الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          جزء صفحة
                          إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى الْعُدْوَةُ مُثَلَّثَةُ الْعَيْنِ لُغَةً جَانِبُ الْوَادِي ، وَهِيَ مِنَ الْعَدْوِ [ كَالْغَزْوِ ] الَّذِي مَعْنَاهُ التَّجَاوُزُ ، وَقَدْ قَرَأَهَا الْجُمْهُورُ بِضَمِّ الْعَيْنِ ، وَقَرَأَهَا ابْنُ كَثِيرٍ وَيَعْقُوبُ وَأَبُو عَمْرٍو بِكَسْرِهَا ، وَمِنْ غَيْرِ السَّبْعِ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ وَزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِمَا بِفَتْحِهَا ، وَالدُّنْيَا مُؤَنَّثُ الْأَدْنَى وَهُوَ الْأَقْرَبُ ، وَالْقُصْوَى مُؤَنَّثُ الْأَقْصَى وَهُوَ الْأَبْعَدُ ، وَالْمَعْنَى : إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ ، وَمَا أَنْزَلَنَا عَلَى عَبْدِنَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي كُنْتُمْ فِيهِ مُرَابِطِينَ بِأَقْرَبِ الْجَانِبَيْنِ مِنَ الْوَادِي إِلَى الْمَدِينَةِ وَفِيهِ الْمَاءُ ، وَنَزَلَ الْمَطَرُ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ مَعَ بَيَانِ فَوَائِدِهِ ، وَالْأَعْدَاءُ فِي الْجَانِبِ الْأَبْعَدِ عَنْهَا ، وَلَا مَاءَ فِيهِ ، وَأَرْضُهُ رَخْوَةٌ تَسُوخُ فِيهَا الْأَقْدَامُ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ الْمُرَادُ بِالرَّكْبِ الْعِيرُ الَّتِي خَرَجَ الْمُسْلِمُونَ لِلِقَائِهَا ، إِذْ كَانَ أَبُو سُفْيَانَ قَادِمًا بِهَا مِنَ الشَّامِ أَوْ أَصْحَابُهَا ، وَهُوَ اسْمُ جَمْعِ رَاكِبٍ ، أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الرَّكْبَ فِي مَكَانٍ أَسْفَلَ مِنْ مَكَانِكُمْ ، وَهُوَ سَاحِلُ الْبَحْرِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ هُوَ السَّبَبُ لِالْتِقَاءِ الْجَمْعَيْنِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ ، وَلَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخَذَ الْعِيرَ فِي نَاحِيَةِ الْبَحْرِ لَتَبِعُوهَا وَمَا الْتَقَوْا هُنَاكَ بِالْكُفَّارِ ، وَلَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، وَلِذَلِكَ قَالَ : وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ أَيْ : وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ أَنْتُمْ وَهُمُ التَّلَاقِيَ لِلْقِتَالِ هُنَالِكَ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ ، لِكَرَاهَتِكُمْ لِلْحَرْبِ عَلَى قَتْلِكُمْ ، وَعَدَمِ إِعْدَادِكُمْ شَيْئًا مِنَ الْعُدَّةِ لَهَا ، وَانْحِصَارِ هِمَمِكُمْ فِي أَخْذِ الْعِيرِ ، وَلِأَنَّ غَرَضَ الْأَكْثَرِينَ مِنْهُمْ كَانَ إِنْقَاذَ الْعِيرِ دُونَ الْقِتَالِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَهَابُونَ قِتَالَ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَلَا يَأْمَنُوا نَصْرَ اللَّهِ لَهُ ؛ لِأَنَّ كُفْرَ أَكْثَرِهِمْ بِهِ كَانَ عِنَادًا وَاسْتِكْبَارًا لَا اعْتِقَادًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ أَوَائِلِ السُّورَةِ بَيَانُ حَالِ الْفَرِيقَيْنِ الْمُقْتَضِي لِاخْتِلَافِ الْمِيعَادِ لَوْ حَصَلَ ، وَلِإِرَادَةِ اللَّهِ هَذَا التَّلَاقِيَ وَتَقْدِيرِ أَسْبَابِهِ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا أَيْ : وَلَكِنْ تَلَاقَيْتُمْ هُنَالِكَ عَلَى غَيْرِ مَوْعِدٍ ، وَلَا رَغْبَةٍ فِي الْقِتَالِ ، لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ ثَابِتًا فِي عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ أَنَّهُ وَاقِعٌ مَفْعُولٌ لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَهُوَ الْقِتَالُ الْمُفْضِي إِلَى خِزْيِهِمْ وَنَصْرِكُمْ عَلَيْهِمْ ، وَإِظْهَارِ دِينِهِ وَصِدْقِ وَعْدِهِ لِرَسُولِهِ كَمَا تَقَدَّمَ . لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ أَيْ : فَعَلَ ذَلِكَ ، لِيَتَرَتَّبَ عَلَى قَضَاءِ هَذَا الْأَمْرِ أَنْ يَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ مِنَ الْكُفَّارِ عَنْ حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ مُشَاهَدَةٍ بِالْبَصَرِ عَلَى حَقِّيَّةِ الْإِسْلَامِ ، بِإِنْجَازِ وَعْدِهِ تَعَالَى لِلنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَمِنْ مَعَهُ ، بِحَيْثُ تَنْفِي الشُّبْهَةَ ، وَتَقْطَعُ لِسَانَ الِاعْتِذَارِ عِنْدَ اللَّهِ عِنْدَ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ ، وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ بَيِّنَةٍ قَطْعِيَّةٍ حِسِّيَّةٍ ، كَذَلِكَ فَيَزْدَادُوا يَقِينًا بِالْإِيمَانِ ، وَنَشَاطًا فِي الْأَعْمَالِ ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَبُو بَكْرٍ وَيَعْقُوبُ حَيِيَ ( كَتَعِبَ ) بِفَكِّ الْإِدْغَامِ وَالْبَاقُونَ بِإِدْغَامِ الْيَاءِ الْأُولَى فِي الثَّانِيَةِ ، وَكُلٌّ مِنَ الْهَلَاكِ وَالْحَيَاةِ هُنَا يَشْمَلُ الْحِسِّيَّ وَالْمَعْنَوِيَّ مِنْهُمَا . وَقَدْ عُرِفَ مَعْنَاهُ مُفَصَّلًا فِي تَفْسِيرِ : اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ( 8 : 24 ) . وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ ، وَلَا مِنْ عَقَائِدِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ ، فَهُوَ يَسْمَعُ مَا يَقُولُ كُلُّ فَرِيقٍ مِنَ الْأَقْوَالِ الصَّادِرَةِ عَنْ عَقِيدَتِهِ ، وَالْأَعْذَارِ الَّتِي يَعْتَذِرُ بِهَا عَنْ تَقْصِيرِهِ فِي أَعْمَالِهِ ، عَلِيمٌ بِمَا يُخْفِيهِ وَيُكِنُّهُ مِنْ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ ، فَيُجَازِي كُلًّا بِحَسَبِ مَا يَعْلَمُ ، وَمَا يَسْمَعُ مِنْهُ - وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ : أَنَّ هَذَا الْفُرْقَانَ الَّذِي رَتَّبَهُ اللَّهُ عَلَى غَزْوَةِ بَدْرٍ قَامَتْ بِهِ حُجَّةُ اللَّهِ الْبَالِغَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِنَصْرِهِمْ كَمَا بَشَّرَهُمْ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَهِيَ حُجَّتُهُ الْبَالِغَةُ عَلَى الْكَافِرِينَ بِخِذْلَانِهِمْ ، وَانْكِسَارِهِمْ كَمَا أَنْذَرَهُمْ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِذْ لَا مَجَالَ لِلْمُكَابَرَةِ فِيهَا وَلَا لِلتَّأْوِيلِ . إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا قَوْلُهُ : إِذْ يُرِيكَهُمُ هُنَا كَقَوْلِهِ قَبْلَهُ إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا كِلَاهُمَا بَدَلٌ مِنْ يَوْمِ الْفُرْقَانِ . وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَى رَسُولَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوِ الْوَقْتِ رُؤْيَا مَنَامِيَّةً مَثَّلَ لَهُ فِيهَا عَدَدَ الْمُشْرِكِينَ قَلِيلًا ، فَأَخْبَرَ بِهَا الْمُؤْمِنِينَ فَاطْمَأَنَّتْ قُلُوبُهُمْ ، وَقَوِيَتْ آمَالُهُمْ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَمِنَ الْغَرِيبِ أَلَّا تَرَى فِي دَوَاوِينِ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورَةِ حَدِيثًا مُسْنَدًا فِي هَذِهِ الرُّؤْيَا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ أَيْ : أَحْجَمْتُمْ وَنَكَلْتُمْ عَنْ لِقَائِهِمْ بِشُعُورِ الْجُبْنِ وَالضَّعْفِ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ أَيْ : وَلَوَقَعَ بَيْنَكُمُ النِّزَاعُ ، وَتَفَرُّقُ الْآرَاءِ فِي أَمْرِ الْقِتَالِ ، فَمِنْكُمُ الْقَوِيُّ الْإِيمَانِ وَالْعَزِيمَةِ يَقُولُ : نُطِيعُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَنُقَاتِلُ ، وَمِنْكُمُ الضَّعِيفُ الَّذِي يُثَبِّطُ عَنِ الْقِتَالِ بِمِثْلِ الْأَعْذَارِ الَّتِي جَادَلُوا بِهَا الرَّسُولَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ ( 8 : 6 ) الْآيَةَ . فَإِنْ قُلْتَ : كَيْفَ يَصِحُّ مَعَ هَذَا أَنْ تَكُونَ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ حَقٌّ ، وَأَنَّهَا ضَرْبٌ مِنَ الْوَحْيِ ؟ ( قُلْتُ ) : قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَدَّرَ عَدَدَ الْمُشْرِكِينَ بِأَلْفٍ ، وَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّ عَدَدَهُمْ 313 ، وَلَكِنَّهُ أَخْبَرَهُمْ مَعَ هَذَا أَنَّهُ رَآهُمْ فِي مَنَامِهِ قَلِيلًا لَا أَنَّهُمْ قَلِيلٌ فِي الْوَاقِعِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ أَوَّلُوا الرُّؤْيَا بِأَنَّ بَلَاءَهُمْ يَكُونُ قَلِيلًا ، وَأَنَّ كَيْدَهُمْ يَكُونُ ضَعِيفًا ، فَتَجَرَّءُوا وَقَوِيَتْ قُلُوبُهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ أَيْ : سَلَّمَكُمْ مِنَ الْفَشَلِ وَالتَّنَازُعِ وَتَفَرُّقِ الْكَلِمَةِ وَعَوَاقِبِ ذَلِكَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَيْ : عَلِيمٌ بِمَا فِي الْقُلُوبِ الَّتِي فِي الصُّدُورِ مِنْ شُعُورِ الْجُبْنِ وَالْجَزَعِ الَّذِي تَضِيقُ بِهِ فَتَنْكُلُ عَنِ الْإِقْدَامِ عَلَى الْقِتَالِ ، وَمِنْ شُعُورِ الْإِيمَانِ وَالتَّوَكُّلِ الَّذِي يَبْعَثُ فِيهَا طُمَأْنِينَةَ الشَّجَاعَةِ ، وَالصَّبْرَ فَيَحْمِلُهَا عَلَى الْإِقْدَامِ ، فَيُسَخِّرُ لِكُلٍّ مِنْهَا الْأَسْبَابَ الَّتِي تُفْضِي إِلَى مَا يُرِيدُهُ مِنْهَا . وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا قَوْلُهُ : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ قَبْلَهُ : إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِي مَعْنَاهُ فَجُمِعَ مَعَهُ وَاتَّصَلَ بِهِ - بِخِلَافِ " إِذْ " - فِي الْآيَتَيْنِ قَبْلَهَا ، فَلِذَلِكَ جَاءَتْ كُلٌّ مِنْهُمَا مَفْصُولَةٌ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ . وَالْخِطَابُ هُنَا لِلْمُؤْمِنِينَ كَافَّةً ، وَالرَّسُولُ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مَعَهُمْ . فَالْمَعْنَى : وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الَّذِي يُرِيكُمُ اللَّهُ الْكُفَّارَ - عِنْدَ التَّلَاقِي مَعَهُمْ - قَلِيلًا بِمَا أَوْدَعَ فِي قُلُوبِكُمْ مِنَ الْإِيمَانِ بِوَعْدِ اللَّهِ بِنَصْرِهِ لَكُمْ ، وَبِتَثْبِيتِكُمْ بِمَلَائِكَتِهِ ، وَمِنِ احْتِقَارِهِمْ وَالِاسْتِهَانَةِ بِهِمْ ، وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِقِلَّتِكُمْ بِالْفِعْلِ ، وَلِمَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْغُرُورِ وَالْعُجْبِ . حَتَّى قَالَ أَبُو جَهْلٍ : إِنَّمَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ أَكْلَةُ جَزُورٍ . كَأَنَّهُ يَقُولُ : نَتَغَدَّاهُمْ وَنَتَعَشَّاهُمْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ، وَكَانُوا يَأْكُلُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ جَزُورًا . وَمَعْنَى التَّعْلِيلِ لِيَقْدَمَ كُلٌّ مِنْكُمْ عَلَى قِتَالِ الْآخَرِ : هَذَا وَاثِقًا بِنَفْسِهِ ، مُدِلًّا بِبَأْسِهِ . وَهَذَا مُتَّكِلًا عَلَى رَبِّهِ ، وَاثِقًا بِوَعْدِهِ ، حَتَّى إِذَا مَا الْتَقَيْتُمْ ثَبَّتَكُمْ وَثَبَّطَهُمْ ، فَيَقْضِي بِإِظْهَارِكُمْ عَلَيْهِمْ أَمْرًا كَانَ فِي عِلْمِهِ مَفْعُولًا ، فَهَيَّأَ لَهُ أَسْبَابَهُ ، وَقَدَّرَهَا تَقْدِيرًا ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى جَعْلِ هَذَا الْأَمْرِ الْمَفْعُولِ غَيْرَ الَّذِي ذُكِرَ قَبْلَهُ وَإِنْ سَهُلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ بِاعْتِبَارِ مَبْدَأِ الْأَمْرِ وَغَايَتِهِ ، وَحُسْنِ تَأْثِيرِهِ وَثَمَرَتِهِ ، وَقَدْ كَانَ فِي الْفَرِيقَيْنِ عَظِيمًا ، فَإِنَّ تَكْرَارَ مَا تَقْتَضِي الْحَالُ تَكْرَارَهُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْبَلَاغَةِ ، وَمَقْصِدٌ مِنْ أَهَمِّ مَقَاصِدِهَا ، خِلَافًا لِمَا زَعَمَ مُتَنَطِّعُو الْمُحَسِّنَاتِ اللَّفْظِيَّةِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ فَلَا يُنَفَّذُ شَيْءٌ فِي الْعَالِمِ إِلَّا مَا قَضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدَّرَ أَسْبَابَهُ ، وَإِنَّمَا الْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ قَائِمَانِ بِسُنَنِهِ تَعَالَى فِي الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبَّبَاتِ ، فَهُوَ لَوْ شَاءَ لَخَلَقَ فِي الْقُلُوبِ وَالْأَذْهَانِ مَا أَرَادَهُ بِتَأْثِيرِ مَنَامِ الرَّسُولِ ، وَبِتَقْلِيلِ كُلٍّ مِنَ الْجَمْعَيْنِ فِي أَعْيُنِ الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرَتِّبَهُمَا عَلَى هَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ ، وَلَكِنَّهُ نَاطَ كُلَّ شَيْءٍ بِسَبَبٍ ، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ ، حَتَّى إِنَّ بَعْضَ آيَاتِهِ لِرُسُلِهِ وَتَوْفِيقِهَ لِمَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ يَكُونَانِ بِتَسْخِيرِ الْأَسْبَابِ لَهُمْ ، وَمُوَافَقَةِ اجْتِهَادِهِمْ وَكَسْبِهِمْ لِسُنَنِهِ تَعَالَى فِي الْفَوْزِ وَالْفَلَاحِ ، كَمَا أَنَّ بَعْضَ الْآيَاتِ يَكُونُ بِأَسْبَابٍ غَيْبِيَّةٍ كَتَأْيِيدِ الْمَلَائِكَةِ وَتَثْبِيبِهِمْ أَوْ بِغَيْرِ سَبَبٍ .

                          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                          الخدمات العلمية