الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : إِذَا أَسْقَطَتِ الْمَرْأَةُ جَنِينَهَا مَيِّتًا بَعْدَ أَنْ كَمُلَتْ فِيهِ صُورَةُ الْآدَمِيِّ ، فَلَا خِلَافَ بَيْنِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِوَضْعِهِ ، وَكَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ ، وَوُجُوبِ الْغُرَّةِ فِيهِ ، وَلَكِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، وَغُسْلِهُ وَتَكْفِينِهِ . فَذَهَبَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : إِلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ، وَلَا يُغَسَّلُ ، وَلَا يُحَنَّطُ ، وَلَا يُسَمَّى ، وَلَا يُوَرَّثُ ، وَلَا يَرِثَ حَتَّى يَسْتَهِلَّ صَارِخًا ، وَلَا عِبْرَةَ بِعُطَاسِهِ ، وَرَضَاعِهِ وَبَوْلَهُ ، فَلَوْ عَطَسَ أَوْ رَضَعَ أَوْ بَالَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ . وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : رَضَاعُهُ تَتَحَقَّقُ بِهِ حَيَاتُهُ فَتَجِبُ بِهِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ ، وَغَيْرُهَا مِنَ الْأَحْكَامِ . قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ - : الظَّاهِرُ أَنَّ الصَّوَابَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إِنْ عُلِمَتْ حَيَاتُهُ ، وَلَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ غَيْرَ أَنْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا ، فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ . وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مَشْهُورَ مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى أَنْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا غُسِلَ دَمُهُ ، وَلُفَّ بِخِرْقَةٍ ، وَوُورِيَ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ : أَنَّهُ إِنِ اسْتَهَلَّ صَارِخًا أَوْ تَحَرَّكَ حَرَكَةً تَدُلُّ عَلَى الْحَيَاةِ ثُمَّ مَاتَ صُلِّيَ عَلَيْهِ ، وَوَرِثَ وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ وَلَمْ يَتَحَرَّكْ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ، لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ ، وَلَكِنَّهُ يُلَفُّ بِخِرْقَةٍ وَيُدْفَنُ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَقَوْلَانِ : قَالَ فِي الْقَدِيمِ : يُصَلَّى عَلَيْهِ ، وَقَالَ فِي الْأُمِّ : لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ التَّابِعِيِّ ، وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ وَمَالِكٍ : أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ . وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ . وَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَإِسْحَاقُ . انْتَهَى بِوَاسِطَةِ نَقْلِ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ، وَمَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا ، وَلَمْ يَتَحَرَّكْ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ غُسِّلَ ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ ، وَإِلَّا فَلَا ، أَمَّا إِذَا اسْتَهَلَّ صَارِخًا ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ . قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ - : اعْلَمْ أَنَّ اخْتِلَافَ الْأَئِمَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ قَبِيلِ الِاخْتِلَافِ فِي تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ ; لِأَنَّ مَنَاطَ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ هُوَ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ تَقَدَّمَتْ لَهُ حَيَاةٌ . وَمَنَاطُ عَدَمِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ هُوَ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ تَتَقَدَّمْ لَهُ حَيَاةٌ ، فَمَالِكٌ وَمَنْ وَافَقَهُ رَأَوْا أَنَّهُ إِنِ اسْتَهَلَّ صَارِخًا ، أَوْ طَالَتْ مُدَّتُهُ حَيًّا ، عُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّهُ مَاتَ بَعْدَ حَيَاةٍ ، فَيُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ ، وَقَالُوا : إِنَّ مُطْلَقَ الْحَرَكَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْحَيَاةِ ; لِأَنَّ الْمَذْبُوحَ قَدْ يَتَحَرَّكُ حَرَكَةً قَوِيَّةً ، وَقَالُوا : إِنَّهُ إِنْ رَضَعَ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى حَيَاتِهِ . قَالُوا : قَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا طَعَنَهُ عَدُوُّ اللَّهِ مَعْدُودًا فِي الْأَمْوَاتِ لَوْ مَاتَ لَهُ مُورِّثٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَا وَرِثَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ . وَلَوْ قَتَلَ رَجُلٌ عُمَرَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَمَا قُتِلَ بِهِ ; لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ ، وَإِنْ كَانَ عُمْرُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَتَكَلَّمُ وَيَعْهَدُ . وَالَّذِينَ خَالَفُوا هَؤُلَاءِ قَالُوا : لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ فَكُلُّ حَرَكَةٍ قَوِيَّةٍ تَدُلُّ عَلَى الْحَيَاةِ ، وَعُمَرُ مَا دَامَ قَادِرًا عَلَى الْحَرَكَةِ الْقَوِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْحَيَاةِ ، فَهُوَ حَيٌّ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْحَيَاةِ . وَالَّذِينَ قَالُوا : يُغَسَّلُ إِنْ سَقَطَ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، اسْتَنَدُوا فِي ذَلِكَ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي هَذَا الْمَبْحَثِ نَحْوَ مَا سَاقَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ الثَّالِثَةِ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ ، وَانْتِهَاءُ الْأَرْبَعِينَ الثَّالِثَةِ هُوَ انْتِهَاءُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ ، وَنَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ فِي ذَلِكَ الْحِينِ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ مَاتَ بَعْدَ حَيَاةٍ ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية