الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ الْأَذَانُ فِي اللُّغَةِ : الْإِعْلَامُ : وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ وَقَوْلُ الْحَارْثِ بْنِ حِلِّزَةَ : آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ رُبَّ ثَاوٍ يَمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ وَالْحَجُّ فِي اللُّغَةِ : الْقَصْدُ وَكَثْرَةُ الِاخْتِلَافِ وَالتَّرَدُّدِ ، تَقُولُ الْعَرَبُ : حَجَّ بَنُو فُلَانٍ فُلَانًا : إِذَا قَصَدُوهُ وَأَطَالُوا الِاخْتِلَافَ إِلَيْهِ وَالتَّرَدُّدَ عَلَيْهِ . وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُخَبَّلِ السَّعْدِيِّ : أَلَمْ تَعْلَمِي يَا أُمَّ أَسْعَدَ أَنَّمَا تَخَاطَأَنِي رَيْبُ الْمَنُونِ لِأَكْبَرَا وَأَشْهَدُ مَنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا قَوْلُهُ : يَحُجُّونَ ، يَعْنِي : يُكْثِرُونَ قَصْدَهُ وَالِاخْتِلَافَ إِلَيْهِ وَالتَّرَدُّدَ عَلَيْهِ . وَالسِّبُّ بِالْكَسْرِ : الْعِمَامَةُ . وَعَنَى بِكَوْنِهِمْ يَحُجُّونَ عِمَامَتَهُ : أَنَّهُمْ يَحُجُّونَهُ ، فَكَنَّى عَنْهُ بِالْعِمَامَةِ . وَالرِّجَالُ فِي الْآيَةِ : جَمْعُ رَاجِلٍ ، وَهُوَ الْمَاشِي عَلَى رِجْلَيْهِ ، وَالضَّامِرُ : الْبَعِيرُ وَنَحْوُهُ ، الْمَهْزُولُ الَّذِي أَتْعَبَهُ السَّفَرُ . وَقَوْلُهُ " يَأْتِينَ " يَعْنِي : الضَّوَامِرَ الْمُعَبَّرَ عَنْهَا بِلَفْظِ : كُلِّ ضَامِرٍ ; لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى : وَعَلَى ضَوَامِرَ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ; لِأَنَّ لَفْظَةَ " كُلِّ " صِيغَةُ عُمُومٍ ، يَشْمَلُ ضَوَامِرَ كَثِيرَةً ، وَالْفَجُّ : الطَّرِيقُ ، وَجَمْعُهُ : فِجَاجٌ . وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ [ 21 \ 31 ] وَالْعَمِيقُ : الْبَعِيدُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : إِذَا الْخَيْلُ جَاءَتْ مِنْ فِجَاجٍ عَمِيقَةٍ يَمُدُّ بِهَا فِي السَّيْرِ أَشْعَثُ شَاحِبُ وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ الْعُمْقُ فِي الْبُعْدِ سُفْلًا ، تَقُولُ : بِئْرٌ عَمِيقَةٌ ؛ أَيْ : بَعِيدَةُ الْقَعْرِ ، وَالْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ [ 22 \ 27 ] لِإِبْرَاهِيمَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنَ السِّيَاقِ . وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْخِطَابَ لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى إِبْرَاهِيمَ وَسَلَّمَ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ الْحَسَنُ ، وَمَالَ إِلَيْهِ الْقُرْطُبِيُّ ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ؛ أَيْ : وَأَمَرْنَا إِبْرَاهِيمَ أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ؛ أَيْ : أَعْلِمْهُمْ ، وَنَادِ فِيهِمْ بِالْحَجِّ ؛ أَيْ : بِأَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ حَجَّ بَيْتِهِ الْحَرَامِ . وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّهُ لَمَّا أَمَرَهُ رَبُّهُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ قَالَ : يَا رَبِّ ، كَيْفَ أُبَلِّغُ النَّاسَ وَصَوْتِي لَا يُنْفِذُهُمْ ، فَقَالَ : نَادِ وَعَلَيْنَا الْبَلَاغُ ، فَقَامَ عَلَى مَقَامِهِ . وَقِيلَ : عَلَى الْحَجَرِ . وَقِيلَ : عَلَى الصَّفَا . وَقِيلَ : عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ ، وَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ رَبَّكُمْ قَدِ اتَّخَذَ بَيْتًا فَحُجُّوهُ ، فَيُقَالُ : إِنَّ الْجِبَالَ تَوَاضَعَتْ ، حَتَّى بَلَغَ الصَّوْتُ أَرْجَاءَ الْأَرْضِ وَأَسْمَعَ مَنْ فِي الْأَرْحَامِ وَالْأَصْلَابِ ، وَأَجَابَهُ كُلُّ شَيْءٍ سَمِعَهُ مِنْ حَجَرٍ وَمَدَرٍ وَشَجَرٍ ، وَمَنْ كَتَبَ اللَّهُ أَنَّهُ يَحُجُّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ . قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هَذَا الْكَلَامَ : هَذَا مَضْمُونُ مَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَأَوْرَدَهَا ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مُطَوَّلَةً . انْتَهَى مِنْهُ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : يَأْتُوكَ رِجَالًا مَجْزُومٌ فِي جَوَابِ الطَّلَبِ ، وَهُوَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ مَجْزُومٌ بِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ ، دَلَّ عَلَيْهِ الطَّلَبُ عَلَى الْأَصَحِّ ؛ أَيْ : إِنْ تُؤَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ . وَإِنَّمَا قَالَ " يَأْتُوكَ " لِأَنَّ الْمَدْعُوَّ يَتَوَجَّهُ نَحْوَ الدَّاعِي ، وَإِنْ كَانَ إِتْيَانُهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ لِلْحَجِّ ; لِأَنَّ نِدَاءَ إِبْرَاهِيمَ لِلْحَجِّ ؛ أَيْ : يَأْتُوكَ مُلَبِّينَ دَعْوَتَكَ ، حَاجِّينَ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ ، كَمَا نَادَيْتَهُمْ لِذَلِكَ . وَعَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ الَّذِي ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّ الْخِطَابَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْحَجِّ ، وَعَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ ، فَوُجُوبُ الْحَجِّ بِهَا عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا ، كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ ، مَعَ أَنَّهُ دَلَّتْ آيَاتٌ أُخَرُ عَلَى أَنَّ الْإِيجَابَ الْمَذْكُورَ عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ وَقَعَ مِثْلُهُ أَيْضًا عَلَى لِسَانِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [ 3 \ 97 ] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [ 2 \ 196 ] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [ 2 \ 158 ] . وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ . وَقَوْلُهُ : يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ الْآيَةَ . قَدْ يَسْتَدِلُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْحَجَّ مَاشِيًا لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ مِنَ الْحَجِّ رَاكِبًا ; لِأَنَّهُ قَدَّمَهُمْ فِي الذِّكْرِ ، فَدَلَّ عَلَى الِاهْتِمَامِ بِهِمْ وَقُوَّةِ هِمَمِهِمْ . وَقَالَ وَكِيعٌ ، عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ ، عَنْ أَبِي حَلْحَلَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَا آسَى عَلَى شَيْءٍ إِلَّا أَنِّي وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ حَجَجْتُ مَاشِيًا ; لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَأْتُوكَ رِجَالًا . وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ : أَنَّ الْحَجَّ رَاكِبًا أَفْضَلُ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنَّهُ حَجَّ رَاكِبًا مَعَ كَمَالِ قُوَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . انْتَهَى مِنْهُ . قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ - : اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ : أَنَّ مَنْشَأَ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي هِيَ : هَلِ الرُّكُوبُ فِي الْحَجِّ أَفْضَلُ أَوِ الْمَشْيُ ، وَنَظَائِرُهَا - كَوْنُ أَفْعَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّظَرِ إِلَى الْجِبِلَّةِ وَالتَّشْرِيعِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ : الْقِسْمُ الْأَوَّلُ : هُوَ الْفِعْلُ الْجِبِلِّيُّ الْمَحْضُ : أَعْنِي الْفِعْلَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْجِبِلَّةُ الْبَشَرِيَّةُ بِطَبِيعَتِهَا ؛ كَالْقِيَامِ ، وَالْقُعُودِ ، وَالْأَكْلِ ، وَالشُّرْبِ ، فَإِنَّ هَذَا لَمْ يُفْعَلْ لِلتَّشْرِيعِ وَالتَّأَسِّي ، فَلَا يَقُولُ أَحَدٌ : أَنَا أَجْلِسُ وَأَقُومُ تَقَرُّبًا لِلَّهِ وَاقْتِدَاءً بِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ كَانَ يَقُومُ وَيَجْلِسُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لِلتَّشْرِيعِ وَالتَّأَسِّي . وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : فِعْلُهُ الْجِبِلِّيُّ يَقْتَضِي الْجَوَازَ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : يَقْتَضِي النَّدْبَ . وَالظَّاهِرُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُفْعَلْ لِلتَّشْرِيعِ ، وَلَكِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ . الْقِسْمُ الثَّانِي : هُوَ الْفِعْلُ التَّشْرِيعِيُّ الْمَحْضُ . وَهُوَ الَّذِي فُعِلَ لِأَجْلِ التَّأَسِّي وَالتَّشْرِيعِ ، كَأَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَأَفْعَالِ الْحَجِّ مَعَ قَوْلِهِ : " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " وَقَوْلِهِ : " خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ " . الْقِسْمُ الثَّالِثُ : وَهُوَ الْمَقْصُودُ هُنَا هُوَ الْفِعْلُ الْمُحْتَمِلُ لِلْجِبِلِّيِّ وَالتَّشْرِيعِيِّ . وَضَابِطُهُ : أَنْ تَكُونَ الْجِبِلَّةُ الْبَشَرِيَّةُ تَقْضِيهِ بِطَبِيعَتِهَا ، وَلَكِنَّهُ وَقَعَ مُتَعَلِّقًا بِعِبَادَةٍ بِأَنْ وَقَعَ فِيهَا أَوْ فِي وَسِيلَتِهَا ، كَالرُّكُوبِ فِي الْحَجِّ ، فَإِنَّ رُكُوبَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجِّهِ مُحْتَمِلٌ لِلْجِبِلَّةِ ; لِأَنَّ الْجِبِلَّةَ الْبَشَرِيَّةَ تَقْتَضِي الرُّكُوبَ ، كَمَا كَانَ يَرْكَبُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَسْفَارِهِ غَيْرَ مُتَعَبِّدٍ بِذَلِكَ الرُّكُوبِ ، بَلْ لِاقْتِضَاءِ الْجِبِلَّةِ إِيَّاهُ ، وَمُحْتَمِلٌ لِلشَّرْعِيِّ ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ فِي حَالِ تَلَبُّسِهِ بِالْحَجِّ ، وَقَالَ : " خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ " . وَمِنْ فُرُوعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : جِلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ فِي الصَّلَاةِ ، وَالرُّجُوعُ مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى غَيْرِ الَّتِي ذَهَبَ فِيهَا إِلَى صَلَاةِ الْعِيدِ ، وَالضِّجْعَةُ عَلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ ، بَيْنَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَدُخُولُ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ - بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ - وَالْخُرُوجُ مِنْ كُدًى - بِالضَّمِّ وَالْقَصْرِ - وَالنُّزُولُ بِالْمُحَصَّبِ بَعْدَ النَّفْرِ مِنْ مِنًى ، وَنَحْوُ ذَلِكَ . فَفِي كُلِّ هَذِهِ الْمَسَائِلِ خِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ; لِاحْتِمَالِهَا لِلْجِبِلِّيِّ وَالتَّشْرِيعِيِّ ، وَإِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَشَارَ فِي مَرَاقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ : وَفِعْلُهُ الْمَرْكُوزُ فِي الْجِبِلَّهْ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَلَيْسَ مِلَّهْ مِنْ غَيْرِ لَمْحِ الْوَصْفِ وَالَّذِي احْتَمَلْ شَرْعًا فَفِيهِ قُلْ تَرَدُّدٌ حَصَلْ فَالْحَجُّ رَاكِبًا عَلَيْهِ يَجْرِي كَضِجْعَةٍ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ : أَنَّ الرُّكُوبَ فِي الْحَجِّ أَفْضَلُ ، إِلَّا فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ ، فَالْمَشْيُ فِيهِمَا وَاجِبٌ . وَقَالَ سَنَدٌ وَاللَّخْمِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ : إِنَّ الْمَشْيَ أَفْضَلُ لِلْمَشَقَّةِ ، وَرُكُوبُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبِلِّيٌّ لَا تَشْرِيعِيٌّ . وَمَا ذَكَرْنَا عَنْ مَالِكٍ مِنْ أَنَّ الرُّكُوبَ فِي الْحَجِّ أَفْضَلُ مِنَ الْمَشْيِ ، هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّ الرُّكُوبَ أَفْضَلُ . قَالَ الْعَبْدَرِيُّ : وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ ، وَقَالَ دَاوُدُ : مَاشِيًا أَفْضَلُ ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَائِشَةَ : " وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ ، أَوْ : نَصَبِكِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ : " عَلَى قَدْرِ عَنَائِكِ وَنَصَبِكِ " وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَا آسِي عَلَى شَيْءٍ مَا آسِي أَنِّي لَمْ أَحُجَّ مَاشِيًا ، وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا نَدِمْتُ عَلَى شَيْءٍ فَاتَنِي فِي شَبَابِي ، إِلَّا أَنِّي لَمْ أَحُجَّ مَاشِيًا ، وَلَقَدْ حَجَّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ خَمْسًا وَعِشْرِينَ حَجَّةً مَاشِيًا . وَإِنَّ النَّجَائِبَ لَتُقَادُ مَعَهُ ، وَلَقَدْ قَاسَمَ اللَّهَ تَعَالَى مَالَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، حَتَّى كَانَ يُعْطِي الْخُفَّ ، وَيُمْسِكُ النَّعْلَ . انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ ، وَالْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي فَضْلِ الْحَجِّ مَاشِيًا : ضَعِيفٌ ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ النَّوَوِيُّ يُقَوِّي حُجَّةَ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الْمَشْيَ فِي الْحَجِّ أَفْضَلُ مِنَ الرُّكُوبِ ; لِأَنَّهُ أَكْثَرُ نَصَبًا وَعَنَاءً . وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ : " وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ أَوْ نَصَبِكِ " ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ : " وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ " ، أَوْ قَالَ : " نَفَقَتِكِ " وَالنَّصَبُ : التَّعَبُ وَالْمَشَقَّةُ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية