الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
39 - قوله: (ع): "ترك المصنف قسما ثالثا من أنواع التدليس وهو شر الأقسام ..." إلى آخره.

أقول: فيه مشاحة وذلك أن ابن الصلاح قسم التدليس إلى قسمين :

1- أحدهما: تدليس الإسناد.

2- والآخر: تدليس الشيوخ.

والتسوية على تقدير تسليم تسميتها تدليسا هي من قبيل القسم الأول وهو تدليس الإسناد.

فعلى هذا لم يترك قسما ثالثا، إنما ترك تفريع القسم الأول . أو أخل بتعريفه ومشى على ذلك العلائي فقال: "تدليس السماع نوعان" (فذكره).

[ ص: 617 ] وقد فاتهم معا من تدليس الإسناد فرع آخر وهو تدليس العطف وهو: أن يروي عن شيخين من شيوخه ما سمعاه من شيخ اشتركا فيه ويكون قد سمع ذلك من أحدهما دون الآخر، فيصرح عن الأول بالسماع ويعطف الثاني عليه، فيوهم أنه حدث عنه بالسماع - أيضا - وإنما حدث بالسماع عن الأول ثم نوى القطع فقال: وفلان أي حدث فلان.

مثاله : ما رويناه في "علوم الحديث" للحاكم قال :

"اجتمع أصحاب هشيم فقالوا: لا نكتب عنه اليوم شيئا مما يدلسه ففطن لذلك فلما جلس قال: حدثنا حصين ومغيرة عن إبراهيم فحدث بعدة أحاديث فلما فرغ قال هل دلست لكم شيئا؟

قالوا: لا فقال: بلى كل ما حدثتكم عن حصين فهو سماعي ولم أسمع من مغيرة من ذلك شيئا".

وفاتهم أيضا فرع آخر وهو تدليس القطع مثاله ما رويناه في "الكامل" لأبي أحمد ابن عدي وغيره. .

عن عمر بن عبيد الطنافسي أنه كان يقول: حدثنا ثم يسكت ينوي القطع، ثم يقول: هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - رضي الله عنها - .

[ التسوية أعم من التدليس :]

وقد يدلسون بحذف الصيغ الموهمة فضلا عن المصرحة ، كما كان ابن عيينة يقول: عمرو بن دينار سمع جابرا - رضي الله عنه - ونحو ذلك، ولكن هذا كله داخل في التعريف الذي عرف به ابن الصلاح وهو قوله أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه موهما أنه سمعه بخلاف التسوية وهي أعم من أن يكون هناك تدليس أو لم يكن.

فمثال: ما يدخل في التدليس، فقد ذكره الشيخ.

[ ص: 618 ] ومثال: ما لا يدخل في التدليس ما ذكره ابن عبد البر وغيره أن مالكا سمع من ثور بن زيد أحاديث عن عكرمة ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ثم حدث بها عن ثور عن ابن عباس ، وحذف عكرمة ، لأنه كان لا يرى الاحتجاج بحديثه .

فهذا مالك قد سوى الإسناد (بإبقاء) من هو عنده ثقة وحذف من ليس عنده بثقة، فالتسوية قد تكون بلا تدليس وقد تكون بالإرسال فهذا تحرير القول فيها.

وقد وقع هذا لمالك في مواضع أخرى:

1 - فإنه روى عن عبد ربه بن سعيد عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن عائشة وأم سلمة - رضي الله عنهما - في الصائم يصبح جنبا وإنما رواه عبد ربه عن عبد الله بن كعب الحميري عن أبي بكر بن عبد الرحمن - رضي الله عنه - كذا جزم به ابن عبد البر وكذا أخرجه

[ ص: 619 ] النسائي من رواية عمر بن الحارث عن عبد ربه .

2 - وروى مالك عن عبد الكريم الجزري ، عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة - رضي الله عنه - في الفدية وإنما رواه عبد الكريم عن مجاهد عن ابن أبي ليلى كذا قال ابن عبد البر أيضا .

3 - وروى مالك عن عمرو بن الحارث ، عن عبيد بن فيروز ، عن البراء - رضي الله عنه - في الأضاحي ، وإنما رواه عمرو ، عن

[ ص: 620 ] سليمان بن عبد الرحمن عن عبيد . كذا رواه ابن وهب ، عن عمرو بن عمرو بن الحارث وهو مشهور من حديث سليمان المذكور، حدث به عنه شعبة ، والليث وابن لهيعة وغيرهم.

فلو كانت التسوية تدليسا لعد مالك في المدلسين، وقد أنكروا على من عده فيهم.

قال ابن القطان : "ولقد ظن بمالك على بعده عنه عمله" .

وقال الدارقطني : أن مالكا ممن عمل به وليس عيبا عندهم .

وإذا تقرر ذلك، فقول شيخنا - في تعريف التسوية - : وصورة هذا القسم أن يجيء المدلس إلى حديث قد سمعه من شيخ ثقة وقد سمعه ذلك الشيخ الثقة من شيخ ضعيف، وقد سمعه ذلك الشيخ الضعيف عن شيخ ثقة، فيسقط المدلس الشيخ الضعيف، ويسوقه بلفظ محتمل، فيصير الإسناد كلهم ثقات، ويصرح هو بالاتصال عن شيخه لأنه قد سمعه منه فلا يظهر حينئذ في الإسناد ما يقتضي رده ..." إلى آخر كلامه.

تعريف غير جامع، بل حق العبارة أن يقول:

[ ص: 621 ] أن يجيء الراوي - ليشمل المدلس وغيره - إلى حديث قد سمعه من شيخ وسمعه ذلك الشيخ من آخر عن آخر، فيسقط الواسطة بصيغة محتملة، فيصير الإسناد عاليا وهو في الحقيقة نازل، ومما يدل على أن هذا التعريف لا تقييد فيه بالضعيف أنهم ذكروا في أمثلة التسوية: ما رواه هشيم عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن الزهري ، عن عبد الله بن الحنفية ، عن أبيه عن علي - رضي الله عنه - في تحريم لحوم الحمر الأهلية.

قالوا: ويحيى بن سعيد لم يسمعه من الزهري ، إنما أخذه عن مالك عن الزهري .

هكذا حدث به عبد الوهاب الثقفي وحماد بن زيد وغير واحد عن يحيى بن سعيد عن مالك ، فأسقط هشيم ذكر مالك منه وجعله عن يحيى ابن سعيد عن الزهري ويحيى فقد سمع من الزهري ، فلا إنكار في روايته عنه إلا أن هشيما قد سوى هذا الإسناد، وقد جزم بذلك ابن عبد البر وغيره.

فهذا كما ترى لم يسقط في التسوية شيخ ضعيف، وإنما سقط شيخ ثقة ، فلا اختصاص لذلك بالضعيف - والله أعلم -.

[ ص: 622 ] تنبيه:

قسم الحاكم في علوم الحديث - وتبعه أبو نعيم - التدليس إلى ستة أقسام:

1- الأول: من دلس عن الثقات.

2- الثاني: من سمى من دلس عنه لما حوقق وروجع فيه.

3- الثالث: من دلس عن من لا يعرف.

4- الرابع : من دلس عن الضعفاء.

5- الخامس: من دلس القليل عن من سمع منه الكثير.

6- السادس: من حدث من صحيفة من لم يلقه.

قلت: وليست هذه الأقسام متغايرة، بل هي متداخلة، وحاصلها يرجع إلى القسمين اللذين ذكرهما ابن الصلاح .

لكن أحببت التنبيه على ذلك.

لئلا يعترض به من لا يتحقق.

تنبيه آخر:

ذكر شيخنا ممن عرف بالتسوية جماعة، وفاته أن ابن حبان قال - في ترجمة بقية - إن أصحابه كانوا يسوون حديثه.

وقال: - في ترجمة إبراهيم بن عبد الله المصيصي - : كأن يسوي الحديث - والله أعلم - .

التالي السابق


الخدمات العلمية