الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                        صحيح البخاري بَاب مَنْ نَامَ عِنْدَ السَّحَرِ 1079 حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا فتح الباري لابن حجر قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ نَامَ عِنْدَ السَّحَرِ ) فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَالْكُشْمِيهَنِيِّ " السُّحُورِ " وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا وَجْهٌ ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ . وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ : أَحَدُهَا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَالْآخَرَانِ لِعَائِشَةَ . قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : ( أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ أَخْبَرَهُ ) أَيِ ابْنَ أَبِي أَوْسٍ الثَّقَفِيَّ الطَّائِفِيَّ ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ ، وَوَهِمَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ ، وَإِنَّمَا الصُّحْبَةُ لِأَبِيهِ . قَوْلُهُ : ( أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ ) قَالَ الْمُهَلَّبُ : كَانَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُجِمُّ نَفْسَهُ بِنَوْمِ أَوَّلِ اللَّيْلِ ، ثُمَّ يَقُومُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُنَادِي اللَّهُ فِيهِ : هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ سُؤْلَهُ . ثُمَّ يَسْتَدِرْكُ بِالنَّوْمِ مَا يَسْتَرِيحُ بِهِ مِنْ نَصَبِ الْقِيَامِ فِي بَقِيَّةِ اللَّيْلِ ، وَهَذَا هُوَ النَّوْمُ عِنْدَ السَّحَرِ كَمَا تَرْجَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ ، وَإِنَّمَا صَارَتْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ أَحَبَّ مِنْ أَجْلِ الْأَخْذِ بِالرِّفْقِ لِلنَّفْسِ الَّتِي يُخْشَى مِنْهَا السَّآمَةُ ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا وَاللَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُدِيمَ فَضْلَهُ وَيُوَالِيَ إِحْسَانَهُ ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَرْفَقَ ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ بَعْدَ الْقِيَامِ يُرِيحُ الْبَدَنَ ، وَيُذْهِبُ ضَرَرَ السَّهَرِ ، وَذُبُولَ الْجِسْمِ ، بِخِلَافِ السَّهَرِ إِلَى الصَّبَاحِ . وَفِيهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ أَيْضًا : اسْتِقْبَالُ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَأَذْكَارِ النَّهَارِ بِنَشَاطٍ وَإِقْبَالٍ ، وَأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى عَدَمِ الرِّيَاءِ لِأَنَّ مَنْ نَامَ السُّدُسَ الْأَخِيرَ أَصْبَحَ ظَاهِرَ اللَّوْنِ سَلِيمَ الْقُوَى ، فَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى أَنْ يُخْفِيَ عَمَلَهُ الْمَاضِي عَلَى مَنْ يَرَاهُ ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، وَحُكِيَ عَنْ قَوْمٍ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : " أَحَبُّ الصَّلَاةِ " ؛ هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ حَالُهُ مِثْلُ حَالِ الْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ ، وَهُوَ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ قِيَامُ أَكْثَرِ اللَّيْلِ ، قَالَ : وَعُمْدَةُ هَذَا الْقَائِلِ اقْتِضَاءُ الْقَاعِدَةِ زِيَادَةَ الْأَجْرِ بِسَبَبِ زِيَادَةِ الْعَمَلِ ، لكنْ يُعَارِضُهُ هُنَا اقْتِضَاءُ الْعَادَةِ وَالْجِبِلَّةِ التَّقْصِيرَ فِي حُقُوقٍ يُعَارِضُهَا طُولُ الْقِيَامِ ، وَمِقْدَارُ ذَلِكَ الْفَائِتِ مَعَ مِقْدَارِ الْحَاصِلِ مِنَ الْقِيَامِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنَا . فَالْأَوْلَى أَنْ يَجْرِيَ الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعُمُومِهِ ، وَإِذَا تَعَارَضَتِ الْمَصْلَحَةُ وَالْمَفْسَدَةُ ، فَمِقْدَارُ تَأْثِيرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْحَثِّ أَوِ الْمَنْعِ غَيْرُ مُحَقَّقٍ لَنَا ، فَالطَّرِيقُ أَنَّنَا نُفَوِّضُ الْأَمْرَ إِلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ ، وَنَجْرِي عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قُوَّةِ الظَّاهِرِ هُنَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( تَنْبِيهٌ ) : قَالَ ابْنُ التِّينِ : هَذَا الْمَذْكُورُ إِذَا أَجْرَيْنَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَهُوَ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ ، وَأَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقِيَامِ أَكْثَرِ اللَّيْلِ ، فَقَالَ : يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا انْتَهَى . وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ قَدْ نُسِخَ كَمَا سَيَأْتِي ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " فَلَمَّا كَانَ نِصْفُ اللَّيْلِ ، أَوْ قَبْلُهُ بِقَلِيلٍ ، أَوْ بَعْدُهُ بِقَلِيلٍ " وَهُوَ نَحْوُ الْمَذْكُورِ هُنَا . نَعَمْ سَيَأْتِي بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُجْرِي الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ ) يَأْتِي فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ ، وَسَتَأْتِي بَقِيَّةُ مَبَاحِثِهِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ إِلَخْ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ( كَانَ يَرْقُدُ شَطْرَ اللَّيْلِ ، ثُمَّ يَقُومُ ثُلُثَ اللَّيْلِ بَعْدَ شَطْرِهِ ) قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ هُوَ الَّذِي يَقُولُ : يَقُومُ ثُلُثَ اللَّيْلِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . انْتَهَى . وَظَاهِرُهُ أَنَّ تَقْدِيرَ الْقِيَامِ بِالثُّلُثِ مِنْ تَفْسِيرِ الرَّاوِي فَيَكُونُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى إِدْرَاجٌ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : " عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ ذَكَرَهُ " أَيْ بِسَنَدِهِ فَلَا يَكُونُ مُدْرَجًا . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِنَ الْفَائِدَةِ تَرْتِيبُ ذَلِكَ بِثُمَّ ، فَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ أَجَازَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنْ تَحْصُلَ السُّنَّةُ بِنَوْمِ السُّدُسِ الْأَوَّلِ مَثَلًا ، وَقِيَامِ الثُّلُثِ ، وَنَوْمِ النِّصْفِ الْأَخِيرِ ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْوَاوَ لَا تُرَتِّبُ . ( تَنْبِيهٌ ) : قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : الظَّاهِرُ مِنْ سِيَاقِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو مُطَابَقَةُ مَا تَرْجَمَ لَهُ ، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ نَصًّا فِيهِ ، فَبَيَّنَهُ بِالْحَدِيثِ الثَّالِثِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ : " مَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إِلَّا نَائِمًا " .

                                                                                                                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية