الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                        صحيح البخاري بَاب لَا يَكُونُ بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقًا 4975 حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ إِحْدَى السُّنَنِ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٍ فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ فَقَالَ أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ فِيهَا لَحْمٌ قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ قَالَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ فتح الباري لابن حجر قَوْلُهُ ( بَابُ لَا يَكُونُ بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقًا ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي " طَلَاقَهَا " ثُمَّ أَوْرَدَ فِيهِ قِصَّةَ بَرِيرَةَ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : لَمْ يَأْتِ فِي الْبَابِ بِشَيْءٍ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّبْوِيبُ ، لَكِنْ لَوْ كَانَتْ عِصْمَتُهَا عَلَيْهِ بَاقِيَةً مَا خُيِّرَتْ بَعْدَ عِتْقِهَا ، لِأَنَّ شِرَاءَ عَائِشَةَ كَانَ الْعِتْقُ بِإِزَائِهِ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ عَجِيبٌ . أَمَّا أَوَّلًا فَإِنَّ التَّرْجَمَةَ مُطَابَقَةٌ فَإِنَّ الْعِتْقَ إِذَا لَمْ يَسْتَلْزِمِ الطَّلَاقَ فَالْبَيْعُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، وَأَيْضًا فَإِنَّ التَّخْيِيرَ الَّذِي جَرَّ إِلَى الْفِرَاقِ لَمْ يَقَعْ إِلَّا بِسَبَبِ الْعِتْقِ لَا بِسَبَبِ الْبَيْعِ . وَأَمَّا ثَانِيًا فَإِنَّهَا لَوْ طَلُقَتْ بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْيِيرِ فَائِدَةٌ . وَأَمَّا ثَالِثًا فَإِنَّ آخِرَ كَلَامِهِ يَرُدُّ أَوَّلِهِ ، فَإِنَّهُ يُثْبِتُ مَا نَفَاهُ مِنَ الْمُطَابَقَةِ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : اخْتَلَفَ السَّلَفُ هَلْ يَكُونُ بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقًا ؟ فَقَالَ الْجُمْهُورُ : لَا يَكُونُ بَيْعُهَا طَلَاقًا ، وَرَوَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ وَمِنَ التَّابِعِينَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ قَالُوا : يَكُونُ طَلَاقًا وَتَمَسَّكُوا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ الْبَابِ ، وَهُوَ أَنَّ بَرِيرَةَ عَتَقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا ، فَلَوْ كَانَ طَلَاقُهَا يَقَعُ بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْيِيرِ مَعْنًى . وَمِنْ حَيْثُ النَّظَرُ أَنَّهُ عُقِدَ عَلَى مَنْفَعَةٍ فَلَا يُبْطِلُهُ بَيْعُ الرَّقَبَةِ كَمَا فِي الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ ، وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الْمَسْبِيَّاتِ فَهُنَّ الْمُرَادُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ عَلَى مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ سَبَبِ نُزُولِهَا اهـ مُلَخَّصًا . وَمَا نَقَلَهُ عَنِ الصَّحَابَةِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِأَسَانِيدَ فِيهَا انْقِطَاعٌ ، وَفِيهِ عَنْ جَابِرٍ وَأَنَسٍ أَيْضًا ، وَمَا نَقَلَهُ عَنِ التَّابِعِينَ فِيهِ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ ، وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ وَالشَّعْبِيِّ نَحْوُهُ ، وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ، وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : إِذَا زَوَّجَ عَبْدَهُ بِأَمَتِهِ فَالطَّلَاقُ بِيَدِ الْعَبْدِ وَإِذَا اشْتَرَى أَمَةً لَهَا زَوْجٌ فَالطَّلَاقُ بِيَدِ الْمُشْتَرِي . وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ قَالَ : إِبَاقُ الْعَبْدِ طَلَاقُهُ . وحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ وَفِي عِدَّةِ أَبْوَابٍ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا ، وَطَرِيقُ رَبِيعَةَ الَّتِي أَوْرَدَهَا هُـنَا أَوْرَدَهَا مَوْصُولَةً مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْهُ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ ، وَأَوْرَدَهَا فِي الْأَطْعِمَةِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْهُ عَنِ الْقَاسِمِ مُرْسَلًا ، وَلَا يَضُرُّ إِرْسَالُهُ لِأَنَّ مَالِكًا أَحْفَظُ مِنْ إِسْمَاعِيلَ وَأَتْقَنُ ، وَقَدْ وَافَقَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الْقَاسِمِ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، لَكِنْ صَدَّرَهُ بِقِصَّةِ اشْتِرَاطِ الَّذِينَ بَاعُوهَا عَلَى عَائِشَةَ أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْوَلَاءُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْعِتْقِ ، وَكَذَا رَوَاهُ عُرْوَةُ وَعَمْرَةُ وَالْأَسْوَدُ وَأَيْمَنُ الْمَكِّيُّ عَنْ عَائِشَةَ ، وَكَذَا رَوَاهُ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عَائِشَةَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَرَوَى قِصَّةَ الْبُرْمَةِ وَاللَّحْمِ أَنَسٌ وَتَقَدَّمَ حَدِيثُهُ فِي الْهِبَةِ وَيَأْتِي ، وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قِصَّةَ تَخْيِيرِهَا لَمَّا عَتَقَتْ كَمَا يَأْتِي بَعْدُ وَطُرُقُهُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ . قَوْلُهُ ( كَانَ فِي بَرِيرَةَ ) تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَضَبْطُ اسْمِهَا فِي أَوَاخِرِ الْعِتْقِ ، وَقِيلَ إِنَّهَا نَبَطِيَّةٌ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَقِيلَ إِنَّهَا قِبْطَيَّةٌ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَقِيلَ إِنَّ اسْمَ أَبِيهَا صَفْوَانُ وَأَنَّ لَهُ صُحْبَةً ، وَاخْتُلِفَ فِي مَوَالِيهَا فَفِي رِوَايَةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ بَرِيرَةَ كَانَتْ لِنَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَكَذَا عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ سَمَّاكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ لِآلِ أَبِي لَهَبٍ وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ قَائِلِهِ انْتَقَلَ وَهْمُهُ مِنْ أَيْمَنَ أَحَدُ رُوَاةِ قِصَّةِ بَرِيرَةَ عَنْ عَائِشَةَ إِلَى بَرِيرَةَ ، وَقِيلَ لِآلِ بَنِي هِلَالٍ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ . قَوْلُهُ ( ثَلَاثُ سُنَنٍ ) وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ " ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ " وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ " قَضَى فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَ قَضِيَّاتٍ " فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَزَادَ " وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ " أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَمْ تَقَعْ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَتْ عَلَى ثَلَاثٍ ، لَكِنْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ " أَمَرْتُ بَرِيرَةَ أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ " وَهَذَا مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلُهُ " تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ " وَيُخَالِفُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ " تَعْتَدُّ بِحَيْضَةٍ " وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي عِدَّةِ الْمُخْتَلِعَةِ وَأَنَّ مَنْ قَالَ الْخُلْعُ فَسْخٌ قَالَ تَعْتَدُّ بِحَيْضَةٍ ، وَهُنَا لَيْسَ اخْتِيَارُ الْعَتِيقَةِ نَفْسَهَا طَلَاقًا فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ بَلْ هُوَ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الصِّحَّةِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ عِدَّةَ بَرِيرَةَ عِدَّةَ الْمُطَلَّقَةِ " وَهُوَ شَاهِدٌ قَوِيٌّ ، لِأَنَّ أَبَا مَعْشَرٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ لَكِنْ يَصْلُحُ فِي الْمُتَابَعَاتِ . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَآخَرِينَ " أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا أُعْتِقَتْ تَحْتَ الْعَبْدِ فَطَلَاقُهَا طَلَاقُ عَبْدٍ وَعِدَّتُهَا عِدَّةُ حُرَّةٍ " وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي الْعِتْقِ أَنَّ الْعُلَمَاءَ صَنَّفُوا فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ تَصَانِيفَ ، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ أَوْصَلَهَا إِلَى أَرْبَعِمِائَةِ فَائِدَةٍ ، وَلَا يُخَالِفُ ذَلِكَ قَوْلَ عَائِشَةَ " ثَلَاثُ سُنَنٍ " لِأَنَّ مُرَادَ عَائِشَةَ مَا وَقَعَ مِنَ الْأَحْكَامِ فِيهَا مَقْصُودًا خَاصَّةً ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ كُلُّ حُكْمٍ مِنْهَا يَشْتَمِلُ عَلَى تَقْعِيدِ قَاعِدَةٍ يَسْتَنْبِطُ الْعَالِمُ الْفَطِنُ مِنْهَا فَوَائِدَ جَمَّةً وَقَعَ التَّكَثُّرُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ ، وَانْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي سِيَاقِ الْقِصَّةِ غَيْرَ مَقْصُودٍ ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ أَيْضًا فَوَائِدَ تُؤْخَذُ بِطَرِيقِ التَّنْصِيصِ أَوْ الِاسْتِنْبَاطِ ، أَوِ اقْتَصَرَ عَلَى الثَّلَاثِ أَوِ الْأَرْبَعِ لِكَوْنِهَا أَظْهَرَ مَا فِيهَا وَمَا عَدَاهَا إِنَّمَا يُؤْخَذُ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ ، أَوْ لِأَنَّهَا أَهَمُّ وَالْحَاجَةُ إِلَيْهَا أَمَسُّ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : مَعْنَى ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ أَنَّهَا شُرِعَتْ فِي قِصَّتِهَا ، وَمَا يَظْهَرُ فِيهَا مِمَّا سِوَى ذَلِكَ فَكَانَ قَدْ عُلِمَ مِنْ غَيْرِ قِصَّتِهَا ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ : لَيْسَ فِي كَلَامِ عَائِشَةَ حَصْرٌ ، وَمَفْهُومُ الْعَدَدِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الِاعْتِذَارَاتِ الَّتِي لَا تَدْفَعُ سُؤَالَ مَا الْحِكْمَةُ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى ذَلِكَ . قَوْلُهُ ( أَنَّهَا أُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ " فِي أَنْ تَقَرَّ تَحْتَ زَوْجِهَا أَوْ تُفَارِقَهُ " وَتَقَرُّ بِفَتْحٍ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ تَدُومُ ، وَتَقَدَّمَ فِي الْعِتْقِ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ " فَدَعَاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَيَّرَهَا مِنْ زَوْجِهَا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا " وَفِي رِوَايَةٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبَانِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِبَرِيرَةَ : اذْهَبِي فَقَدْ عُتِقَ مَعَكِ بُضْعُكِ زَادَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ مُرْسَلًا " فَاخْتَارِي " وَيَأْتِي تَمَامُ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا بِبَابَيْنِ . قَوْلُهُ ( وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ) هَذِهِ السُّنَّةُ الثَّانِيَةُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ سَبَبِهَا مُسْتَوْفًى فِي الْعِتْقِ وَالشُّرُوطِ ، وَفِي رِوَايَةِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ الْمَاضِيَةِ وَكَذَا عَنْ عِدَّةِ طُرُقٍ عَنْ عَائِشَةَ " إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ " وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ كَلِمَةَ " إِنَّمَا " تُفِيدُ الْحَصْرَ وَإِلَّا لَمَا لَزِمَ مِنْ إِثْبَاتِ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتِقِ نَفْيُهُ عَنْ غَيْرِهِ وَهُوَ الَّذِي أُرِيدَ مِنَ الْخَبَرِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا وَلَاءَ لِلْإِنْسَانِ عَلَى أَحَدٍ بِغَيْرِ الْعِتْقِ فَيَنْتَفِي مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ أَحَدٌ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْفَرَائِضِ وَأَنَّهُ لَا وَلَاءَ لِلْمُلْتَقِطِ خِلَافًا لِإِسْحَاقَ ، وَلَا لِمَنْ حَالَفَ إِنْسَانًا خِلَافًا لِطَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ . وَيُؤْخَذُ مِنْ عُمُومِهِ أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا ثُمَّ أَسْلَمَا أَنَّهُ يَسْتَمِرُّ وَلَاؤُهُ لَهُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِنَّهُ قِيَاسُ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَوَافَقَ عَلَى ذَلِكَ أَبُو يُوسُفَ ، وَخَالَفَ أَصْحَابَهُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا لِلْعَتِيقِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنْ يَتَوَلَّى مَنْ يَشَاءُ . قَوْلُهُ ( وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ " بَيْتَ عَائِشَةَ " . قَوْلُهُ ( وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٍ ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ ) فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلِ بْنِ جَعْفَرٍ " فَدَعَا بِالْغَدَاءِ فَأُتِيَ بِخُبْزٍ " . قَوْلُهُ ( أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ فِيهَا لَحْمٌ ؟ قَالُوا : بَلَى ، وَلَكِنْ ذَاكَ لَحْمٌ تُصَدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ فِي الزَّكَاةِ " وَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَحْمٍ فَقَالُوا هَـذَا مَا تُصَدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ " وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْهِبَةِ ، وَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ لَمَّا سَأَلَ عَنْهُ أُتِيَ بِهِ وَقِيلَ لَهُ هَلْ ذَلِكَ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ " فَأُهْدِيَ لَهَا لَحْمٌ فَقِيلَ هَذَا تُصَدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ " فَإِنْ كَانَ الضَّمِيرُ لِبَرِيرَةَ فَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَى الصَّدَقَةِ عَلَيْهَا هَدِيَّةً لَهَا ، وَإِنْ كَانَ لِعَائِشَةَ فَلِأَنَّ بَرِيرَةَ لَمَّا تَصَدَّقُوا عَلَيْهَا بِاللَّحْمِ أَهْدَتْ مِنْهُ لِعَائِشَةَ . وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الْقَاسِمِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ " وَدَخَلَ عَلِيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمِرْجَلُ يَفُورُ بِلَحْمٍ ، فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا ؟ قُلْتُ : أَهْدَتْهُ لَنَا بَرِيرَةُ وَتُصَدِّقَ بِهِ عَلَيْهَا " وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ " وَكَانَ النَّاسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهَا فَتُهْدِي لَنَا " وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْمَعْنَى ، وَاللَّحْمُ الْمَذْكُورُ وَقَعَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّهُ كَانَ لَحْمَ بَقَرٍ ، وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ " تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلَاتِي بِشَاةٍ مِنَ الصَّدَقَةِ " فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ ، وَوَقَعَ بَعْدَ قَوْلِهِ " هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هـدِيَّةٌ " مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ الْمَذْكُورَةِ " فَكُلُوهُ " ، وَسَأَذْكُرُ فَوَائِدَهُ بَعْدَ بَابَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

                                                                                                                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية