الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ( استطراد في حقيقة معنى الجهاد أو الحرب والغزو )

                          وإصلاح الإسلام فيها

                          الجهاد كلمة إسلامية تستعمل بمعنى الحرب عند بقية الأمم بمعنى كون كل منهما مصلحة من مصالح الدولة العامة لها أحكام خاصة ، وتستعمل بمعناها اللغوي الأعم ، وهي مصدر جاهد يجاهد مجاهدة وجهادا كقاتل يقاتل مقاتلة وقتالا ، فهي صيغة مشاركة من الجهد وهو الطاقة والمشقة ، كما أن القتال مشاركة من القتل ، قال الراغب في مفردات القرآن : والجهاد والمجاهدة استفراغ الوسع في مدافعة العدو . والجهاد ثلاثة أضرب ، مجاهدة العدو الظاهر . ومجاهدة الشيطان ، ومجاهدة النفس . وتدخل ثلاثتها في قوله تعالى وجاهدوا في الله حق جهاده ( 22 : 78 ) و وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ( 9 : 41 ) و إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ( 8 : 72 ) وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم والمجاهدة تكون باليد واللسان . قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : جاهدوا الكفار بأيديكم وألسنتكم اهـ والجهاد بالألسنة إقامة البرهان والحجة .

                          لا أذكر من خرج الحديثين اللذين استشهد بهما الراغب في الجهاد المعنوي ، وفي معناهما أحاديث أخرى كحديث فضالة بن عبيد عند الترمذي المجاهد من جاهد نفسه وحديث أبي ذر عند ابن النجار أفضل الجهاد أن يجاهد الرجل نفسه وهواه ورواه الديلمي بلفظ " أن تجاهد نفسك وهواك في ذات الله تعالى " وحديث جابر عند الخطيب قدمتم خير مقدم ، قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ، مجاهدة العبد هواه وحديث علي عند أبي نعيم في الحلية الجهاد أربع : الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والصدق في مواطن الصبر ، وشنآن الفاسق وغيرها . وإنما أكثرنا من هذه الشواهد ; لأن الإفرنج ومقلديهم وتلاميذهم من نصارى المشرق يزعمون أن الجهاد هو قتال المسلمين لكل من ليس بمسلم ، لإكراههم على الإسلام ، وإن لم يعتدوا عليهم ولم يعادوهم ، وقد علمت [ ص: 270 ] مما تقدم آنفا وما سنفصله به تذكيرا بما فصلناه من قبل ، أن هذا كذب وافتراء على الإسلام ، ومنه ما تقدم في سورتي الأنفال والبقرة أن من غايات القتال فيه منع الفتنة في الدين ، أي اضطهاد الناس لأجل إيمانهم وإكراههم على تركه ، وقوله تعالى : لا إكراه في الدين ( 2 : 256 ) ونص الأمر بقتال من يقاتلنا ويعادينا في ديننا ، والنهي عن الاعتداء المحض ، ونص تفضيل السلم على الحرب ، ووجوب الجنوح إليها إذا جنح العدو ، ونص جعل الغرض الأول من الاستعداد للقتال إرهاب الأعداء رجاء أن يكفوا عن الاعتداء ، ونصوص أحكام المعاهدين للمسلمين ، وتحريم قتالهم ما داموا محافظين على العهد ، ومن أعجبها قوله تعالى في المسلمين غير الخاضعين لإمام المسلمين في دار الإسلام ، كالذين أسلموا ولم يهاجروا إلى المدينة في عهده عليه الصلاة والسلام : وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق ( 8 : 72 ) وقد بينا مرارا أنه كان من سياسة الإسلام إبطال الوثنية وعبادة الأصنام من جزيرة العرب وجعلها موئله ومأرزه ، وأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما قاتل مشركيها إلا دفاعا كما تقدم في هذه السورة .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية