الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        إذا بلغت ماشيته حدا يخرج فرضه بحسابين كمائتين من الإبل ، فهل الواجب خمس بنات لبون ، أو أربع حقاق ؟ قال في القديم : الحقاق ، وفي الجديد : أحدهما . قال الأصحاب : فيه طريقان ، أحدهما : على قولين . أظهرهما : الواجب أحدهما . والثاني : الحقاق . والطريق الثاني : القطع بالجديد ، وتأولوا القديم . فإن أثبتنا القديم وفرعنا عليه ، نظر ، إن وجد الحقاق بصفة الإجزاء لم يجز غيرها ، وإلا نزل منها إلى بنات اللبون ، أو صعد إلى الجذاع مع الجبران ، وإن فرعنا على المذهب وهو أحدهما ، فللمسألة أحوال .

                                                                                                                                                                        أحدهما : أن يوجد في المال القدر الواجب من أحد الصنفين بكماله دون الآخر ، فيؤخذ ولا يكلف تحصيل الصنف الآخر ، وإن كان أنفع للمساكين ، ولا يجوز الصعود ولا النزول مع الجبران ؛ إذ لا ضرورة إليه ، وسواء عدم جميع الصنف الآخر أم بعضه ، فهو كالمعدوم . وكذا لو وجد الصنفان وأحدهما معيب ، فكالمعدوم .

                                                                                                                                                                        الحال الثاني : أن لا يوجد في ماله شيء من الصنفين ، أو يوجد ، أو هما معيبان . فإذا أراد تحصيل أحدهما بشراء أو غيره ، فالأصح أن له أن يحصل أيهما شاء . والثاني : يجب تحصيل الأغبط للمساكين ، وله أن لا يحصل الحقاق ولا بنات [ ص: 158 ] اللبون ، بل ينزل أو يصعد مع الجبران ، فإن شاء جعل الحقاق أصلا ، وصعد إلى أربع جذاع فأخرجها وأخذ أربع جبرانات ، وإن شاء جعل بنات اللبون أصلا ونزل إلى خمس بنات مخاض ، فأخرجها ودفع معها خمس جبرانات ، ولا يجوز أن يجعل الحقاق أصلا وينزل إلى أربع بنات مخاض ويدفع ثماني جبرانات ، ولا أن يجعل بنات اللبون أصلا ويصعد إلى خمس جذاع ويأخذ عشر جبرانات ؛ لإمكان تقليل الجبران . وفي وجه شاذ أنه يجوز الصعود والنزول المذكوران ، وليس بشيء .

                                                                                                                                                                        الحال الثالث : أن يوجد الصنفان بصفة الإجزاء ، فالمذهب والذي نص عليه الشافعي - رحمه الله - وقاله جمهور الأصحاب : يجب الأغبط للمساكين . وقال ابن سريج : المالك بالخيار فيهما ، لكن يستحب له إخراج الأغبط ، إلا أن يكون ولي يتيم ، فيراعي حظه . وإذا قلنا بالمذهب فأخذ الساعي غير الأغبط ، ففيه أوجه ؛ الصحيح الذي اعتمده الأكثرون أنه إن كان بتقصير ، إما من الساعي بأن أخذه مع علمه ، أو أخذه بلا اجتهاد ، وظن أنه الأغبط ، وإما من المالك ، بأن دلس وأخفى الأغبط - لم يقع المأخوذ من الزكاة . وإن لم يقصر واحد منهما وقع عن الزكاة . والوجه الثاني ، قاله ابن خيران وقطع به في التهذيب : إن كان باقيا في يد الساعي بعينه لم يقع عن الزكاة وإن لم يقصر واحد منهما ، وإلا وقع . والثالث : يقع عنهما بكل حال . والرابع : لا يقع بحال . والخامس : إن فرقه على المستحقين ، ثم ظهر الحال ، حسب عن الزكاة بكل حال ، وإلا لم يحسب . والسادس : إن دفع المالك مع علمه بأنه الأدنى ، لم يجزه ، وإن كان الساعي هو الذي أخذه ، جاز . وحيث قلنا : لا يقع المأخوذ عن الزكاة ، فعليه إخراجها ، وعلى الساعي رد ما أخذه إن كان باقيا ، وقيمته إن كان تالفا . وحيث قلنا : يقع ، فهل يجب إخراج قدر التفاوت ؟ وجهان ، أصحهما : يجب . والثاني : يستحب كما إذا أدى اجتهاد الإمام إلى أخذ القيمة ، وأخذها ، لا يجب شيء آخر . قال أصحابنا : وإنما يعرف التفاوت بالنظر إلى القيمة ، فإذا كانت قيمة الحقاق أربعمائة [ ص: 159 ] وقيمة بنات اللبون أربعمائة وخمسين ، وقد أخذ الحقاق ، فالتفاوت خمسون ، فلو كان التفاوت يسيرا لا يحصل به شقص ناقة ، دفع الدراهم للضرورة ، وأشار صاحب التقريب إلى أنه يتوقف إلى وجود شقص ، وليس بشيء ، فإن يحصل به شقص فوجهان . أحدهما : يجب شراؤه . وأصحهما : يجوز دفع الدراهم لضرر المشاركة ، ولأنه قد يعدل إلى غير الجنس الواجب للضرورة ، كمن وجب عليه شاة في خمس من الإبل ، فلم يجد شاة ، فإنه يخرج قيمتها ، وكمن لزمته بنت مخاض ، فلم يجدها ولا ابن لبون ، لا في ماله ولا بالثمن ، فإنه يعدل إلى القيمة . فإذا جوزنا الدراهم ، فأخرج شقصا ، جاز . قال في النهاية : وفيه أدنى نظر ؛ لما فيه من العسر على المساكين وإن أوجبنا الشقص ، فيكون من الأغبط ، أم من المخرج ؟ فيه أوجه . أصحها : من الأغبط ؛ لأنه الأصل . والثاني : من المخرج ؛ لئلا يتبعض . والثالث : يتخير بينهما . ففي المثال المتقدم ، يخرج على الأصح خمسة أتساع بنت لبون . وعلى الثاني : نصف حقة ، ثم إذا أخرج شقصا ، وجب صرفه إلى الساعي على قولنا : يجب الصرف إلى الإمام في الأموال الظاهرة ، وإذا أخرج الدراهم ، فوجهان ، أحدهما : لا يجب الصرف إليه ؛ لأنها من الباطنة . والثاني : يجب ، لأنها جبران الظاهرة .

                                                                                                                                                                        قلت : هذا الثاني أصح ، والله أعلم .

                                                                                                                                                                        وإطلاق الأصحاب الدراهم في هذا الفصل ، يشبه أن يكون مرادهم به نقد البلد ، دراهم كان أو دنانير ، كما صرح به الشيخ إبراهيم المروذي .

                                                                                                                                                                        قلت : مرادهم نقد البلد قطعا ، وصرح به جماعة ، منهم القاضي حسين وغيره ، وعليه يحمل قول صاحب الحاوي وإمام الحرمين وغيرهما : دراهم أو دنانير ، يعنيان أيهما كان نقد البلد ، والله أعلم .

                                                                                                                                                                        الحال الرابع : أن يوجد بعض كل صنف ، بأن يجد ثلاث حقاق وأربع بنات لبون ، فهو بالخيار ، إن شاء جعل الحقاق أصلا فدفعها مع بنت لبون [ ص: 160 ] وجبران ، وإن شاء جعل بنات اللبون أصلا فدفعها مع حقة وأخذ جبرانا ، وهل يجوز أن يدفع حقة مع ثلاث بنات لبون وثلاث جبرانات ؟ وجهان . ويجري الوجهان فيما إذا لم يجد إلا أربع بنات لبون وحقة ، فدفع الحقة مع ثلاث بنات لبون وثلاث جبرانات ونظائره . والأصح الجواز . قال في التهذيب : ويجوز في الصورة الأولى أن يعطي الحقاق مع جذعة ويأخذ جبرانا ، وأن يعطي بنات اللبون وبنت مخاض مع جبران .

                                                                                                                                                                        الحال الخامس : أن يوجد بعض أحد الصنفين ولا يوجد من الآخر شيء ، كما إذا لم يجد إلا حقتين ، فله إخراجهما مع جذعتين ، ويأخذ جبرانين ، وله أن يجعل بنات اللبون أصلا ، فيخرج بدلهن خمس بنات مخاض مع خمس جبرانات . ولو لم يجد إلا ثلاث بنات لبون ، فله إخراجهن مع بنتي مخاض وجبرانين ، وله أن يجعل الحقاق أصلا ، ويخرج أربع جذعات بدلها ، ويأخذ أربع جبرانات . كذا ذكر في التهذيب الصورتين ، ولم يحك خلافا ، وينبغي أن يكون فيه الوجهان السابقان ، ولعله فرعه على الأصح .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        إذا بلغت البقر مائة وعشرين ، ففيها أربعة أتبعة ، أو ثلاث مسنات ، وحكمها حكم بلوغ الإبل مائتين في جميع الخلاف والتفريع المتقدم .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        لو أخرج صاحب المائتين من الإبل حقتين وبنتي لبون ونصفا ، لم يجز ، ولو ملك أربع مائة ، فعليه ثماني حقاق ، أو عشر بنات لبون ، ويعود فيها جميع ما في المائتين من الخلاف والتفريع . ولو أخرج عنها أربع حقاق وخمس بنات لبون ، [ ص: 161 ] جاز على الصحيح الذي قطع به الجمهور ، ومنعه الإصطخري لتفريق الفرض ، كما لو فرقه في المائتين . قال الجمهور : كل مائتين أصل منفرد ، فهو ككفارتين ، يطعم في إحداهما ، ويكسو في الأخرى . وأما المائتان ، فالتفريق فيهما كالتفريق في الكفارة الواحدة ، على أن المانع في المائتين ليس هو مجرد التفريق ، بل المانع التشقيص ، ألا ترى أنه لو أخرج حقتين وثلاث بنات لبون أو أربع بنات لبون وحقة ، جاز . ويجري هذا الخلاف متى بلغ المال ما يخرج منه بنات اللبون والحقاق بلا تشقيص .

                                                                                                                                                                        فإن قيل : ذكرتم أن الساعي يأخذ الأغبط ، ويلزم من ذلك أن يكون أغبط الصنفين هو المخرج ، فكيف يخرج البعض من هذا والبعض من ذاك ؟

                                                                                                                                                                        فالجواب ما أجاب به ابن الصباغ . قال : يجوز أن لهم حظا ومصلحة في اجتماع النوعين وفي هذا أن جهة الغبطة غير منحصرة في زيادة القيمة ، لكن إذا كان التفاوت لا من جهة القيمة ، يتعذر إخراج قدر التفاوت .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية