الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                صفحة جزء
                                [الحديث الثالث] :

                                525 550 - حدثنا أبو اليمان : أبنا شعيب ، عن الزهري : حدثني أنس بن مالك ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي العصر والشمس مرتفعة حية ، فيذهب الذاهب إلى العوالي ، فيأتيهم والشمس مرتفعة .

                                وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه .

                                526 551 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن أنس بن مالك ، قال : كنا نصلي العصر ، ثم يذهب الذاهب إلى قباء ، فيأتيهم والشمس مرتفعة .

                                التالي السابق


                                إنما خرجه من هذين الوجهين ، ليبين مخالفته لأصحاب الزهري في هذا الحديث .

                                وقد خالفهم فيه من وجهين :

                                أحدهما : أنه لم يذكر فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وذكره أصحاب الزهري ، كما خرجه البخاري هنا من رواية شعيب .

                                وخرجه في أواخر " كتابه " من رواية صالح بن كيسان ، ثم قال : زاد الليث ، عن يونس : " وبعد العوالي أربعة أميال أو ثلاثة " .

                                وخرجه مسلم من رواية الليث وعمرو بن الحارث - كلاهما - ، عن الزهري ، به .

                                ورواه أبو صالح ، عن الليث ، عن يونس ، عن الزهري .

                                [ ص: 104 ] وما ذكره البخاري في رواية شعيب من قوله : " وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه " ، فهو من قول الزهري ، أدرج في الحديث .

                                قال البيهقي : وقد بين ذلك معمر ، عنه .

                                ثم خرجه من طريق معمر عنه ، وقال في آخر حديثه : قال الزهري : والعوالي من المدينة على ميلين وثلاثة - أو حسبه قال : وأربعة .

                                والوجه الثاني : أن مالكا قال في روايته : " ثم يذهب الذاهب إلى قباء " ، كذا رواه أصحابه عنه ، وكذا هو في " الموطأ " .

                                وخالفه سائر أصحاب الزهري ، فقالوا : " إلى العوالي " .

                                وقد رواه خالد بن مخلد ، عن مالك ، فقال فيه : " العوالي " ، وليس هو بمحفوظ عن مالك .

                                قال النسائي : لم يتابع مالكا أحد على قوله في هذا الحديث : " إلى قباء " والمعروف : " إلى العوالي " .

                                وقال ابن عبد البر : رواه جماعة أصحاب الزهري عنه ، فقالوا : " إلى العوالي " ، وهو الصواب عند أهل الحديث . قال : وقول مالك : " إلى قباء " وهم لا شك فيه عندهم ، ولم يتابعه أحد عليه .

                                وكذا ذكر أبو بكر الخطيب وغيره . [ ص: 105 ] قلت : قد رواه الشافعي في القديم : أنا [أبو] صفوان بن سعيد بن عبد الملك بن مروان ، عن ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن أنس ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي العصر ، ثم يذهب الذاهب إلى قباء فيأتيها والشمس مرتفعة .

                                ورواه عن ابن أبي فديك ، عن ابن أبي ذئب ، وقال : " إلى العوالي " .

                                وكذا رواه الواقدي ، عن معمر ، عن الزهري . وهذا لا يلتفت إليه .

                                قال ابن عبد البر : إلا أن المعنى في ذلك متقارب على سعة الوقت ; لأن العوالي مختلفة المسافة ، فأقربها إلى المدينة ما كان على ميلين أو ثلاثة ، ومثل هذا هي المسافة بين قباء وبين المدينة ، وقباء من بني عمرو بن عوف ، وقد نص على بني عمرو بن عوف في [حديث أنس ] هذا إسحاق بن أبي طلحة .

                                يشير إلى حديثه المتقدم ، وخرجه من طريق إبراهيم بن أبي عبلة ، عن الزهري ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقال فيه : " والعوالي من المدينة على عشرة أميال " ، وكان الزهري ذكر في هذه الرواية أبعد ما بين العوالي والمدينة ، كما ذكر في الرواية المتقدمة أقرب ما بينها وبين المدينة .

                                وفي الباب حديث آخر : خرجه البخاري في " القسمة " ، فقال : نا محمد بن يوسف : نا الأوزاعي : نا أبو النجاشي ، قال : سمعت رافع بن خديج [قال] : كنا نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العصر ، فننحر جزورا ، فتقسم عشر قسم ، فنأكل لحما نضيجا قبل أن تغرب الشمس .

                                قال الدارقطني : أبو النجاشي اسمه عطاء بن صهيب ، ثقة مشهور ، صحب رافع بن خديج ست سنين . [ ص: 106 ] والكلام هاهنا في مسألتين :

                                إحداهما :

                                في حد وقت العصر : أوله وآخره :

                                فأما أوله : فحكى ابن المنذر فيه أقوالا ، فقال :

                                اختلفوا في أول وقت العصر : فكان مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور يقولون : وقت الظهر إذا صار ظل كل شيء مثله .

                                واختلفوا بعد ، فقال بعضهم : آخر وقت الظهر أول وقت العصر ، فلو أن رجلين صلى أحدهما الظهر والآخر العصر حين صار ظل كل شيء مثله لكانا مصليين الصلاتين في وقتها ، قال بهذا إسحاق ، وذكر ذلك عن ابن المبارك .

                                وأما الشافعي فكان يقول : أول وقت العصر إذا جاوز ظل كل شيء مثله ما كان ، وذلك حين ينفصل من آخر وقت الظهر .

                                قلت : هذا هو المعروف في مذهب أحمد وأصحابه ، وحكى بعض المتأخرين رواية عنه كقول ابن المبارك وإسحاق ، وهي غير معروفة .

                                قال ابن المنذر : وحكي عن ربيعة قول ثالث ، وهو : أن وقت الظهر والعصر إذا زالت الشمس .

                                وفيه قول رابع ، وهو : أن وقت العصر أن يصير الظل قائمتين بعد الزوال ، ومن صلاها قبل ذلك لم تجزئه ، وهذا قول النعمان - يعني : أبا حنيفة .

                                وحكى ابن عبد البر ، عن مالك مثل قول ابن المبارك وإسحاق ، وعن الثوري والحسن بن صالح وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبي ثور مثل قول الشافعي ، وعن أبي حنيفة : آخر وقت الظهر إذا صار ظل كل شيء مثليه . [ ص: 107 ] قال : فخالف القياس في ذلك ، وخالفه أصحابه فيه .

                                وذكر الطحاوي رواية أخرى عن أبي حنيفة ، أنه قال : آخر وقت الظهر حين يصير ظل كل شيء مثله ، كقول الجماعة . ولا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه ، فترك بين الظهر والعصر وقتا مفردا لا يصلح لأحدهما .

                                قال : وهذا لم يتابع عليه - أيضا .

                                وحكى ابن عبد البر ، عن أبي ثور والمزني مثل قول ابن المبارك ومن تابعه ، بالاشتراك بين الوقتين إذا صار ظل كل شيء مثليه بقدر أربع ركعات ، فمن صلى في ذلك الوقت الظهر والعصر كان مؤديا لها .

                                وحكي عن عطاء وطاوس : أن ما بعد مصير ظل كل شيء مثله وقت الظهر والعصر معا ، قال طاوس : إلى غروب الشمس ، وقال عطاء : إلى اصفرارها ، وقد سبق ذكر قولهما ، وأنه حكي رواية عن مالك .

                                وقد نص الشافعي على أن وقت العصر لا يدخل حتى يزيد ظل الشيء على مثله ، وكذلك قاله الخرقي من أصحابنا .

                                واختلف أصحاب الشافعي في معنى قوله : " بالزيادة " .

                                فمنهم من قال : هي لبيان انتهاء الظل إلى المثل ، وإلا فالوقت قد دخل قبل حصول الزيادة بمجرد حصول المثل ، فعلى هذا تكون الزيادة من وقت العصر .

                                ومنهم من قال : إنها من وقت الظهر ، وإنما يدخل العصر عقبها ، وقيل : إنه ظاهر كلام الشافعي والعراقيين من أصحابه .

                                ومنهم من قال : ليست الزيادة من وقت الظهر ولا من وقت العصر ، بل هي فاصل بين الوقتين . وهو أضعف الأقوال لهم .

                                [ ص: 108 ] وأما المنقول عن السلف ، فأكثرهم حدده بقدر سير الراكب فرسخا أو فرسخين قبل غروب الشمس .

                                فروى مالك ، عن نافع ، أن عمر كتب إلى عماله : صلوا الظهر إذا كان الفيء ذراعا ، إلا أن يكون ظل أحدكم مثله ، والعصر والشمس بيضاء نقية ، قدر ما يسير الراكب فرسخين أو ثلاثة ، قبل غروب الشمس .

                                ورواه غيره : عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر .

                                وروى أبو نعيم الفضل بن دكين : نا سعد بن أوس ، عن بلال العبسي ، أن عمر كتب إلى سعد : صل العصر وأنت تسير لها ميلين أو ثلاثة .

                                نا يزيد بن مردانبه ، قال : سألت أنس بن مالك عن وقت العصر ، فقال : إذا صليت العصر ثم سرت ستة أميال حتى إلى غروب الشمس فذلك وقتها .

                                نا ابن عيينة ، عن أبي سنان ، عن سعيد بن جبير ، قال : تصلي العصر قدر ما تسير البعير المحملة فرسخين .

                                نا ابن عيينة ، عن أبي سنان ، عن عبد الله بن أبي الهذيل ، قال : فرسخ .

                                وأما آخر وقت العصر ، ففيه أقوال :

                                أحدها : أنه غروب الشمس ، روي ذلك عن ابن عباس وعكرمة وأبي جعفر محمد بن علي .

                                والثاني : إلى مصير ظل كل شيء مثليه ، روي عن أبي هريرة ، وهو قول الشافعي ، وأحمد في رواية .

