الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فصل في تلخيص جملة من حال الشافعي رضي الله عنه . اعلم أنه كان من أنواع المحاسن بالمقام الأعلى ، والمحل الأسنى ، لما جمعه الله الكريم له من الخيرات ، ووفقه له من جميل الصفات ، وسهله عليه من أنواع المكرمات . فمن ذلك شرف النسب الطاهر ، والعنصر الباهر ، واجتماعه هو ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في النسب ، وذلك غاية الفضل ، ونهاية الحسب ، ومن ذلك شرف المولد ، والمنشأ ، فإنه ولد بالأرض المقدسة ، ونشأ بمكة ، ومن ذلك أنه جاء بعد أن مهدت الكتب ، وصنفت ، وقررت الأحكام ، ونقحت . فنظر في مذاهب المتقدمين ، وأخذ عن الأئمة المبرزين ، وناظر الحذاق المتقنين ، فنظر مذاهبهم ، وسبرها ، وتحققها ، وخبرها ، فلخص منها طريقة جامعة للكتاب ، والسنة ، والإجماع ، والقياس ، ولم يقتصر على بعض ذلك ، وتفرغ للاختيار ، والترجيح ، والتكميل ، والتنقيح ، مع جمال قوته ، وعلو همته ، وبراعته في جميع أنواع الفنون ، واضطلاعه منها أشد اضطلاع ، وهو المبرز في الاستنباط من الكتاب ، والسنة ، البارع في معرفة الناسخ ، والمنسوخ ، والمجمل ، والمبين ، والخاص ، والعام ، وغيرها من تقاسيم الخطاب ، فلم يسبقه أحد إلى فتح هذا الباب ; لأنه أول من صنف أصول الفقه بلا خلاف ، ولا ارتياب ، وهو الذي لا يساوى بل لا يدانى في معرفة كتاب الله تعالى ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد بعضها إلى بعض ، وهو الإمام الحجة في لغة العرب ، ونحوهم ، فقد اشتغل في العربية [ ص: 27 ] عشرين سنة مع بلاغته ، وفصاحته ، ومع أنه عربي اللسان ، والدار ، والعصر ، وبها يعرف الكتاب والسنة ، وهو الذي قلد المنن الجسيمة جميع أهل الآثار ، وحملة الأحاديث ، ونقلة الأخبار ، بتوقيفه إياهم على ، معاني السنن ، وتنبيههم ، وقذفه بالحق على باطل مخالفي السنن ، وتمويههم ، فنعشهم بعد أن كانوا خاملين ، وظهرت كلمتهم على جميع المخالفين ، ودمغوهم بواضحات البراهين حتى ظلت أعناقهم لها خاضعين . قال محمد بن الحسن رحمه الله : إن تكلم أصحاب الحديث يوما ما فبلسان الشافعي ، يعني لما وضع من كتبه ، وقال الحسن بن محمد الزعفراني : كان أصحاب الحديث رقودا فأيقظهم الشافعي فتيقظوا ، وقال أحمد بن حنبل رحمه الله : ما أحد مس بيده محبرة ، ولا قلما إلا وللشافعي في رقبته منة ، فهذا قول إمام أصحاب الحديث ، وأهله ، ومن لا يختلفون في ورعه ، وفضله . ومن ذلك أن الشافعي رحمه الله مكنه الله من أنواع العلوم حتى عجز لديه المناظرون من الطوائف ، وأصحاب الفنون ، واعترف بتبريزه ، وأذعن الموافقون ، والمخالفون في المحافل المشهورة الكبيرة ، المشتملة على أئمة عصره في البلدان ، وهذه المناظرات معروفة موجودة في كتبه رضي الله عنه وفي كتب الأئمة المتقدمين ، وال متأخرين ، وفي كتاب الأم للشافعي رحمه الله من هذه المناظرات جمل من العجائب ، والآيات ، والنفائس الجليلات ، والقواعد المستفادات ، وكم من مناظرة ، وقاعدة فيه يقطع كل من وقف عليها ، وأنصف ، وصدق : أنه لم يسبق إليها ، ومن ذلك أنه تصدر في عصر الأئمة المبرزين للإفتاء ، والتدريس ، والتصنيف ، وقد أمره بذلك شيخه أبو خالد مسلم بن