الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
وإن أردت أن تتبين ما قلناه فضل تبين ، وتتحقق بما ادعيناه زيادة تحقق - فإن كنت من أهل الصنعة فاعمد إلى قصة من هذه القصص ، وحديث من هذه الأحاديث ، فعبر عنه بعبارة من جهتك ، وأخبر عنه بألفاظ من عندك ، حتى ترى فيما جئت به النقص الظاهر ، وتتبين في نظم القرآن الدليل الباهر .

ولذلك أعاد قصة موسى في سور ، وعلى طرق شتى ، وفواصل مختلفة ، مع اتفاق المعنى . فلعلك ترجع إلى عقلك ، وتستر ما عندك ، إن غلطت في أمرك ، أو ذهبت في مذاهب وهمك ، أو سلطت على نفسك وجه ظنك .

[ ص: 191 ] متى تهيأ لبليغ أن يتصرف في قدر آية في أشياء مختلفة ، فيجعلها مؤتلفة ، من غير أن يبين على كلامه إعياء الخروج والتنقل ، أو يظهر على خطابه آثار التكلف والتعمل ؟

وأحسب أنه لا يسلم من هذا - ومحال أن يسلم منه - متى يظفر بمثل تلك الكلمات الأفراد ، والألفاظ الأعلام ، حتى يجمع بينها ، فيجلو فيها فقرة من كلامه ، وقطعة من قوله . ولو اتفق له في أحرف معدودة ، وأسطر قليلة ، فمتى يتفق له في قدر ما نقول : إنه من القرآن معجز ؟

هيهات هيهات ! إن الصبح يطمس النجوم وإن كانت زاهرة ، والبحر يغمر الأنهار وإن كانت زاخرة .

متى تهيأ للآدمي أن يقول في وصف كتاب سليمان - عليه السلام - ، بعد ذكر العنوان والتسمية ، هذه الكلمة الشريفة العالية : ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين . والخلوص من ذلك إلى ما صارت إليه من التدبير ، واشتغلت به من المشورة ، ومن تعظيمها أمر المستشار ، ومن تعظيمهم أمرها وطاعتها ، بتلك الألفاظ البديعة ، والكلمات العجيبة البليغة .

ثم كلامها بعد ذلك ، ألا تعلم تمكن قولها : يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون .

وذكر قولهم : قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين ، لا تجد في صفتهم أنفسهم أبرع مما وصفهم به .

وقوله : والأمر إليك ، تعلم براعته بنفسه ، وعجيب معناه ، وموضع [ ص: 192 ] اتفاقه في هذا الكلام ، وتمكن الفاصلة ، وملاءمته لما قبله ، وذلك قوله : فانظري ماذا تأمرين .

ثم إلى هذا الاختصار ، وإلى البيان مع الإيجاز . فإن الكلام قد يفسده الاختصار ، ويعميه التخفيف منه والإيجاز ، وهذا مما يزيده الاختصار بسطا لتمكنه ووقوعه ، ويتضمن الإيجاز منه تصرفا يتجاوز محله وموضعه .

وكم جئت إلى كلام مبسوط يضيق عن الأفهام ، ووقعت على حديث طويل يقصر عما يراد به من التمام ، ثم لو وقع على الأفهام والتمام ، أخل بما يجب فيه من شروط الإحكام ، أو بمعاني القصة وما تقتضي من الإعظام .

ثم لو ظفرت بذلك كله ، رأيته ناقصا في وجه الحكمة ، أو مدخولا في باب السياسة ، أو مضعوفا في طريق السيادة ، أو مشترك العبارات إن كان مستجود المعنى ، أو مستجود العبارة مشترك المعنى ، أو جيد البلاغة مستجلب المعنى ، أو مستجلب البلاغة جيد المعنى ، أو مستنكر اللفظ وحشي العبارة ، أو مستبهم الجانب مستكره الوضع .

وأنت لا تجد في جميع ما تلونا عليك إلا ما إذا بسط أفاد ، وإذا اختصر كمل في بابه وجاد ؛ وإذا سرح الحكيم في جوانبه طرف خاطره ، وبعث العليم في أطرافه عيون مباحثه ، لم يقع إلا على محاسن تتوالى ، وبدائع تترى .

ثم فكر بعد ذلك في آية آية ، أو كلمة كلمة ، في قوله : إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون .

هذه الكلمات الثلاث ، كل واحدة منها كالنجم في علوه ونوره ، وكالياقوت [ ص: 193 ] يتلألأ بين شذوره . ثم تأمل تمكن الفاصلة - وهي الكلمة الثالثة - وحسن موقعها ، وعجيب حكمتها ، وبارع معناها .

وإن شرحت لك ما في كل آية طال عليك الأمر ، ولكني قد بينت بما فسرت ، وقررت بما فصلت - الوجه الذي سلكت ، والنحو الذي قصدت ، والغرض الذي إليه رميت ، والسمت الذي إليه دعوت .

ثم فكر بعد ذلك في شيء أدلك عليه :

وهو تعادل هذا النظم في الإعجاز ، في مواقع الآيات القصيرة ، والطويلة ، والمتوسطة .

فأجل الرأي في سورة سورة ، وآية آية ، وفاصلة فاصلة ، وتدبر الخواتم ، والفواتح ، والبوادي والمقاطع ، ومواضع الفصل والوصل ، ومواضع التنقل والتحول ، ثم اقض ما أنت قاض .

وإن طال عليك تأمل الجميع ، فاقتصر على سورة واحدة ، أو على بعض سورة .

* *

التالي السابق


الخدمات العلمية