                                والثالث : حتى تصفر الشمس ، روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، [ ص: 109 ] وهو قول الأوزاعي ، وأحمد في رواية ، وأبي يوسف ، ومحمد .

                                وفيه حديث ، عن عبد الله بن عمرو ، اختلف في رفعه ووقفه ، وقد خرجه مسلم في " صحيحه " مرفوعا .

                                وأكثر من قال بهذا القول والذي قبله ، قالوا : لا يخرج وقت العصر بالكلية باصفرار الشمس ولا بمصير ظل كل شيء مثليه ، إنما يخرج وقت الاختيار ، ويبقى ما بعده وقت ضرورة .

                                وهل يكون التأخير إليه لغير ذوي الأعذار محرما ، أو مكروها كراهة تنزيه ؟ فيه وجهان لأصحابنا .

                                وقال الإصطخري من الشافعية : يخرج وقت العصر بالكلية حتى يصير ظل الشيء مثليه ، ويصير بعد ذلك قضاء ، ولم يوافقه على ذلك أحد .

                                والمشهور عند الشافعية : أنه بعد مصير ظل كل شيء مثليه إلى اصفرار الشمس يجوز التأخير إليه بلا كراهة ، ولكن يفوت وقت الفضيلة والاختيار ، وقالوا : يفوت وقت الفضيلة بمصير ظل الشيء مثله ونصف مثله ، ووقت الاختيار بمصير ظل الشيء مثليه ، ووقت الجواز يمتد إلى اصفرار الشمس ، ومن وقت الاصفرار إلى أن تغرب الشمس وقت كراهة لغير ذوي الأعذار .

                                وحكى ابن عبد البر عن مالك وغيره من العلماء : أن من صلى العصر قبل اصفرار الشمس فقد صلاها في وقتها المختار ، وحكاه إجماعا ، وحكاه عن الثوري وغيره .

                                قال : وهذا يدل على أن اعتبار المثلين إنما هو للاستحباب فقط .

                                وحكى عن أبي حنيفة : أن وقت الاختيار يمتد إلى اصفرار الشمس .

                                [ ص: 110 ] وحكى عن إسحاق وداود : آخر وقت العصر أن يدرك المصلي منها ركعة قبل الغروب ، وسواء المعذور وغيره .

                                وسيأتي القول في ذلك فيما بعد - إن شاء الله سبحانه وتعالى .

                                وحكى الترمذي في " جامعه " عن أبي بكرة أنه نام عن صلاة العصر ، فاستيقظ عند الغروب ، فلم يصل حتى غربت الشمس .

                                وهذا قد ينبني على أن وقت العصر يخرج بالكلية باصفرار الشمس ، فتصير قضاء ، والفوائت لا تقضى في أوقات النهي عند قوم من أهل العلم .

                                ونهى عمر بن الخطاب من فاته شيء من العصر أن يطول فيما يقضيه منها ، خشية أن تدركه صفرة الشمس قبل أن يفرغ من صلاته .

                                والمسألة الثانية :

                                هل الأفضل تعجيل العصر في أول وقتها ، أو تأخيرها ؟ فيه قولان :

                                أحدهما - وهو قول الحجازيين وفقهاء الحديث - : أن تعجيلها في أول وقتها أفضل ، وهو قول الليث ، والأوزاعي ، وابن المبارك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وقول أهل المدينة : مالك وغيره .

                                ولكن مالك يستحب لمساجد الجماعات أن يؤخروا العصر بعد دخول وقتها قليلا ; ليتلاحق الناس إلى الجماعة .

                                وقد تقدم إنكار عروة على عمر بن عبد العزيز تأخيره العصر شيئا ، وإنكار أبي مسعود الأنصاري على المغيرة تأخيره العصر شيئا .

                                والأحاديث التي خرجها البخاري في هذا الباب كلها تدل على استحباب تعجيل العصر وتقديمها في أول وقتها .

                                والقول الثاني : أن تأخيرها إلى آخر وقتها ما لم تصفر الشمس أفضل ، وهو [ ص: 111 ] قول أهل العراق ، منهم : النخعي ، والثوري ، وأبو حنيفة .

                                قال النخعي : كان من قبلكم أشد تأخيرا للعصر منكم ، وكان إبراهيم يعصر العصر - أي : يضيقها إلى آخر وقتها .

                                وقال أبو قلابة وابن شبرمة : إنما سميت العصر لتعصر .

                                وقد روي هذا القول عن علي ، وابن مسعود وغيرهما ، وفيه أحاديث مرفوعة ، كلها غير قوية .

                                قال العقيلي : الرواية في تأخير العصر فيها لين .

                                وذكر الدارقطني أنه لا يصح منها شيء يقاوم أحاديث التعجيل ; فإنها أحاديث كثيرة ، وأسانيدها صحيحة من أصح الأسانيد وأثبتها . وقال : أحاديث تأخير العصر لم تثبت ، وإنما وجهها - إن كانت محفوظة - : أن يكون ذلك على غير تعمد ، ولكن للعذر والأمر يكون .



                                الخدمات العلمية