الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

من وسائل القرآن في إصلاح المجتمع

الأستاذ / أمين نعمان الصلاحي

- الركيزة الثانية: حماية وصيانة الرأي العام الفاضل في المجتمع

لقد رأينا كيف يعمل القرآن على تكوين وإشاعة الرأي العام الفاضل في المجتمع، غير أن دور القرآن لا يقف عند ذلك، ولكنه يمتد إلى حماية وصيانة الرأي العام الفاضل في المجتمع من كل ما يفسده أو يلوثه، ونحن نعلم أنه عندما تلوك الألسن أخبار الفحش، وعندما يصبح الحديث عن [ ص: 107 ] السلوكيات المنحرفة فاكهة المجالس؛ فإن النفوس تألف بالتدريج ما كانت تنكره، وتبدأ مشاعر النفور والاستهجان تتلاشى شيئا فشيئا، إلى أن يصبح المنكر معروفا.. ولهذا ينهى القرآن عن إشاعة أخبار السوء، وعن إذاعة أنباء السلوكيات المنحرفة؛ لأنه يريد لها أن تبقى محدودة وشاذة ومستهجنة في الرأي العام.

ومن أجل تحقيق هذه الغاية، التي يمكن تلخيصها بالحفاظ على الرأي العام الفاضل في المجتمع سليما من التلوث والفساد، فإن القرآن يقرر جملة من التوجيهات والأحكام، أهمها:

1- النهي عن اتباع الظنون الفاسدة وعن إشاعة الفاحشة في المجتمع

فالقرآن يأمر بإحسان الظن بالناس، وباجتناب كثير من الظنون التي تنشر العداوة والبغضاء وتفسد ذات البين:

( ( يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ) ) (الحجرات: 12).

ذلك أن الظن الفاسد لا يلبث حتى يتحول إلى إشاعات فاسدة سيئة، أو هو على الأقل يهيئ النفوس لتقبل الإشاعات السيئة، وهذا بخلاف الظن الحسن؛ فإنه يقف سدا منيعا أمام تداول وتقبل الإشاعات السيئة، وهذا المعنى يمكن أن نلحظه بوضـوح من تعـليق القرآن عـلى حادثة الإفك التي اتهمت فيها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إذ يقول القرآن:

( ( لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين ) ) (النور: 12). [ ص: 108 ]

ففي هذه الآية يعاتب الله المؤمنين الذين لم يقدموا حسن الظن في دفع قالة السوء التي لا أساس لها إلا الخيالات الكاذبة، والظنون الفاسدة.

والمتأمل في واقع مجتمعاتنا اليوم يراها تموج موجا بأقاويل وإشاعات مصدرها الظنون الفاسـدة، يتناقلها الناس دونـما أدنى شعور بالذنب، وقد لا يدركون أنهم يخلقون بذلك رأيا عاما فاسدا في المجتمع، ويزعزعون كل معاني الخير والفضيلة فيه:

( ( إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) ) (النور:15-19).

ولا بد هنا من الإشارة إلى ذلك الدور الخطير، الذي تلعبه بعض وسائل الإعلام في إفساد الرأي العام عن طريق الترويج للفواحش، وتقريبها من نفوس الناس، إذ تعمد إلى تتبع (فضائح النجوم والمشاهير) في عالم الفن وعالم السياسة، ثم إذا بالبرامج التليفزيونية، والتحقيقات الصحفية، تخرج على الناس بأخبار السوء، لتذيع بينهم أنواعا من الشذوذ والانحرافات التي وقع فيها أو يمارسها أولئك المشاهير، ودون أن تقول كلمة واحدة في إدانتها، بل تعرضها للناس بأسلوب مشوق ومثير، فالبحث عن التشويق والإثارة والجري وراء الربح المادي هو الهدف عند [ ص: 109 ] القائمين على تلك الوسائل الإعلامية، وأما حكم الدين ومعيار الأخلاق في تلك الموضوعات التي يتناولونـها ويروجون لها، فليس مما يخطر لهم على بال!

وهذه الظاهرة وإن كانت غربية المنشأ والممارسة؛ إلا أنها قد وجدت طريقها مع الأسف الشديد إلى بعض وسائل الإعلام في مجتمعاتنا الإسلامية، والذي نأمله ونرجوه من وسائل الإعلام أن تصبح أداة فاعلة لخلق ونشر الرأي العام الفاضل في مجتمعاتنا، لا أداة لإفساد الرأي العام، وهدم منظومة القيم الأخلاقية والدينية.

2- التحذير من الإشاعات وبيان كيفية التعامل معها

إن القرآن يريد للمجتمع المسلم أن يكون محصنا أمام الإشاعات والأراجيف، لا مرتعا خصبا لها، ولا ريشة في مهب ريحها، ومن أجل ذلك:

- يأمر القرآن بالتثبت والتبين والتأكد من صحة الأنباء والأخبار:

( ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) ) (الحجرات: 6).

- ويحذر القرآن من القول بلا علم:

( ( إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ) ) (النور: 15)؛

( ( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ) ) (الإسراء: 36). [ ص: 110 ]

- ويأمر القرآن بزجر مروجي الإشاعات، واستنكار ما يأتون به:

( ( لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين ) ) (النور: 12).

( ( ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم ) ) (النور: 16).

- والقرآن يأمر بالرجوع إلى ولاة الأمر وأهل الاختصاص، في الأخبار التي تعم بها البلوى، وتمس كيان المجتمع وسلامته وأمنه، قبل التسرع بإذاعتها وإشاعتها:

( ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) ) (النساء:83)؛

«والمقصود بأولي الأمر في الآية: أهل العلم، والعقول الراجحة، والمعنى: أنهم لو تركوا الإشاعة للأخبار حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يذيعها، أو يكون أولي الأمر منهم هم الذين يتولون ذلك؛ لأنهم يعلمون ما ينبغي أن يفشى، وما ينبغي أن يكتم» [1] .

3- تشريع العقوبات الرادعة لمن يتهم الأبرياء بالسوء

إن بعض مرضى النفوس قد ينساقون وراء خيالاتهم الفاسدة، وظنونهم الكاذبة، وتصوراتهم المنحرفة، وقد تسول لهم أنفسهم أن يوزعوا الاتهامات على الناس يمنة ويسرة، وأن يتهموا الأبرياء الأطهار بالسوء ليعطوا انطباعا عاما أن لا شيء طاهر، ولا شيء نظيف في المجتمع، حتى يهزوا ثقة المجتمع [ ص: 111 ] في قيمه وأخلاقه وأطهاره، وحتى يخيل للناس أن الطهارة والعفة ليست سوى وهم زائف!

ولخطورة هذه القضية وحساسيتها رأينا القرآن يحتاط لها أشد الاحتياط، ويشرع لها حدا من حدود الله وهو حد القذف،

قال تعالى: ( ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ) ) (النور: 4).

ومع هذه العقوبة الدنيوية هنالك وعيد بعقوبة أخروية شديدة:

( ( إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين ) ) (النور: 23-25).

وهدف القرآن من ذلك أن يحفظ على الأفراد حقهم في صون أعراضهم، وحماية سمعتهم، وأن يحفظ على المجتمع حقه في أن يعيش في ظل أجواء صحية سليمة، ورأي عام فاضل، يشجع على الخير والفضيلة، وينفر من الشر والرذيلة. [ ص: 112 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية