الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                        صحيح البخاري بَاب غَيْرَةِ النِّسَاءِ وَوَجْدِهِنَّ 4930 حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قَالَتْ فَقُلْتُ مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ فَقَالَ أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قُلْتِ لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ قَالَتْ قُلْتُ أَجَلْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ فتح الباري لابن حجر قَوْلُهُ ( بَابُ غَيْرَةِ النِّسَاءِ وَوَجْدِهِنَّ ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ أَخَصُّ مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا ، وَالْوَجْدُ بِفَتْحِ الْوَاوِ الْغَضَبُ ، وَلَمْ يَبُتَّ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ التَّرْجَمَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ ، وَأَصْلُ الْغَيْرَةِ غَيْرُ مُكْتَسَبٍ لِلنِّسَاءِ ، لَكِنْ إِذَا أَفْرَطَتْ فِي ذَلِكَ بِقَدْرٍ زَائِدٍ عَلَيْهِ تُلَامُ ، وَضَابِطُ ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ الْأَنْصَارِيِّ رَفَعَهُ أَنَّ مِنَ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ ، وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُ اللَّهُ : فَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ ، وَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُبْغِضُ فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ وَهَذَا التَّفْصِيلُ يَتَمَحَّضُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ لِضَرُورَةِ امْتِنَاعِ اجْتِمَاعِ زَوْجَيْنِ لِلْمَرْأَةِ بِطَرِيقِ الْحِلِّ ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَحَيْثُ غَارَتْ مِنْ زَوْجِهَا فِي ارْتِكَابِ مُحَرَّمٍ إِمَّا بِالزِّنَا مَثَلًا وَإِمَّا بِنَقْصِ حَقِّهَا وَجَوْرِهِ عَلَيْهَا لِضَرَّتِهَا وَإِيثَارِهَا عَلَيْهَا ، فَإِذَا تَحَقَّقَتْ ذَلِكَ أَوْ ظَهَرَتِ الْقَرَائِنُ فِيهِ فَهِيَ غَيْرَةٌ مَشْرُوعَةٌ ، فَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ التَّوَهُّمِ عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَهِيَ الْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ الزَّوْجُ مُقْسِطًا عَادِلًا وَأَدَّى لِكُلٍّ مِنَ الضَّرَّتَيْنِ حَقَّهَا فَالْغَيْرَةُ مِنْهُمَا إِنْ كَانَتْ لِمَا فِي الطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ الَّتِي لَمْ يَسْلَمْ مِنْهَا أَحَدٌ مِنَ النِّسَاءِ فَتُعْذَرُ فِيهَا مَا لَمْ تَتَجَاوَزْ إِلَى مَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا جَاءَ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنَ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ : أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ ( حَدَّثَنَا عُبَيْدٌ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ " حَدَّثَنِي " بِالْإِفْرَادِ . قَوْلُهُ ( إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً إِلَخْ ) يُؤْخَذُ مِنْهُ اسْتِقْرَاءُ الرَّجُلِ حَالَ الْمَرْأَةِ مِنْ فِعْلِهَا وَقَوْلِهَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَيْلِ إِلَيْهِ وَعَدَمِهِ ، وَالْحُكْمُ بِمَا تَقْتَضِيهِ الْقَرَائِنُ فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَزَمَ بِرِضَا عَائِشَةَ وَغَضَبِهَا بِمُجَرَّدِ ذِكْرِهَا لِاسْمِهِ وَسُكُوتِهَا ، فَبَنَى عَلَى تَغَيُّرِ الْحَالَتَيْنِ مِنَ الذِّكْرِ وَالسُّكُوتِ تَغَيُّرَ الْحَالَتَيْنِ مِنَ الرِّضَا وَالْغَضَبِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ شَيْءٌ آخَرُ أَصْرَحُ مِنْهُ لَكِنْ لَمْ يُنْقَلْ وَقَوْلُ عَائِشَةَ " أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ " قَالَ الطِّيبِيُّ : هَذَا الْحَصْرُ لَطِيفٌ جِدًّا لِأَنَّهَا أَخْبَرَتْ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ فِي حَالِ الْغَضَبِ الَّذِي يَسْلِبُ الْعَاقِلَ اخْتِيَارَهُ لَا تَتَغَيَّرُ عَنِ الْمَحَبَّةِ الْمُسْتَقِرَّةِ فَهُوَ كَمَا قِيلَ : إِنِّي لِأَمْنَحُكَ الصُّدُودَ وَإِنَّنِي قَسَمًا إِلَيْكَ مَعَ الصُّدُودِ لَأَمْيَلُ وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : مُرَادُهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَتْرُكُ التَّسْمِيَةَ اللَّفْظِيَّةَ وَلَا يَتْرُكُ قَلْبُهَا التَّعَلُّقَ بِذَاتِهِ الْكَرِيمَةِ مَوَدَّةً وَمَحَبَّةً اهـ . وَفِي اخْتِيَارِ عَائِشَةَ ذِكْرُ إِبْرَاهِيمِ عَلَيْهِ السَّلَامُ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ دَلَالَةٌ عَلَى مَزِيدِ فِطْنَتِهَا ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهَا بُدٌّ مِنْ هَجْرِ الِاسْمِ الشَّرِيفِ أَبْدَلَتْهُ بِمَنْ هُوَ مِنْهُ بِسَبِيلٍ حَتَّى لَا تَخْرُجَ عَنْ دَائِرَةِ التَّعَلُّقِ فِي الْجُمْلَةِ . وَقَالَ الْمُهَلَّبُ : يُسْتَدَلُّ بِقَوْلِ عَائِشَةَ عَلَى أَنَّ الِاسْمَ غَيْرُ الْمُسَمَّى إِذْ لَوْ كَانَ الِاسْمُ عَيْنَ الْمُسَمَّى لَكَانَتْ بِهَجْرِهِ تَهْجُرُ ذَاتَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ . ثُمَّ أَطَالَ فِي تَقْرِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَمَحَلُّ الْبَحْثِ فِيهَا كِتَابُ التَّوْحِيدِ حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ ، أَعَانَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْوُصُولِ إِلَى ذَلِكَ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ . ثَانِيهِمَا .

                                                                                                                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية