر يوم الجمعة دعا عليه ملكاه أن لا يصاحب في سفره ولا تقضى له حاجة } ثم قال الخطيب : الحسين بن علوان غيره أثبت منه . قال العراقي : قد ألان الخطيب الكلام في الحسين ، هذا وقد كذبه يحيى بن معين ونسبه ابن حبان إلى الوضع ، وذكر له الذهبي في الميزان هذا الحديث ، وأنه مما كذب فيه على مالك . وقد اختلف العلماء في جواز السفر يوم الجمعة من طلوع الفجر إلى الزوال على خمسة أقوال : الأول : الجواز ، قال العراقي : وهو قول أكثر العلماء . فمن الصحابة عمر بن الخطاب والزبير بن العوام وأبو عبيدة بن الجراح وابن عمر . ومن التابعين الحسن وابن سيرين والزهري . ومن الأئمة أبو حنيفة ومالك في الرواية المشهورة عنه والأوزاعي وأحمد بن حنبل في الرواية المشهورة عنه وهو القول القديم للشافعي ، وحكاه ابن قدامة عن أكثر أهل العلم .

                                                                                                                                            والقول الثاني : المنع منه وهو قول الشافعي في الجديد وهو إحدى الروايتين عن أحمد وعن مالك . والثالث : جوازه لسفر الجهاد دون غيره وهو إحدى الروايات عن أحمد . والرابع : جوازه للسفر الواجب دون غيره ، وهو اختيار أبي إسحاق المروزي من الشافعية . ومال إليه إمام الحرمين . والخامس : جوازه لسفر الطاعة واجبا كان أو مندوبا وهو قول كثير من الشافعية وصححه الرافعي .

                                                                                                                                            وأما بعد الزوال من يوم الجمعة فقال العراقي : قد ادعى بعضهم الاتفاق على عدم جوازه وليس كذلك ، فقد ذهب أبو حنيفة والأوزاعي إلى جوازه كسائر الصلوات ، وخالفهم في ذلك عامة العلماء ، وفرقوا بين الجمعة وغيرها من الصلوات بوجوب الجماعة في الجمعة دون غيرها ، والظاهر جواز السفر قبل دخول وقت الجمعة وبعد دخوله لعدم المانع من ذلك .

                                                                                                                                            وحديث أبي هريرة وكذلك حديث ابن عمر لا يصلحان للاحتجاج بهما على المنع لما عرفت من ضعفهما ومعارضة ما هو أنهض منهما ومخالفتهما لما هو الأصل فلا ينتقل عنه إلا بناقل صحيح ولم يوجد . وأما وقت صلاة الجمعة فالظاهر عدم الجواز لمن قد وجب وعليه الحضور إلا أن يخشى حصول مضرة من تخلفه للجمعة كالانقطاع [ ص: 274 ] عن الرفقة التي لا يتمكن من السفر إلا معهم وما شابه ذلك من الأعذار ، وقد أجاز الشارع التخلف عن الجمعة لعذر المطر فجوازه لما كان أدخل في المشقة منه أولى .




                                                                                                                                            الخدمات العلمية