الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      صفحة جزء
                                      قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإن اشتبه عليه ماءان طاهر ونجس تحرى فيهما فما غلب على ظنه طهارته منهما توضأ به لأنه سبب من أسباب الصلاة يمكن التوصل إليه بالاستدلال ، فجاز له الاجتهاد فيه عند الاشتباه كالقبلة ) .

                                      التالي السابق


                                      ( الشرح ) إذا اشتبه ماءان طاهر ونجس ففيه ثلاثة أوجه ، الصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور وتظاهرت عليه نصوص الشافعي رحمه الله أنه لا تجوز الطهارة بواحد منهما إلا إذا اجتهد وغلب على ظنه طهارته بعلامة تظهر . فإن ظنه بغير علامة تظهر لم تجز الطهارة به ( والثاني ) تجوز الطهارة [ ص: 234 ] به إذا ظن طهارته وإن لم تظهر علامة بل وقع في نفسه طهارته ، فإن لم يظن لم تجز . حكاه الخراسانيون وصاحب البيان ( والثالث ) يجوز استعمال أحدهما بلا اجتهاد ، ولا ظن ، لأن الأصل طهارته حكاه الخراسانيون أيضا قال إمام الحرمين وغيره : الوجهان الأخيران ضعيفان والتفريع بعد هذا على المذهب وهو وجوب الاجتهاد واشتراط ظهور علامة ، وسواء عندنا كان عدد الطاهر أكثر أو أقل حتى لو اشتبه إناء طاهر بمائة إناء نجسة تحرى فيها ، وكذلك الأطعمة والثياب ، هذا مذهبنا وبمثله قال بعض أصحاب مالك ، وكذا قال بمثله أبو حنيفة في القبلة والأطعمة والثياب ، وأما الماء فقال لا يتحرى إلا بشرط أن يكون عدد الطاهر أكثر من عدد النجس .

                                      وقال أحمد وأبو ثور والمزني : لا يجوز التحري في المياه بل يتيمم ، وهذا هو الصحيح عند أصحاب مالك ثم اختلف هؤلاء فقال أحمد : لا يتيمم حتى يريق الماء في إحدى الروايتين وقال المزني وأبو ثور : يتيمم ويصلي ولا إعادة وإن لم يرقه ، وقال عبد الملك بن الماجشون ( بكسر الجيم وضم الشين المعجمة ) من أصحاب مالك : يتوضأ بكل واحد ويصلي بعد الوضوءين ولا يعيد الصلاة وقال محمد بن سلمة من أصحاب مالك : يتوضأ بأحدهما ثم يصلي ثم يتوضأ بالآخر ثم يعيد الصلاة ، ونقل القاضي أبو الطيب عن أكثر العلماء جواز الاجتهاد في الثياب . قال ابن الماجشون ومحمد بن سلمة : يصلي في كل ثوب مرة ، وأجمعت الأمة على الاجتهاد في القبلة .

                                      احتج لأحمد والمزني بأنه إذا اجتهد قد يقع في النجس ; ولأنه اشتبه طاهر بنجس فلم يجز الاجتهاد كما لو اشتبه ماء وبول ، وأما الماجشون وابن سلمة فقالا : هو قادر على إسقاط الفرض بيقين باستعمالهما فلزمه ، واحتج أصحابنا على الطائفتين بالقياس على القبلة ، وبالقياس على الاجتهاد في الأحكام وفي تقويم المتلفات وإن كان قد يقع في الخطأ . وأما الجواب عن الماء والبول من أوجه ( أحدها ) أن الاجتهاد يرد الماء [ ص: 235 ] إلى أصله بخلاف البول ( والثاني ) أن الاشتباه في الماء يكثر فدعت الحاجة إلى الاجتهاد فيهما بخلاف الماء والبول ( والثالث ) أن إلحاق المياه بالقبلة أولى ، وأما قول ابن الماجشون فضعيف بل باطل ; لأن أمره بالصلاة بنجاسة متيقنة وبالوضوء بماء نجس ، وأما أبو حنيفة فاحتج له في اشتراط زيادة عدد الطاهر بحديث الحسن بن علي رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { دع ما يريبك إلى ما لا يريبك } حديث حسن رواه الترمذي والنسائي ، قال الترمذي : حديث حسن صحيح قالوا : فكثرة النجس تريب فوجب تركه والعدول إلى ما لا ريب فيه وهو التيمم قالوا : ولأن الأصول مقررة على أن كثرة الحرام واستواء الحلال والحرام يوجب تغليب حكمه في المنع كأخت أو زوجة اختلطت بأجنبية ، ولأنه استوى الطاهر والنجس فأشبه الماء والبول ، واحتج أصحابنا بقول الله تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا } وهذا واجد فلم يجز التيمم ، وقياسا على الثياب والأطعمة والقبلة فإنه يجوز الاجتهاد فيها باتفاقنا مع زيادة عدد الخطأ .

                                      فإن قالوا : إنما جاز الاجتهاد في الثياب لأنها أخف حكما بدليل أنه يعفى عن النجاسة اليسيرة فيها ، فالجواب من وجهين ( أحدهما ) لا نسلم أن الماء يخالف الثياب في هذا بل يعفى عن النجاسة فيه إذا بلغ قلتين ، وكذا في دون القلتين إذا كانت نجاسة لا يدركها الطرف أو ميتة لا نفس لها سائلة على الأصح فيهما ( الثاني ) أن هذا الفرق لما لم يوجب فرقا بينهما إذا زاد عدد الطاهر لم يوجبه إذا استويا . فإن قالوا : إنما جاز الاجتهاد في الثياب لأن الضرورة تبيحها إذا لم يجد غيرها بخلاف الماء ، فالجواب من وجهين ( أحدهما ) لا نسلم أن الثوب النجس تباح الصلاة فيه لعدم غيره بل يصلي عاريا ولا إعادة .

                                      ( الثاني ) لا يجوز اعتبار الاشتباه بحال الضرورة بل بحال الاختيار وهما فيه سواء

                                      ( وأما الجواب ) عن الحديث فهو أن الريبة زالت بغلبة الظن بطهارته وبقيت الريبة في صحة التيمم مع وجود هذا الماء ، وأما قياسهم على الأجنبية المشتبهة بأخته فجوابه من وجهين ( أحدهما ) أنه قياس فاسد لأن الأخت مع [ ص: 236 ] أجنبية أو أجنبيات لا يجري فيهن التحري بحال ، بل إن اختلطت الأخت بمحصورات لم يجز نكاح واحدة منهن وإن اختلطت بغير محصورات نكح من أراد منهن بلا تحر وإذا لم يجز فيهن التحري بحال وقد اتفقنا على جريانه في الماء إذا كان الطاهر أكثر لم يصح إلحاق أحدهما بالآخر ( الثاني ) أن الاشتباه في النساء نادر بخلاف الماء فدعت الحاجة إلى التحري فيه دونهن . وأما قياسهم على اختلاط زوجته بأجنبيات فجوابه من أربعة أوجه ( أحدها ) ندرة ذلك بخلاف الماء ( الثاني ) أن التحري يرد الشيء إلى أصله فالماء يرجع إلى أصله وهو الطهارة فأثر فيه الاجتهاد ، وأما الوطء فالأصل تحريمه ( الثالث ) أن في مسألة الزوجة لو زاد عدد المباح لم يتحر بخلاف الماء ( الرابع ) إذا تردد فرع بين أصلين ألحق بأشبههما به وشبه المياه بالثياب والقبلة أكثر فألحق بها دون الزوجة . وأما قياسهم على الماء والبول فجوابه من أوجه ( أحدها ) التحري يرد الماء إلى أصله وهو الطهارة بخلاف البول ( الثاني ) الاشتباه في المياه يكثر وتعم به البلوى بخلاف الماء والبول ( الثالث ) لا نسلم أن امتناع التحري في الماء والبول لعدم زيادة الطاهر ، بل لأن البول ليس مما يجتهد فيه بحال ، ولهذا لو زاد عدده لم يجز التحري والله أعلم .

                                      ( فرع ) قول المصنف : " توضأ به لأنه سبب من أسباب الصلاة يمكن التوصل إليه بالاستدلال فجاز الاجتهاد فيه عند الاشتباه كالقبلة " الضمير في " لأنه " يعود إلى الوضوء أو التطهير الذي دل عليه قوله توضأ به ، وقوله " سبب " أراد به الشرط ، فإن الوضوء شرط للصلاة لا سبب لها فإن الشرط ما يعدم الحكم لعدمه ، والسبب ما توصل به إلى الحكم ، فتساهل المصنف بإطلاق السبب على الشرط واحترز به عن الشك في عدد الركعات والركوع والسجود وغير ذلك من أجزاء الصلاة . وقوله : " من أسباب الصلاة " أي : شروطها وقد صرح بما ذكرناه في باب طهارة البدن فيما إذا اشتبه ثوبان فقال تحرى فيهما ; لأنه شرط من شروط [ ص: 237 ] الصلاة ، وفيه احتراز من الذكاة فإنها شرط ، ولكن ليست شرطا في الصلاة بل في حل الحيوان ولا يدخلها الاجتهاد فيما إذا اشتبهت ميتة بمذكاة . وقوله : " يمكن التوصل إليه بالاستدلال " احتراز مما إذا شك هل توضأ أم لا أو هل غسل عضوه أم لا ، ومن القبلة في حق الأعمى ، وقاس المصنف على القبلة لأنها مجمع على الاجتهاد فيها . وقوله : " فجاز الاجتهاد فيه عند الاشتباه كالقبلة " كلام صحيح ومراده الرد على من منع الاجتهاد كما سبق . وإذا ثبت جوازه فقد يجب إذا لم يقدر على غيره وضاق وقت الصلاة ، وقد لا يجب بأن لا يكون كذلك ، وقد يعترض على المصنف فيقال : كان ينبغي أن يقول : فوجب الاجتهاد ، وهذا اعتراض باطل لما ذكرناه .

                                      ( فرع ) أما كيفية الاجتهاد فقال صاحب البيان : قال أصحابنا العراقيون هو أن ينظر إلى الإناءين ويميز الطاهر منهما بتغير لون أو ريح أو اضطراب فيه أو رشاش حوله أو يرى أثر كلب إلى أحدهما أقرب ونحو ذلك ، فإذا فعل ذلك غلب على ظنه نجاسة أحدهما لوجود بعض هذه العلامات وطهارة الآخر لعدمها قال : فأما ذوق الماء فلا يجوز لاحتمال نجاسته ، قال : وأما الخراسانيون فقالوا : هل يحتاج إلى نوع دليل ؟ فيه وجهان ( أحدهما ) نعم كالمجتهد في الأحكام ( والثاني ) لا ، قال : وهذا ليس بشيء وهذا الذي حكاه عن العراقيين هو كذلك في كتبهم ، وكذا نقله أيضا البغوي عن العراقيين . وقد قدمنا ثلاثة أوجه في أنه تشترط العلامة أم يكفيه الظن بلا علامة ؟ أم يجوز الهجوم بلا علامة ولا ظن ولا اجتهاد ؟ والصحيح اشتراط العلامة كما إذا اشتبهت القبلة فإنه لا بد من علامة بلا خلاف وكذا القاضي والمفتي يشترط ظهور دليل له بلا خلاف ، قال إمام الحرمين : ولأن الأمور الشرعية لا تبنى على الإلهامات والخواطر ، ومن اكتفى بالظن قال : يجوز استعماله اعتمادا على الأصل والظاهر . وفرق القاضي حسين وصاحبه البغوي وغيرهما بينه وبين القبلة بأن جهة القبلة مشاهدة ولها علامات ظاهرة تعلم بها إذا أتقن النظر علما يقينا . والأواني لا طريق إلى اليقين فيها فكفى الظن والله أعلم




                                      الخدمات العلمية