الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَإِذَا عَلِمْتَ أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى الِاسْتِطَاعَةِ الْمَذْكُورَة فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [ 3 \ 97 ] فَهَذِهِ أَدِلَّتُهُمْ . أَمَّا الْأَكْثَرُونَ الَّذِينَ فَسَّرُوا الِاسْتِطَاعَةَ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ ، فَحُجَّتُهُمُ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِتَفْسِيرِ الِاسْتِطَاعَةِ فِي الْآيَةِ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ا هـ . أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ الْخُوزِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرِ الْمَخْزُومِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ أَنْ سَاقَهُ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ : أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ . وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ هُوَ الْخُوزِيُّ الْمَكِّيُّ ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ . انْتَهَى مِنَ التِّرْمِذِيِّ . قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ - : تَحْسِينُ التِّرْمِذِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ لَا وَجْهَ لَهُ ; لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ الْخُوزِيَّ الْمَذْكُورُ مَتْرُوكٌ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ ، كَمَا جَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ . وَقَدْ نَقَلَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ عَنِ التِّرْمِذِيِّ : أَنَّهُ لَمَّا سَاقَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ ، قَالَ فِيهِ : حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ الْخُوزِيِّ . وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ . ا هـ . وَمُقْتَضَى مَا نَقَلَ الزَّيْلَعِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يُحَسِّنْهُ ، وَإِنَّمَا وَصَفَهُ بِالْغَرَابَةِ ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ الْخُوزِيَّ لَا يُحْتَجُّ بِهِ . فَلَا يَكُونُ حَدِيثٌ هُوَ فِي إِسْنَادِهِ حَسَنًا . قَالَ صَاحِبُ نَصْبِ الرَّايَةِ : وَلَهُ طَرِيقٌ آخَرُ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي سُنَنِهِ أَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْمُصْفَرُّ ، ثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْمُصْفَرُّ ضَعِيفٌ . اهـ . وَهُوَ كَمَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ ضَعِيفٌ . قَالَ فِي الْمِيزَانِ فِيهِ : رَوَى عَبَّاسٌ عَنْ يَحْيَى لَيْسَ بِثِقَةٍ . وَقَالَ أَحْمَدُ : قَدْ تَرَكْنَا حَدِيثَهُ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ عَنْ شُعْبَةَ : سَكَتُوا عَنْهُ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : مَتْرُوكٌ . ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ عَجَائِبِهِ ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهُوَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ . وَاعْلَمْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ يَزِيدَ الْخُوزِيَّ كَمَا تَابَعَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ الْمُصْفَرِّ الَّذِي ذَكَرْنَا آنِفًا ، أَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، فَقَدْ تَابَعَهُ أَيْضًا فِيهَا غَيْرُهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ . قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ حَدِيثَ إِبْرَاهِيمَ الْخُوزِيِّ الْمَذْكُورِ ، عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ ، وَابْنِ مَاجَهْ : وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِمَا . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَقَدْ تَابَعَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ يَزِيدَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ ، فَرَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَلِكَ . انْتَهَى . وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وَأَعَلَّهُ بِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيِّ ، وَأَسْنَدَ تَضْعِيفَهُ عَنِ النَّسَائِيِّ وَابْنِ مَعِينٍ ثُمَّ قَالَ : وَالْحَدِيثُ مَعْرُوفٌ بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ الْخُوزِيِّ ، وَهُوَ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ غَرِيبٌ . ثُمَّ ذَكَرَ عَنِ الْبَيْهَقِيِّ تَضْعِيفَ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورِ . قَالَ : وَرُوِيَ مِنْ أَوْجُهٍ أُخَرَ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ : وَرُوِّينَاهُ مِنْ أَوْجُهٍ صَحِيحَةٍ ، عَنِ الْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا ، وَفِيهِ قُوَّةٌ لِهَذَا السَّنَدِ . انْتَهَى . ثُمَّ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ بَعْدَ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي نَقَلْنَاهُ عَنْهُ : قَالَ الشَّيْخُ فِي الْإِمَامِ قَوْلَهُ : فِيهِ قُوَّةٌ ، فِيهِ نَظَرٌ . لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَهُمْ : أَنَّ الطَّرِيقَ إِذَا كَانَ وَاحِدًا ، وَرَوَاهُ الثِّقَاتُ مُرْسَلًا ، وَانْفَرَدَ ضَعِيفٌ بِرَفْعِهِ ، أَنْ يُعَلِّلُوا الْمُسْنَدَ بِالْمُرْسَلِ ، وَيَحْمِلُوا الْغَلَطَ عَلَى رِوَايَةِ الضَّعِيفِ . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِضَعْفِ الْمُسْنَدِ ، فَكَيْفَ يَكُونُ تَقْوِيَةً لَهُ . اهـ . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي الْأُصُولِ وَعِلْمِ الْحَدِيثِ . ثُمَّ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ : قَالَ - يَعْنِي الشَّيْخَ - فِي الْإِمَامِ : وَالَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ ، حَدَّثَنَا عِلَّانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، ثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ . وَالْمُرْسَلُ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ ، ثَنَا يُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [ 3 \ 97 ] قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا السَّبِيلُ ؟ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " زَادٌ وَرَاحِلَةٌ " . انْتَهَى . حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ ، ثَنَا مَنْصُورٌ ، عَنِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ . حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ . قَالَ : وَهَذِهِ أَسَانِيدٌ صَحِيحَةٌ إِلَّا أَنَّهَا مُرْسَلَةٌ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا يَثْبُتُ الْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ مُسْنَدًا ، وَالصَّحِيحُ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا ، وَأَمَّا الْمُسْنَدُ فَإِنَّمَا رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ ، ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ . اهـ . مِنْ نَصْبِ الرَّايَةِ . وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورَ لَمْ يُسْنَدْ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ ، وَلَمْ يَثْبُتْ ; لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ الْخُوزِيَّ مَتْرُوكٌ ، وَمُحَمَّدَ بْنَ الْحَجَّاجِ الْمُصْفَرَّ الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ تَابَعَهُ عَلَيْهِ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ مِنْ طَرِيقِهِ لَا يُحْتَجُّ بِهِ كَمَا بَيَّنَّاهُ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مُتَابَعَةَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ لَا تُقَوِّيهِ ; لِأَنَّهُ ضَعِيفٌ ، ضَعَّفَهُ النَّسَائِيُّ ، وَأَعَلَّ الْحَدِيثَ بِهِ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ . وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ : ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : مُنْكَرُ الْحَدِيثِ . وَقَالَ النَّسَائِيُّ : مَتْرُوكٌ . . اهـ مِنْهُ . وَأَمَّا مُرْسَلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ الْمَذْكُورُ ، وَإِنْ كَانَ إِسْنَادُهُ صَحِيحًا إِلَى الْحَسَنِ ، فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ ; لِأَنَّ مَرَاسِيلَ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِهَا . قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : مَرَاسِيلُ الْحَسَنِ فِيهَا ضَعْفٌ . وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ أَيْضًا : وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ : كَانَ الْحَسَنُ جَامِعًا عَالِمًا رَفِيعًا فَقِيهًا ثِقَةً ، مَأْمُونًا ، عَابِدًا ، نَاسِكًا ، كَثِيرَ الْعِلْمِ ، فَصِيحًا ، جَمِيلًا ، وَسِيمًا ، وَكَانَ مَا أَسْنَدَ مِنْ حَدِيثِهِ وَرَوَى عَمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ ، فَهُوَ حُجَّةٌ ، وَمَا أَرْسَلَ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ . وَقَالَ صَاحِبُ تَدْرِيبِ الرَّاوِي فِي شَرْحِ تَقْرِيبِ النَّوَاوِيِّ : وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : مُرْسَلَاتُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَصَحُّ الْمُرْسَلَاتِ ، وَمُرْسَلَاتُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ لَا بَأْسَ بِهَا ، وَلَيْسَ فِي الْمُرْسَلَاتِ أَضْعَفُ مِنْ مُرْسَلَاتِ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ ; فَإِنَّهُمَا كَانَا يَأْخُذَانِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ . انْتَهَى . ثُمَّ قَالَ بَعْدَ هَذَا الْكَلَامِ : وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ : مَرَاسِيلُ الْحَسَنِ عِنْدَهُمْ شِبْهُ الرِّيحِ ، وَعَدَمُ الِاحْتِجَاجِ بِمَرَاسِيلِ الْحَسَنِ هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : هِيَ صِحَاحٌ إِذَا رَوَاهَا عَنْهُ الثِّقَاتُ . قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : مُرْسَلَاتُ الْحَسَنِ إِذَا رَوَاهَا عَنْهُ الثِّقَاتُ صِحَاحٌ ، مَا أَقَلَّ مَا يَسْقُطُ مِنْهَا . وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : كُلُّ شَيْءٍ يَقُولُ الْحَسَنُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ، وَجَدْتُ لَهُ أَصْلًا ثَابِتًا مَا خَلَا أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ . اهـ . فَهَذَا هُوَ جُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ فَسَّرَ الِاسْتِطَاعَةَ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ ، بِحَسَبَ صِنَاعَةِ عِلْمِ الْحَدِيثِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ : حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ سَعِيدٍ ، ثَنَا هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْقُرَشِيُّ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ ، وَأَخْبَرَنِيهِ أَيْضًا ، عَنِ ابْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ " يَعْنِي قَوْلَهُ : مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [ 3 \ 97 ] وَهَذَا الْإِسْنَادُ فِيهِ هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْعَاصِ الْقُرَشِيُّ الْمَخْزُومِيُّ قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِمٍ : مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ ، وَمَحَلُّهُ الصِّدْقُ ، مَا أَرَى بِهِ بَأْسًا . وَقَالَ الْعُقَيْلِيُّ : فِي حَدِيثِهِ عَنْ غَيْرِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَهْمٌ ، وَقَالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ فِي التَّقْرِيبِ : مَقْبُولٌ . اهـ . وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي الْبُيُوعِ : وَقَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ : أَنْبَأَنَا هِشَامٌ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ : " أَيُّمَا ثَمَرَةٍ بِيعَتْ ، ثُمَّ أُبِّرَتْ " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ مِنْ قَوْلِهِ . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَيْضًا مِنْ رِجَالِ الْبُخَارِيِّ . وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هَذَا الْكَلَامَ الَّذِي ذَكَرْنَا : وَأَمَّا كَوْنُ الْمُتَقَدِّمِينَ لَمْ يَذْكُرُوهُ فِي رِجَالِ الْبُخَارِيِّ ; فَلِأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يُخَرِّجْ لَهُ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ فِي الْمُتَابَعَاتِ ، وَأَوْرَدَهُ بِأَلْفَاظِ الشَّوَاهِدِ . انْتَهَى مِنْهُ . وَبِمَا ذَكَرْنَا تَعْلَمُ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ لَا يَقِلُّ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ ، مَعَ أَنَّهُ مُعْتَضِدٌ بِمَا تَقَدَّمَ ، وَبِمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ : وَأَخْرَجَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الزِّبْرِقَانِ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ، عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ حُصَيْنِ بْنِ الْمُخَارِقِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الْحَجُّ كُلَّ عَامٍ ؟ قَالَ " لَا بَلْ حَجَّةٌ " ، قِيلَ : " فَمَا السَّبِيلُ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ " . انْتَهَى . ثُمَّ قَالَ : وَدَاوُدُ وَحُصَيْنٌ كِلَاهُمَا ضَعِيفَانِ . اهـ . وَداوُدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ الْمَذْكُورُ قَالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ فِي التَّقْرِيبِ : مَتْرُوكٌ ، وَكَذَّبَهُ الْأَزْدِيُّ ، وَحُصَيْنُ بْنُ مُخَارِقٍ الْمَذْكُورُ قَالَ فِيهِ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ : قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : يَضَعُ الْحَدِيثَ ، وَنَقَلَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ ابْنَ حِبَّانَ قَالَ : لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ . اهـ . وَهَذَا حَاصِلُ مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَازِمٍ الْحَافِظُ بِالْكُوفَةِ ، وَأَبُو سَعِيدٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ التَّاجِرُ ، قَالَا : ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ الْبَجَلِيُّ ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ الْكِنْدِيُّ ، ثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [ 3 \ 97 ] قَالَ : قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا السَّبِيلُ ؟ قَالَ " الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ " ثُمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ . وَقَدْ تَابَعَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ سَعِيدًا عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْ قَتَادَةَ ، حَدَّثَنَاهُ أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ حَمْدَوَيْهِ الْفَقِيهُ بِبُخَارَى ، ثَنَا صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ الْحَافِظُ ، ثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ عَمْرُو بْنُ هِشَامٍ الْحَرَّانِيُّ ، ثَنَا أَبُو قَتَادَةَ ، ثَنَا حَمَّادُ بْن سَلَمَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [ 3 \ 97 ] فَقِيلَ : مَا السَّبِيلُ ؟ قَالَ : " الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ " ثُمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ . وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ . انْتَهَى مِنَ الْمُسْتَدْرَكِ . وَأَقَرَّهُ عَلَى تَصْحِيحِ الطَّرِيقَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ، فَحَدِيثُ أَنَسٍ هَذَا صَحِيحٌ كَمَا تَرَى ، وَقَالَ صَاحِبُ نَصْبِ الرَّايَةِ : وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ بِالْإِسْنَادَيْنِ . اهـ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَقَدْ قَالَ صَاحِبُ نَصْبِ الرَّايَةِ : أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَعْيَنَ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قَالَ " السَّبِيلُ : الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ " . انْتَهَى . رَوَاهُ الْعُقَيْلِيُّ فِي كِتَابِ الضُّعَفَاءِ ، وَأَعَلَّهُ بِعَتَّابٍ وَقَالَ : إِنَّ فِي حَدِيثِهِ وَهْمًا . انْتَهَى . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ : وَلَيْسَ بِمَحْفُوظٍ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْحَفَرِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ السَّبِيلِ ؟ فَقَالَ " الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ " . اهـ . وَقَدْ عَلِمْتَ مِمَّا ذَكَرْنَا : أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ الْمَذْكُورَ أَعَلَّهُ الْعُقَيْلِيُّ بِعَتَّابِ بْنِ أَعْيَنَ ، وَقَالَ : إِنَّ فِي حَدِيثِهِ وَهْمًا ، وَأَنَّ الْبَيْهَقِيَّ قَالَ : لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ . وَقَدْ قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ فِي عَتَّابٍ الْمَذْكُورِ ، قَالَ الْعُقَيْلِيُّ : فِي حَدِيثِهِ وَهْمٌ . رَوَى عَنْهُ هِشَامُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدِيثًا خُولِفَ فِي سَنَدِهِ . انْتَهَى مِنْهُ . وَأَمَّا مُرْسَلُ الْحَسَنِ الَّذِي أَشَارَ لَهُ ، فَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى قَرِيبًا . وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ ، فَقَدْ قَالَ صَاحِبُ نَصْبِ الرَّايَةِ : أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَوْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِلَفْظِ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيُّ تَرَكُوهُ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنْ مُحَمَّدًا الْمَذْكُورَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ . وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ الْمَذْكُورَ لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَدْ قَالَ صَاحِبُ نَصْبِ الرَّايَةِ : أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، عَنْ بَهْلُولِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِنَحْوِهِ . وَبَهْلُولُ بْنُ عُبَيْدٍ ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : ذَاهِبُ الْحَدِيثِ . اهـ . وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ فِي بَهْلُولٍ الْمَذْكُورِ : قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : ضَعِيفُ الْحَدِيثِ ذَاهِبٌ . وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : يَسْرِقُ الْحَدِيثَ . انْتَهَى مِنْهُ . وَبِمَا ذُكِرَ تَعَلَمُ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورَ لَيْسَ بِصَالِحٍ لِلِاحْتِجَاجِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، فَقَدْ قَالَ صَاحِبُ نَصْبِ الرَّايَةِ أَيْضًا : أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَرْزَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ بِنَحْوِهِ . وَابْنُ لَهِيعَةَ وَالْعَرْزَمِيُّ ضَعِيفَانِ . قَالَ الشَّيْخُ فِي الْإِمَامِ : وَقَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ جَابِرٍ ، وَأَنَسٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَلَيْسَ فِيهَا إِسْنَادٌ يُحْتَجُّ بِهِ . انْتَهَى مِنْهُ . هَذَا هُوَ حَاصِلُ رِوَايَاتِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِتَفْسِيرِ السَّبِيلِ فِي الْآيَةِ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ . وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ : إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَثْبُتُ مُسْنَدًا ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ طَرِيقٌ صَحِيحَةٌ ، إِلَّا الطَّرِيقُ الَّتِي أَرْسَلَهَا الْحَسَنُ . قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ - : الَّذِي يَظْهَرُ لِي وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ : أَنَّ حَدِيثَ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ الْمَذْكُورَ ثَابِتٌ لَا يَقِلُّ عَنْ دَرَجَةِ الِاحْتِجَاجِ ; لِأَنَّ الطَّرِيقَيْنِ اللَّتَيْنِ أَخْرَجَهُمَا بِهِ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كِلْتَاهُمَا صَحِيحَةُ الْإِسْنَادِ ، وَأَقَرَّ تَصْحِيحَهُمَا الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ، وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِشَيْءٍ ، وَالدَّعْوَى عَلَى سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فِي رِوَايَتِهِمَا الْحَدِيثَ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا غَلَطٌ ، وَأَنَّ الصَّحِيحَ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا - دَعْوَى لَا مُسْتَنَدَ لَهَا ، بَلْ هِيَ تَغْلِيطٌ وَتَوْهِيمٌ لِلْعُدُولِ الْمَشْهُورِينَ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَادٍ إِلَى دَلِيلٍ . وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ وَالْمُحَدِّثِينَ : أَنَّ الْحَدِيثَ إِذَا جَاءَ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ ، وَجَاءَ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى غَيْرِ صَحِيحَةٍ ، فَلَا تَكُونُ تِلْكَ الطُّرُقُ عِلَّةً فِي الصَّحِيحَةِ ، إِذَا كَانَ رُوَاتُهَا لَمْ يُخَالِفُوا جَمِيعَ الْحُفَّاظِ ، بَلِ انْفِرَادُ الثِّقَةِ الْعَدْلِ بِمَا لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ غَيْرَهُ مَقْبُولٌ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ . فَرِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا لَمْ يُخَالِفُوا فِيهَا غَيْرَهُمْ ، بَلْ حَفِظُوا مَا لَمْ يَحْفَظْهُ غَيْرُهُمْ ، وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ ، فَادِّعَاءُ الْغَلَطِ عَلَيْهِمَا بِلَا دَلِيلٍ غَلَطٌ ، وَقَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : وَرَوَى الْحَاكِمُ حَدِيثَ أَنَسٍ ، وَقَالَ : وَهُوَ صَحِيحٌ ، وَلَكِنَّ الْحَاكِمَ مُتَسَاهِلٌ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْحَاكِمَ مُتَسَاهِلٌ فِي التَّصْحِيحِ ، لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ لَهُ تَصْحِيحٌ مُطْلَقًا . وَرُبَّ تَصْحِيحٍ لِلْحَاكِمِ مُطَابِقٌ لِلْوَاقِعِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَتَصْحِيحُهُ لِحَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ لَمْ يَتَسَاهَلْ فِيهِ ؛ وَلِذَا لَمْ يُبْدِ النَّوَوِيُّ وَجْهًا لِتَسَاهُلِهِ فِيهِ ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِي أَحَدٍ مِنْ رُوَاتِهِ بَلْ هُوَ تَصْحِيحٌ مُطَابِقٌ . فَإِنْ قِيلَ : مُتَابَعَةُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ لِسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ الْمَذْكُورَةُ ، رَاوِيهَا عَنْ حَمَّادٍ هُوَ أَبُو قَتَادَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَاقِدٍ الْحَرَّانِيُّ ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ ، لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ ، كَمَا جَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالرِّجَالِ . وَقَالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ فِي التَّقْرِيبِ : مَتْرُوكٌ ، فَقَدْ تَسَاهَلَ الْحَاكِمُ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، مَعَ أَنَّ فِي إِسْنَادِهَا أَبَا قَتَادَةَ الْمَذْكُورَ . فَالْجَوَابُ : أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ الْمَذْكُورَ ، وَإِنْ ضَعَّفَهُ الْأَكْثَرُونَ ، فَقَدْ وَثَّقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَنَاهِيكَ بِتَوْثِيقِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَثَنَائِهِ ، وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ وَالذَّهَبِيُّ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَحْمَدَ قَالَ لِأَبِيهِ : إِنَّ يَعْقُوبَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ صُبَيْحٍ ذَكَرَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ الْمَذْكُورَ كَانَ يَكْذِبُ ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عِنْدَهُ جِدًّا ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ : إِنَّهُ يَتَحَرَّى الصِّدْقَ . قَالَ : وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يُشْبِهُ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ . وَقَالَ أَحْمَدُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : مَا بِهِ بَأْسٌ ، رَجُلٌ صَالِحٌ ، يُشْبِهُ أَهْلَ النُّسُكِ رُبَّمَا أَخْطَأَ . وَفِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ : أَبُو قَتَادَةَ الْحَرَّانِيُّ ثِقَةٌ . ذَكَرَهَا عَنْهُ ابْنُ حَجَرٍ وَالذَّهَبِيُّ ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ : لَعَلَّهُ كَبُرَ فَاخْتَلَطَ ، تَخْمِينٌ وَظَنٌّ لَا يَثْبُتُ بِهِ اخْتِلَاطُهُ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ وَعُلُومِ الْحَدِيثِ : أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ التَّعْدِيلَ يُقْبَلُ مُجْمَلًا ، وَالتَّجْرِيحَ لَا يُقْبَلُ إِلَّا مُفَصَّلًا ، مَعَ أَنَّ رِوَايَةَ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ أَنَسٍ لَيْسَ فِي أَحَدٍ مِنْ رُوَاتِهَا كَلَامٌ . وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مُوَافَقَةُ الْحَافِظِ النَّقَّادَةِ الذَّهَبِيِّ لِلْحَاكِمِ عَلَى تَصْحِيحِ مُتَابِعَةِ حَمَّادٍ ، مَعَ أَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ الصَّحِيحَ الْمَذْكُورَ مُعْتَضِدٌ بِمُرْسَلِ الْحَسَنِ ، وَلَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ : إِنَّ مَرَاسِيلَهُ صِحَاحٌ ، إِذَا رَوَتْهَا عَنْهُ الثِّقَاتُ كَابْنِ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرِهِ ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ . وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ مَشْهُورَ مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدَ الِاحْتِجَاجُ بِالْمُرْسَلِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ مِرَارًا ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا الْأَحَادِيثُ الْمُتَعَدِّدَةُ الَّتِي ذَكَرْنَا ، وَإِنْ كَانَتْ ضِعَافًا ؛ لِأَنَّهَا تُقَوِّي غَيْرَهَا ، وَلَا سِيَّمَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَإِنَّا قَدْ ذَكَرْنَا سَنَدَهُ ، وَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَقِلُّ عَنْ دَرَجَةِ الِاحْتِجَاجِ . وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ : وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الطُّرُقَ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا ، فَتَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ . وَمِمَّا يُؤَيِّدُ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ ، كَمَا قَدَّمْنَا عَنْ أَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ : الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ ، مِنْهُمُ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ . أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ . فَالْحَاصِلُ : أَنَّ حَدِيثَ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ ، لَا يَقِلُّ بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ عَنْ دَرَجَةِ الْقَبُولِ وَالِاحْتِجَاجِ . وَأَظْهَرُ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ مَا يُبِلِّغُهُ ذِهَابًا وَإِيَابًا . قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ - : الَّذِي يَظْهَرُ لِي وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ : أَنَّ حَدِيثَ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ ، وَإِنْ كَانَ صَالِحًا لِلِاحْتِجَاجِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْمَشْيِ عَلَى رِجْلَيْهِ بِدُونِ مَشَقَّةٍ فَادِحَةٍ لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ ، إِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ تَحْصِيلِ الرَّاحِلَةِ ، بَلْ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ ; لِأَنَّهُ يَسْتَطِيعُ إِلَيْهِ سَبِيلًا ، كَمَا أَنَّ صَاحِبَ الصَّنْعَةِ الَّتِي يُحَصِّلُ مِنْهَا قُوتَهُ فِي سَفَرِ الْحَجِّ ، يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ ; لِأَنَّ قُدْرَتَهُ عَلَى تَحْصِيلِ الزَّادِ فِي طَرِيقِهِ كَتَحْصِيلِهِ بِالْفِعْلِ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية