الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          جزء صفحة
                          إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ الْأُولَى بَيَانٌ لِحَالِ فَرِيقٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الْكُفَّارِ ، الَّذِينَ عَادُوا النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَقَاتَلُوهُ بَعْدَ بَيَانِ حَالِ مُشْرِكِي قَوْمِهِ فِي قِتَالِهِمْ لَهُ فِي بَدْرٍ ، وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْفَرِيقِ : الْيَهُودُ الَّذِينَ كَانُوا فِي بِلَادِ الْعَرَبِ كُلِّهَا أَوِ الْحِجَازِ مِنْهَا ، وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدِي . قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : نَزَلَتْ فِي سِتَّةِ رَهْطٍ مِنَ الْيَهُودِ مِنْهُمُ ابْنُ تَابُوتٍ اهـ . أَوْ يَهُودُ الْمَدِينَةِ أَوْ بَنُو قُرَيْظَهَ مِنْهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ ، وَكَانَ زَعِيمَهُمِ الطَّاغُوتُ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ كَأَبِي جَهْلٍ فِي مُشْرِكِي مَكَّةَ - وَالْآيَةُ الرَّابِعَةُ فِي حُكْمِ أَمْثَالِ هَؤُلَاءِ الْخَوَنَةِ ، وَالْخَامِسَةُ فِي تَهْدِيدِهِمْ ، وَتَأْمِينِ الرَّسُولِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مِنْ عَاقِبَةِ كَيْدِهِمْ . قَالَ تَعَالَى : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ أَيْ : إِنَّ شَرَّ مَا يَدِبُّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ عِنْدَ اللَّهِ أَيْ فِي حُكْمِهِ الْعَدْلِ عَلَى الْخَلْقِ ، هُمُ الْكُفَّارُ الَّذِينَ جَمَعُوا مَعَ أَصْلِ الْكُفْرِ الْإِصْرَارَ عَلَيْهِ وَالرُّسُوخَ فِيهِ بِحَيْثُ لَا يُرْجَى إِيمَانُهُمْ جُمْلَتُهُمْ أَوْ إِيمَانُ جُمْهُورِهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ بَيْنَ رُؤَسَاءَ حَاسِدِينَ لِلرَّسُولِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مُعَانِدِينَ لَهُ جَاحِدِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ الْمُؤَيِّدَةِ لِرِسَالَتِهِ عَلَى عِلْمٍ ، عَلَى التَّقْلِيدِ لَا يَنْظُرُونَ فِي الدَّلَائِلِ وَالْآيَاتِ ، وَلَا يَبْحَثُونَ فِي الْحُجَجِ وَالْبَيِّنَاتِ ، حَتَّى حَمَلَهُمْ ذَلِكَ عَلَى نَقْضِ الْعُهُودِ ، وَنَكْثِ الْأَيْمَانِ بِحَيْثُ لَا حِيلَةَ فِي الْحَيَاةِ مَعَهُمْ أَوْ فِي جِوَارِهِمْ حَيَاةَ سَلْمٍ وَأَمَانٍ كَمَا ثَبَتَ بِالتَّجْرِبَةِ . عَبَّرَ عَنْهُمْ بِالدَّوَابِّ وَهُوَ اللَّفْظُ الَّذِي غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْبَهَائِمِ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ أَوْ فِيمَا يُرْكَبُ مِنْهَا لِإِفَادَةِ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ شِرَارِ الْبَشَرِ فَقَطْ ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ مِنْ عَجْمَاوَاتِ الدَّوَابِّ ؛ لِأَنَّ فِيهَا مَنَافِعَ لِلنَّاسِ ، وَهَؤُلَاءِ لَا خَيْرَ فِيهِمْ ، وَلَا نَفْعَ لِغَيْرِهِمْ مِنْهُمْ ، فَإِنَّهُمْ لِشِدَّةِ تَعَصُّبِهِمْ لِجِنْسِهِمْ قَدْ صَارُوا أَعْدَاءً لِسَائِرِ الْبَشَرِ . كَمَا قَالَ فِي وَصْفِ أَمْثَالِهِمْ : أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ( 25 : 44 ) وَكَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ 22 مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ وَقَدِ اقْتَبَسَ أُسْتَاذُنَا الْإِمَامُ هَذَا الِاسْتِعْمَالَ فَقَالَ فِي مَقَالَةٍ مِنْ مَقَالَاتِ الْعُرْوَةَ الْوُثْقَى : وَكَثِيرٌ مِمَّنْ عَلَى شَكْلِ الْإِنْسَانِ يَحْيَا حَيَاتَهُ هَذِهِ بِرُوحِ حَيَوَانٍ آخَرَ ، وَهُوَ يُعَانِي تَحْصِيلَ شَهَوَاتِهَا أَوْ قَالَ كَلِمَةً أُخْرَى قَرِيبَةً مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا يُعَانِيهِ الْإِنْسَانُ فِي إِبْرَازِ مَزَايَا الْإِنْسَانِ . وَقَالَ : الَّذِينَ كَفَرُوا فَعَبَّرَ عَنْهُمْ بِفِعْلِ الْكُفْرِ دُونَ الْوَصْفِ ( الْكَافِرُونَ ) لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ فَعَرَضَ لَهُمُ الْكُفْرُ ، وَهَذَا ظَاهَرٌ فِي جُمْلَةِ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَمَا كَفَرُوا بِمَنْ قَبْلَهُ ، وَهُمْ فِي عُرْفِ الْقُرْآنِ مُتَكَافِلُونَ مُتَشَابِهُونَ ، آخِرُهُمْ فِي ذَلِكَ كَأَوَّلِهِمْ ، وَهُمْ أَظْهَرُ فِي يَهُودِ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ كَانُوا فِي عَصْرِ الرِّسَالَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ سَيَبْعَثُ النَّبِيَّ الْكَامِلَ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ مُوسَى فِي التَّوْرَاةِ كَمَا تَقَدَّمَ مُفْصَلًا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ ، وَمُجْمَلًا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَغَيْرِهَا . وَكَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ يُبْعَثُ مِنَ الْعَرَبِ ؛ لِأَنَّ مِنْ نُصُوصِ التَّوْرَاةِ الْمَوْجُودَةِ إِلَى الْآنِ أَنَّهُ تَعَالَى يَبْعَثُ لَهُمْ نَبِيًّا مِثْلَ مُوسَى بَيْنَ بَنِي إِخْوَتِهِمْ أَيْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ ، وَكَانُوا يَطْمَعُونَ فِي أَنْ يَكُونَ هَذَا النَّبِيُّ مِنْهُمْ ، وَيَرَوْنَ أَنَّهُ يَكْفِي فِي صِحَّةِ خَبَرِ التَّوْرَاةِ ظُهُورُهُ بَيْنَ الْعَرَبِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ بِزَعْمِهِمْ مُحْتَكَرَةٌ مُحْتَجَنَةٌ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ، عَلَى مَا اعْتَادُوا مِنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّأْوِيلِ . وَقَالَ : فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ " كَفَرُوا " لَا تَقْتَضِي الثَّبَاتَ عَلَى الْكُفْرِ دَائِمًا ، فَعَطَفَ عَلَيْهَا الْإِخْبَارَ بِأَنَّ كُفْرَهُمْ دَائِمٌ لَا يَرْجِعُونَ عَنْهُ فِي جُمْلَتِهِمْ ، حَتَّى يَيْئَسَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ مِمَّا كَانُوا يَرْجِعُونَ مِنْ إِيمَانِهِمْ ، وَهَذَا لَا يُنَافِي وُقُوعَ الْإِيمَانِ مِنْ بَعْضِهِمْ وَقَدْ وَقَعَ ، وَهَذَا الْخَبَرُ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ ، ثُمَّ أَيْأَسَهُمْ مِنْ ثَبَاتِهِمْ عَلَى السَّلْمِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ بِمُقْتَضَى الْعَهْدِ بَعْدَ إِيئَاسِهِمْ مِنَ اهْتِدَائِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَ :

                          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                          الخدمات العلمية