خالد الزنجي ، إمام أهل مكة ، ومفتيها ، وقال له : افت يا أبا عبد الله فقد ، والله آن لك أن تفتي وكان للشافعي إذ ذاك خمس عشرة سنة . وأقاويل أهل عصره في هذا كثيرة مشهورة ، وأخذ عن الشافعي العلم في سن الحداثة ، مع توفر العلماء في ذلك العصر ، وهذا من الدلائل الصريحة لعظم جلالته ، وعلو مرتبته ، وهذا كله من المشهور المعروف في كتب مناقبه ، وغيرها ، ومن ذلك شدة اجتهاده في نصرة الحديث ، واتباع السنة ، وجمعه في مذهبه بين أطراف الأدلة ، مع الإتقان ، والتحقيق ، والغوص التام على المعاني ، والتدقيق ، حتى لقب حين قدم العراق بناصر الحديث ، وغلب في عرف [ ص: 28 ] العلماء المتقدمين ، والفقهاء الخراسانيين على متبعي مذهبه لقب ( أصحاب الحديث ) في القديم ، والحديث ، وقد روينا عن الإمام أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة المعروف بإمام الأئمة ، وكان من حفظ الحديث ، ومعرفة السنة بالغاية العالية أنه سئل هل تعلم سنة صحيحة لم يودعها الشافعي كتبه ؟ قال : لا ، ومع هذا فاحتاط الشافعي رحمه الله لكون الإحاطة ممتنعة على البشر ، فقال ما قد ثبت عنه رضي الله عنه من أوجه من وصيته بالعمل بالحديث الصحيح ، وترك قوله المخالف للنص الثابت الصريح ، وقد امتثل أصحابنا رحمهم الله وصيته ، وعملوا بها في مسائل كثيرة مشهورة ، كمسألة التثويب في الصبح ، ومسألة اشتراط التحليل في الحج بعذر ، وغير ذلك ، وستراها في مواضعها إن شاء الله تعالى ، ومن ذلك تمسكه بالأحاديث الصحيحة ، واعتراضه على الأخبار الواهية الضعيفة ، ولا نعلم أحدا من الفقهاء اعتنى في الاحتجاج بالتمييز بين الصحيح ، والضعيف كاعتنائه ، ولا قريبا منه ، فرضي الله عنه ، ومن ذلك أخذه رضي الله عنه بالاحتياط في مسائل العبادات ، وغيرها كما هو معروف من مذهبه ، ومن ذلك شدة اجتهاده في العبادة ، وسلوك طرائق الورع ، والسخاء ، والزهادة ، وهذا من خلقه ، وسيرته مشهور معروف ، ولا يتمارى فيه إلا جاهل أو ظالم عسوف ، فكان رضي الله عنه بالمحل الأعلى من متانة الدين ، وهو من المقطوع بمعرفته عند الموافقين ، والمخالفين .

وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل

. وأما سخاؤه ، وشجاعته ، وكمال عقله ، وبراعته فإنه مما اشترك الخواص ، والعوام في معرفته ، فلهذا لا أستدل له لشهرته ، وكل هذا مشهور في كتب المناقب من طرق ، ومن ذلك ما جاء في الحديث المشهور : { إن عالم قريش يملأ طباق الأرض علما } وحمله العلماء من المتقدمين ، وغيرهم من غير أصحابنا على الشافعي رحمه الله واستدلوا له بأن الأئمة من الصحابة رضي الله عنهم الذين هم أعلام الدين ، لم ينقل عن كل واحد منهم إلا مسائل معدودة ، إذ كانت فتاواهم مقصورة على الوقائع ، بل كانوا ينهون عن السؤال عما لم يقع ، وكانت هممهم مصروفة إلى قتال الكفار لإعلاء كلمة الإسلام ، وإلى مجاهدة النفوس ، والعبادة ، فلم يتفرغوا للتصنيف ، وأما من جاء بعدهم ، وصنف من الأئمة فلم يكن فيهم قرشي قبل الشافعي ولم يتصف بهذه الصفة أحد قبله ، ولا بعده . وقد قال الإمام أبو زكريا يحيى بن زكريا الساجي في كتابه المشهور في [ ص: 29 ] الخلاف إنما بدأت بالشافعي قبل جميع الفقهاء ، وقدمته عليهم ، وإن كان فيهم أقدم منه اتباعا للسنة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { قدموا قريشا ، وتعلموا من قريش } ، وقال الإمام أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الاسترابازي صاحب الربيع بن سليمان المرادي : في هذا الحديث علامة بينة إذا تأمله الناظر المميز ، علم أن المراد به رجل من علماء هذه الأمة من قريش ، ظهر علمه ، وانتشر في البلاد ، وكتب كما تكتب المصاحف ، ودرسه المشايخ ، والشبان في مجالسهم ، واستظهروا أقاويله ، وأجروها في مجالس الحكام ، والأمراء ، والقراء ، وأهل الآثار ، وغيرهم ، قال : وهذه صفة لا نعلم أنها أحاطت بأحد إلا بالشافعي ، فهو عالم قريش الذي دون العلم ، وشرح الأصول ، والفروع ، ومهد القواعد . قال البيهقي بعد رواية كلام أبي نعيم : وإلى هذا ذهب أحمد بن حنبل في تأويل الخبر . ومن ذلك مصنفات الشافعي في الأصول ، والفروع التي لم يسبق إليها كثرة ، وحسنا ، فإن مصنفاته كثيرة مشهورة ، كالأم في نحو عشرين مجلدا ، وهو مشهور ، وجامع المزني الكبير ، وجامعه الصغير ، ومختصريه الكبير ، والصغير ، ومختصر البويطي ، والربيع . وكتاب حرملة ، وكتاب الحجة ، وهو القديم ، والرسالة القديمة ، ، والرسالة الجديدة ، والأمالي ، والإملاء ، وغير ذلك مما هو معلوم من كتبه ، وقد جمعها البيهقي في المناقب . قال القاضي الإمام أبو محمد الحسين بن محمد المروزي في خطبة تعليقه : قيل : إن الشافعي رحمه الله صنف مائة ، وثلاثة عشر كتابا في التفسير ، والفقه ، والأدب ، وغير ذلك ، وأما حسنها فأمر يدرك بمطالعتها فلا يتمارى في حسنها موافق ، ولا مخالف ، وأما كتب أصحابه التي هي شروح لنصوصه ، ومخرجة على أصوله ، مفهومة من قواعده فلا يحصيها مخلوق مع عظم فوائدها ، وكثرة عوائدها ، وكبر حجمها ، وحسن ترتيبها ، ونظمها ، كتعليق الشيخ أبي حامد الإسفراييني ، وصاحبيه القاضي أبي الطيب ، وصاحب الحاوي ، ، ونهاية المطلب لإمام الحرمين ، وغيرها مما هو مشهور معروف ، وهذا من المشهور الذي هو أظهر من أن يظهر ، وأشهر من أن يشهر ، وكل هذا مصرح بغزارة علمه ، وجزالة كلامه ، وصحة نيته في علمه ، وقد نقل عنه مستفيضا من صحة نيته في علمه نقول كثيرة مشهورة ، وكفى بالاستقراء في ذلك دليلا قاطعا ، وبرهانا صادعا . [ ص: 30 ] قال الساجي في أول كتابه في الخلاف : سمعت الربيع يقول سمعت الشافعي يقول : " وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم على أن لا ينسب إلي حرف منه " فهذا إسناد لا يتمارى في صحته فكتاب الساجي متواتر عنه ، وسمعه من إمام عن إمام ، وقال الشافعي رحمه الله : ما ناظرت أحدا قط على الغلبة ، ووددت إذا ناظرت أحدا أن يظهر الله الحق على يديه " ، ونظائر هذا كثيرة مشهورة عنه ، ومن ذلك مبالغته في الشفقة على المتعلمين ، وغيرهم ، ونصيحته لله تعالى ، وكتابه ، ورسوله صلى الله عليه وسلم ، والمسلمين ، وذلك هو الدين كما صح عن سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وهذا الذي ذكرته ، وإن كان كله معلوما مشهورا فلا بأس بالإشارة إليه ليعرفه من لم يقف عليه ، فإن هذا المجموع ليس مخصوصا ببيان الخفيات ، وحل المشكلات .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث